العراق بعد الانسحاب الأميركي هل تبدأ مرحلة السيادة أم مرحلة الصراع ؟ : خالد الياس رفو

منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة تاريخية مضطربة عقب الغزو الأميركي وسقوط النظام البعثي وانهيار جزء كبير من مؤسسات الدولة وبدلاً من أن يتحول التغيير إلى بداية لبناء دولة مستقرة وقوية أصبح العراق ساحة مفتوحة لتداخل المصالح الدولية والإقليمية وصراعات القوى السياسية الداخلية وكانت النتيجة سنوات من العنف الطائفي والإرهاب والفساد والتهجير وتراجع الخدمات وتآكل ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

في ظل هذه الفوضى ظهرت تنظيمات متطرفة وجدت في ضعف الدولة والانقسامات الداخلية بيئة ملائمة للتوسع فظهر تنظيم القاعدة الإرهابي بقيادة الزرقاوي ثم ظهر تنظيم داعش الإرهابي عام 2014 بقيادة البغدادي ليحتل أراضي واسعة من العراق ويرتكب جرائم مروعة وجرائم إبادة جماعية بحق الأيزيديين في سنجار وقد تطلبت هزيمته تضحيات جسيمة من العراقيين وجهوداً عسكرية واسعة بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

في مواجهة تنظيم داعش دخل العراق مرحلة جديدة من الصراع وأدت فتوى المرجعية الدينية بالجهاد الكفائي إلى تعبئة واسعة وتشكيل الحشد الشعبي بالتوازي مع إعادة بناء وتطوير القوات المسلحة العراقية وبالدعم العسكري والاستخباري من التحالف الدولي انتهت الحرب باستعادة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم وإنهاء سيطرته الإقليمية وإن لم ينته خطره بصورة كاملة.

هكذا انتقل العراق تدريجياً من معركة مواجهة الإرهاب إلى معركة أكثر تعقيداً هي معركة بناء الدولة ومواجهة الفساد وترسيخ المؤسسات وحماية القرار الوطني.

لكن استعادة الأراضي لا تعني نهاية الإرهاب بل نهاية مرحلة من مراحله فالتنظيمات المتطرفة لا تفقد قدرتها على التهديد بمجرد خسارة المدن التي تسيطر عليها بل قد تعيد تنظيم صفوفها وتتحول الى خلايا سرية تنتظر الظروف المناسبة للعودة.

هنا يبرز أحد أخطر التحديات التي تواجه العراق اليوم وهي
هل انتهى خطر داعش فعلاً أم أن البلاد قد تشهد عودته بصورة مختلفة ؟
هل يمكن أن يظهر تنظيم إرهابي جديد يحمل اسماً وخطاباً مختلفين لكنه يعيد إنتاج فكر القاعدة وداعش ؟

لقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن العراق أحرز بعض التحسن في مؤشرات مكافحة الفساد خلال السنوات الأخيرة لكنه أكد في الوقت نفسه استمرار مشكلات كبيرة تتعلق بالشفافية والرقابة وسيادة القانون مع بقاء الفساد مؤثراً في قطاعات رئيسية مثل النفط والكهرباء والإنفاق العام.

هنا تكمن المفارقة العراقية فقد استطاعت الدولة أن تهزم تنظيماً إرهابياً كان يسيطر على مدن وأراض واسعة لكنها لا تزال تواجه معركة طويلة ضد شبكات المصالح والفساد وضعف الإدارة والاقتصاد الريعي.

الاقتصاد العراقي نفسه ما زال شديد الاعتماد على النفط وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن النفط شكل في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي و88% من إيرادات الحكومة و91% من صادرات السلع وهذا يجعل الاقتصاد العراقي شديد الحساسية تجاه أسعار النفط والأزمات الإقليمية.

لذلك فإن بناء عراق قوي لا يمكن أن يقاس فقط بعدد القوات والأسلحة وإنما بقدرة الدولة على بناء اقتصاد متنوع ومؤسسات مستقلة وقضاء فعال وإدارة قادرة على تقديم الخدمات وبيئة سياسية لا تسمح بتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لصالح الأحزاب أو القوى الخارجية.

إن احتمال ظهور تنظيم متطرف جديد ليس أمراً يمكن استبعاده بعد انسحاب القوات الأمريكية ما دامت عوامل الضعف قائمة فقد تستغل الجماعات الإرهابية الفساد والبطالة والتهميش وضعف الخدمات والانقسامات السياسية والمجتمعية لاستقطاب الشباب وبناء شبكات سرية.
قد لا تسعى في البداية الى السيطرة على المدن كما فعل تنظيم داعش الإرهابي بل يمكن أن تعتمد على عمليات الاغتيال والتفجيرات والاستنزاف الأمني والدعاية الإلكترونية حتى تستعيد قدرتها على التوسع.
لذلك فإن الخطر الحقيقي بعد انسحاب القوات الأمريكية لا يكمن فقط في عودة داعش باسمه المعروف بل في ظهور جماعة جديدة تتبنى الفكر المتطرف ذاته وتستخدم وسائل أكثر مرونة في التجنيد والتمويل والتنظيم.
التنظيمات تتغير أسماؤها ووسائلها لكن الظروف التي تسمح لها بالنمو قد تبقى كما هي.

لا تكفي القوة العسكرية وحدها لمنع هذا الاحتمال فالمواجهة الحقيقية تبدأ ببناء دولة عادلة وفعالة تعالج المظالم وتحمي حقوق المواطنين وتعيد إعمار المناطق المتضررة وتضمن عودة النازحين وتوفر فرص العمل والخدمات.
كما تتطلب تطوير القدرات الاستخبارية وتعزيز أمن الحدود وتبادل المعلومات وتنسيق عمل المؤسسات الأمنية إلى جانب مكافحة خطاب الكراهية والتطرف واحترام سيادة القانون.

لقد أثبتت تجربة عام 2014 أن ضعف الدولة والانقسام السياسي قد يتحولان إلى خطر وجودي على البلاد ولذلك فإن منع تكرار تلك الكارثة يجب أن يكون أولوية وطنية لا تخضع للحسابات الحزبية أو التنافس بين القوى السياسية فالإرهاب يجد فرصته حين تنشغل الدولة بصراعاتها الداخلية وتتراجع قدرتها على حماية المواطنين وفرض القانون.

في هذا السياق يأتي الانسحاب العسكري الأميركي باعتباره اختباراً جديداً لقدرة العراق على إدارة أمنه وسيادته.
غير أن انتهاء الوجود العسكري لا يعني بالضرورة اكتمال الاستقلال في القرار الوطني فالسيادة لا تقاس فقط بخروج القوات الأجنبية بل بقدرة الدولة على حماية حدودها وإدارة أمنها ومنع أي طرف خارجي من التأثير في قراراتها الداخلية.

من هنا تبرز أسئلة أساسية هي :
هل تستطيع المؤسسات العراقية سد أي فجوات استخبارية وأمنية قد تنشأ عن تغير طبيعة الوجود العسكري الأميركي ؟
هل تمتلك القدرة على منع داعش من إعادة تنظيم صفوفه ؟
هل تستطيع مواجهة اي تنظيم جديد قد يستغل الفراغ الامني او الخلافات السياسية ؟

إن الانتقال إلى تحمل المسؤولية الأمنية بصورة أكبر يجب أن يستند إلى بناء قدرات وطنية حقيقية لا إلى الشعارات السياسية فالمصلحة العراقية تقتضي امتلاك منظومة استخبارية فعالة وقوات أمنية محترفة وتنسيقاً مؤسسياً مستقراً مع الحفاظ على التعاون الدولي الذي تحتاجه البلاد ضمن إطار يحترم سيادتها.

في المقابل يواجه العراق تحدياً آخر يتمثل في استمرار نفوذ القوى الخارجية وتداخل مصالحها مع الصراعات الداخلية.
إيران تمتلك علاقات واسعة مع قوى سياسية وفصائل مسلحة عراقية ، وتركيا لديها نفوذها ومصالح أمنية واقتصادية وسياسية ، فيما تسعى السعودية ودول الخليج الى بسط نفوذها وتوسيع علاقاتها مع بغداد ، كما تحتفظ الولايات المتحدة وأوروبا بمصالح وشراكات مختلفة مع العراق.

لا تكمن المشكلة في إقامة علاقات مع هذه الدول بل في تحولها الى وسائل للتأثير في القرار العراقي أو استخدام الأراضي العراقية لتصفية الحسابات الإقليمية.
العراق القوي ليس الذي يعادي جيرانه أو يعزل نفسه عن العالم بل الذي يقيم علاقات متوازنة مع الجميع ويحمي مصالحه الوطنية دون تبعية لأحد.

تبقى مسألة حصر السلاح بيد الدولة من أهم شروط تحقيق السيادة والاستقرار فالدولة التي لا تحتكر القرار في الحرب والسلم تبقى معرضة للضغوط الداخلية والخارجية.
كما أن تضارب المصالح السياسية والأمنية سوف يضعف قدرتها على مواجهة الإرهاب ويمنح التنظيمات المتطرفة فرصاً لاستغلال الثغرات.

لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد ، الاعتماد الكبير على النفط وضعف القطاع الخاص والفساد الإداري والمالي تحد من قدرة الدولة على توفير فرص العمل وتحسين الخدمات.
كلما ازدادت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تراجعت ثقة المواطنين بالمؤسسات واتسعت المساحات التي يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة أو شبكات المصالح غير المشروعة.

لذلك فإن حماية العراق من الإرهاب والتدخلات الخارجية تبدأ ببناء مؤسسات قوية ومستقلة وقضاء عادل واقتصاد متنوع ومجتمع يشعر جميع أفراده بالمساواة والانتماء.
كما تتطلب معالجة آثار الجرائم السابقة وضمان حقوق ضحايا الإرهاب وحماية التنوع الديني والقومي والثقافي دون تفرقة وتمييز والذي يشكل جزءاً أساسياً من هوية البلاد.

إن العراق يقف اليوم أمام فرصة لإعادة بناء علاقاته الخارجية على أساس المصالح المتبادلة وتحمل مسؤولية أمنه الوطني بصورة أكبر لكنه يواجه في الوقت نفسه خطر استمرار الاختلالات التي قد تعيد البلاد الى دوامة عدم الاستقرار.
إذا بقيت الانقسامات السياسية والفساد وضعف المؤسسات دون معالجة فقد لا تتكرر أحداث عام 2014 بالشكل نفسه لكن البلاد قد تواجه صيغة جديدة من الإرهاب والفوضى أكثر تعقيداً.

لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم خلال أكثر من عقدين من الحروب والإرهاب والتدخلات الخارجية ومن حقهم أن يعيشوا في دولة تحميهم من عودة داعش أو ظهور تنظيم متطرف جديد وتمنع تحويل بلادهم الى ساحة للصراعات الإقليمية.

إن خروج القوات الأميركية لا ينبغي أن يعني استبدال نفوذ خارجي بآخر كما لا ينبغي أن يمنح أحداً شعوراً زائفاً بأن خطر الإرهاب قد انتهى.
السيادة الحقيقية تتحقق عندما يكون القرار عراقياً والسلاح خاضعاً للدولة والقضاء مستقلاً والموارد محمية بالقانون والمواطنون متساوين في الحقوق والواجبات.

السؤال الذي سيحدد مستقبل العراق ليس فقط: هل يستطيع العيش من دون القوات الأميركية ؟
بل هل يستطيع بناء دولة قوية تمنع التدخل الخارجي وتحاصر الفساد وتحمي المجتمع من التطرف وتغلق الأبواب أمام عودة داعش أو ظهور تنظيم إرهابي جديد باسم وأساليب مختلفة ؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي للسيادة العراقية فإما أن يتعلم العراق من ماضيه ويحول تضحيات شعبه إلى أساس لدولة مستقرة ومستقلة وإما أن تبقى نقاط ضعفه مدخلاً لأزمة جديدة تعيد إنتاج المأساة تحت عناوين وأسماء مختلفة.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت