لم تعد المشكلة في العراق بعد عام 2003 مقتصرة على الفساد الإداري والمالي، ولا على استشراء المحسوبية والرشوة ونهب المال العام، بل تجاوزت ذلك إلى تشكّل منظومة من المصالح الاقتصادية والسياسية المتشابكة، التي جعلت قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي خاضعة لمنطق الربح السريع، حتى عندما يتعارض هذا الربح مع القانون والاخلاق والقيم السامية ومصلحة الوطن وحقوق المواطنين.
وفي ظل هذه المنظومة المشوهة والمشبوهة ، لم يعد التاجر الذي يراكم ثروته من الإنتاج والعمل المشروع هو النموذج الوحيد للصعود الاقتصادي، بل برزت أنماط من التجار والمستثمرين والمضاربين والساسة والمسؤولين الذين يحققون أرباحهم من الأزمات والاحتكارات والامتيازات الحكومية والعقود المشبوهة والصفقات الفاسدة ، ومن استغلال حاجات الناس وضعف الرقابة وتراجع هيبة القانون.
إننا لا نتحدث هنا عن الرأسمالية بوصفها نظاماً اقتصادياً يقوم على الملكية الخاصة والمنافسة والاستثمار، ولا عن حق التاجر في تحقيق الأرباح المشروعة، فهذه أمور طبيعية في أي اقتصاد يسعى إلى النمو والازدهار، وإنما نتحدث عن رأسمالية متوحشة وقذرة ومنفلتة من المسؤولية الاجتماعية والاخلاقية والقانونية … ؛ تتحول فيها الثروة من وسيلة للإنتاج والتنمية إلى غاية تبرر الوسائل، ويصبح القانون عائقاً ينبغي الالتفاف عليه، والمواطن مجرد فرصة للربح والاستغلال ، والوطن سوقاً مفتوحة للاستنزاف والسرقات والصفقات المشبوهة .
أولاً: ما بعد 2003… حين تحولت الفوضى إلى فرصة للثراء
دخل العراق بعد عام 2003 مرحلة من الاضطراب السياسي والأمني والاقتصادي، وتعرضت مؤسسات الدولة وبناها الإدارية والرقابية – الفاسدة اصلا – لاختلالات عميقة، بالتزامن مع إعادة تشكيل النظام السياسي والاقتصادي… ؛ وفي مثل هذه الظروف، كان من المفترض أن تعمل الحكومات المتعاقبة على بناء اقتصاد وطني منتج، وترسيخ قواعد المنافسة العادلة، وحماية المال العام، وتطوير القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، وتوفير بيئة قانونية تتيح للمواطنين فرصاً متكافئة.
لكن اختلالات الإدارة العامة، وضعف المساءلة في قطاعات متعددة، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، والمحاصصة الحزبية والطائفية والقومية والفئوية … ؛ أوجدت بيئة ملائمة لنمو أنشطة ريعية وممارسات احتكارية ونشاطات غير قانونية ، ولتحول بعض الفرص الاقتصادية إلى امتيازات تستفيد منها شبكات محدودة على حساب المجتمع.
وأصبح الوصول إلى مراكز النفوذ والسلطة ، في بعض الحالات، أكثر أهمية من امتلاك الخبرة أو القدرة الإنتاجية أو الكفاءة المهنية.
وهكذا، لم تعد الثروة تُصنع دائماً في المصانع والمزارع ومراكز البحث والتطوير، بل أمكن لبعض المنتفعين أن يراكموا الأموال من خلال العقود الحكومية، والوساطة، واستغلال الامتيازات، والمضاربة، والتحكم في الاستيراد والتوزيع، والاستفادة من التفاوت بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق، أو من الثغرات الموجودة في أنظمة الرقابة والجباية.
ولا يعني ذلك أن جميع التجار والمستثمرين والمسؤولين يسلكون هذه الطرق، أو أن القطاع الخاص العراقي خالٍ من المبادرات الوطنية الناجحة؛ فهناك رجال أعمال – قلة – ومنشآت يعملون بصورة قانونية ويسهمون في توفير فرص العمل وتحريك الأسواق.
لكن الخلل يكمن في البيئة التي قد تكافئ السلوك الانتهازي أكثر مما تكافئ الإنتاج والكفاءة، وتمنح صاحب العلاقات والنفوذ فرصاً لا تتاح بالقدر نفسه لمن يعتمد على عمله ومهارته ورأس ماله المشروع.
ثانياً: التاجر الذي يربح من حاجة المواطن
في الاقتصاد السليم، يؤدي التاجر دوراً مهماً في توفير السلع والخدمات، وتسهيل انتقال المنتجات من المنتج إلى المستهلك، وتحسين كفاءة التوزيع، والمساهمة في خلق فرص العمل… ؛ أما في اقتصاد تضعف فيه المنافسة وتختل فيه الرقابة، فقد يتحول بعض التجار إلى مستفيدين من اختلال السوق بدلاً من أن يكونوا مساهمين في إصلاحه.
فحين ترتفع أسعار السلع الأساسية، لا يجوز أن يكون السؤال الوحيد هو: كم بلغت أرباح المستورد أو الموزع؟
بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ما أسباب الارتفاع؟ وهل توجد منافسة حقيقية؟ وهل هناك احتكار أو تواطؤ بين المتعاملين؟ وهل تعكس الأسعار زيادة فعلية في تكاليف الاستيراد والنقل والإنتاج، أم أنها تستغل حاجة الناس وغياب البدائل؟
وحين ترتفع أسعار الغذاء أو الدواء أو مواد البناء أو الخدمات الأساسية، فإن آثار ذلك لا تتوزع بالتساوي بين أفراد المجتمع؛ فصاحب الدخل المرتفع قد يتحمل الزيادة، أما العامل وصاحب الدخل المحدود والمتقاعد والموظف الذي لم تعد رواتبه تواكب تكاليف المعيشة، فيدفعون الثمن من غذائهم وصحتهم وتعليم أبنائهم واحتياجاتهم الضرورية.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتحول الأزمات إلى مواسم للثراء… ؛ ففي أوقات الشح أو الاضطراب أو ارتفاع تكاليف الاستيراد، قد يستغل بعض المتعاملين حاجة السوق لتحقيق هوامش ربح استثنائية، أو حجب السلع، أو تمرير زيادات لا تبررها الكلفة الفعلية… ؛ وهذه الممارسات، متى ثبتت، لا يمكن الدفاع عنها بوصفها مجرد حرية اقتصادية؛ لأنها قد تنطوي على غش أو احتكار أو تلاعب أو استغلال غير مشروع.
إن حرية التجارة لا تعني حرية الإضرار بالمجتمع، والمنافسة لا تعني السماح لمن يمتلك القوة المالية أو النفوذ السياسي بأن يخنق منافسيه أو يفرض شروطه على المستهلكين… ؛ فالفرق كبير بين الربح الناتج من تحسين الإنتاج وخفض التكاليف وتقديم خدمة أفضل، والربح الناتج من استغلال ضعف الناس أو تعطيل المنافسة أو الالتفاف على القانون.
ثالثاً: حين تتحول الدولة إلى وسيط بين النفوذ والثروة
من أخطر الاختلالات التي يمكن أن تصيب الاقتصاد العراقي أن تتحول مؤسسات الدولة من جهات تنظم النشاط الاقتصادي وتحمي المنافسة والمصلحة العامة، إلى بوابات للحصول على العقود والامتيازات والتراخيص والمنافع التي لا تتاح للجميع بالشروط نفسها.
فالدولة ليست شركة خاصة مملوكة لمسؤول أو حزب أو جماعة سياسية، والوزارة ليست مكتباً لتوزيع الفرص على المقربين، والعقد الحكومي ليس غنيمة يتقاسمها أصحاب النفوذ.
إنما هي مؤسسات أنشئت بأموال المواطنين، وتستمد مشروعيتها من واجبها في خدمتهم، ولذلك يجب أن تخضع قراراتها لمعايير الشفافية والكفاءة والمساءلة.
وعندما تُمنح العقود العامة من دون منافسة حقيقية، أو تُضخّم التكاليف، أو تُجزّأ المشاريع للتحايل على الضوابط، أو تُسند الأعمال إلى جهات غير مؤهلة بسبب المحاباة، فإن الخسارة لا تقتصر على الأموال التي قد تُهدر؛ بل تمتد إلى تعطيل المشاريع، وتراجع جودة الخدمات، وإضعاف ثقة المواطنين بالدولة، وإقصاء الشركات الكفوءة التي لا تمتلك علاقات سياسية نافذة.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تتداخل المصالح التجارية مع المصالح الحزبية والسياسية، بحيث يصبح بعض أصحاب الثروات قادرين على التأثير في القرارات التي يفترض أن تنظم نشاطهم، أو تتحول بعض المناصب العامة إلى أدوات لخدمة مصالح اقتصادية خاصة… ؛ ففي هذه الحالة، لا يعود الفساد مجرد رشوة يقدمها فرد لموظف، بل قد يتخذ شكل منظومة أوسع من تضارب المصالح وتبادل المنافع والامتيازات.
وهنا ينبغي التمييز بين الاستثمار المشروع الذي يستفيد من بيئة مستقرة وقوانين واضحة، وبين اقتصاد المحاصصة والنفوذ الذي يجعل القرب من السلطة بديلاً عن الكفاءة… ؛ فالأول يمكن أن يسهم في بناء الدولة، أما الثاني فيهدد بتحويلها إلى أداة لخدمة شبكات المصالح.
رابعاً: الضرائب والقانون… لماذا يدفع الملتزم ثمن المتحايل؟
من أكثر المظاهر التي تكشف اختلال العدالة الاقتصادية أن يتحمل المواطن والموظف وصاحب المشروع الصغير أعباءه القانونية والمالية، بينما يستطيع بعض أصحاب الأنشطة الكبيرة، متى أفلتوا من الرقابة، أن يتهربوا من الضرائب أو يخفوا جزءاً من معاملاتهم أو يستفيدوا من الإعفاءات والتسهيلات على نحو غير مشروع.
فالضريبة ليست عقوبة على النجاح التجاري، ولا انتقاماً من صاحب المال، وإنما هي أحد الموارد التي تعتمد عليها الدولة في تمويل الخدمات العامة والبنية التحتية والتعليم والصحة والأمن وسائر الالتزامات العامة… ؛ ومن ثم، فإن التهرب الضريبي ليس مجرد مخالفة مالية فردية؛ بل قد ينقل العبء إلى بقية المكلفين، ويقلص الموارد المتاحة للخدمات، ويضعف قدرة الدولة على تحقيق العدالة في توزيع الأعباء.
والمشكلة ليست في وجود الضرائب وحده، بل في عدالة تطبيقها، وكفاءة إدارتها، ووضوح قواعدها، وعدم تحولها إلى وسيلة للابتزاز أو التمييز… ؛ فلا يصح أن تُرهق المنشآت الصغيرة الملتزمة بالإجراءات والرسوم، بينما يفلت منافسوها الأكبر من الالتزامات نفسها بفعل النفوذ أو التلاعب أو ضعف التدقيق.
كما أن تطبيق القانون لا يجوز أن يتوقف عند أبواب المحال التجارية الصغيرة أو أصحاب المهن البسيطة، بل ينبغي أن يمتد إلى الشركات الكبرى والمستوردين والمقاولين وأصحاب الامتيازات، وفق قواعد واضحة وإجراءات عادلة لا تستثني أحداً بسبب المال أو المنصب أو العلاقات.
فالدولة التي تطالب مواطنيها باحترام القانون، ثم تسمح للأقوى مالياً بالالتفاف عليه، لا تضعف إيراداتها فحسب، بل تقوض المبدأ الذي تقوم عليه المواطنة المتساوية.
ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن التهرب الضريبي لا يُعالج بمجرد رفع الرسوم أو تشديد العقوبات بصورة عشوائية، بل يحتاج إلى نظام ضريبي واضح وعادل، وإدارة حديثة، وتبسيط للإجراءات، وتوسيع للقاعدة الضريبية، ومكافحة للفساد، وتطبيق متوازن للقانون… ؛ فالمطلوب هو تحصيل الحقوق العامة من دون خنق النشاط الاقتصادي المشروع أو تحميل الفئات الأضعف ما لا تطيق.
خامساً: الاستثمار ليس غاية منفصلة عن الوطن
كثر الحديث في العراق عن الاستثمار، وكأن مجرد دخول الأموال أو الإعلان عن مشروع جديد يمثل نجاحاً اقتصادياً بحد ذاته… ؛ لكن الاستثمار لا يُقاس بحجم الأموال المعلنة وحده، ولا بعدد الأبراج والمجمعات التجارية والمولات، ولا بمساحة الأراضي التي تتحول إلى مشاريع عقارية؛ وإنما يُقاس أيضاً بما يضيفه إلى الاقتصاد الوطني، وبما يوفره من فرص عمل مستقرة، وما يحققه من نقل للتكنولوجيا والخبرات، وما يقدمه من قيمة مضافة، وما يسهم به في تنويع مصادر الدخل.
فما جدوى استثمار ضخم إذا كانت مدخلاته مستوردة بالكامل، وفرص العمل التي يوفرها محدودة أو هشة، وأرباحه تتحول إلى الخارج، ولا يترك أثراً إنتاجياً مستداماً في الاقتصاد العراقي؟
وما قيمة مشروع عقاري إذا حصل على أرض أو امتيازات بشروط غير عادلة، أو استنزف البنية التحتية العامة، أو تسبب في أضرار بيئية وعمرانية، أو لم يلتزم بالتزاماته القانونية والمالية؟
ليس المقصود أن كل مشروع عقاري أو تجاري غير مفيد؛ فالمدن تحتاج إلى مساكن ومراكز تجارية وخدمات حديثة، كما يحتاج الاقتصاد إلى الاستثمار الخاص… ؛ إنما المقصود أن تتحول التنمية إلى عملية شاملة، لا إلى سباق لتكديس الأصول والأرباح بمعزل عن حاجات المجتمع.
إن الاستثمار الوطني الحقيقي هو الذي يخلق قيمة جديدة، لا الذي يكتفي بالاستحواذ على قيمة موجودة؛ والذي يوسع قاعدة الإنتاج، لا الذي يكتفي بالمضاربة على الأراضي والعقارات؛ والذي يلتزم بالضرائب والحقوق العمالية والضوابط البيئية، لا الذي يطالب الدولة بالتسهيلات ثم يتنصل من التزاماته تجاهها.
ومن واجب الحكومات العراقية أن تسأل قبل منح أي امتياز استثماري: ما المنفعة العامة التي سيحققها المشروع؟
وكم فرصة عمل مستقرة سيوفر؟
وما أثره في الصناعة والزراعة والخدمات؟
وما التزاماته الضريبية والبيئية؟
وهل حصل على الأرض والمياه والطاقة والبنية التحتية بشروط عادلة؟
وهل يضيف إلى الاقتصاد أم ينافس الأنشطة المنتجة على موارد محدودة من دون مردود اجتماعي متناسب؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يميز سياسة الاستثمار الوطنية من مجرد تسويق الفرص الاقتصادية لمن يستطيع دفع المال أو الوصول إلى أصحاب القرار.
سادساً: خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر
من صور الاختلال الاقتصادي أن يستفيد بعض المستثمرين من الأرباح حين تسير الأمور كما يشتهون، ثم يطالبوا الدولة بالتدخل لإنقاذهم عندما يتعرضون للخسارة، وكأن القطاع الخاص يستحق حرية التصرف في المكاسب، بينما يتحمل المواطن تبعات المخاطر.
ولا يعني ذلك أن تدخل الدولة لإنقاذ مشروع متعثر أمر مرفوض في جميع الظروف؛ فقد تكون هناك منشآت استراتيجية أو قطاعات حيوية يستدعي انهيارها تدخلاً مؤقتاً لحماية الاقتصاد والوظائف والخدمات الأساسية… ؛ لكن هذا التدخل ينبغي أن يستند إلى مصلحة عامة مثبتة، وشروط معلنة، ومقابل واضح، ورقابة تمنع تحول الدعم إلى مكافأة للفشل أو وسيلة لحماية المصالح الخاصة.
أما أن تُمنح بعض الشركات تسهيلات استثنائية، أو تُغطى خسائرها بأموال عامة، أو تُعفى من التزاماتها من دون مسوغ عادل، في الوقت الذي يُترك فيه المواطن لمواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، فذلك يقلب العلاقة بين الدولة والمجتمع.
فالمال العام ليس صندوقاً لتعويض أصحاب النفوذ عن قراراتهم التجارية الخاطئة، ولا يجوز تحميل دافعي الضرائب كلفة المخاطرة الخاصة من دون أن يحصل المجتمع على منفعة مقابلة.
والمعيار العادل واضح: إذا تحمل المجتمع جانباً من مخاطر المشروع، فمن حقه أن يحصل على نصيب من منافعه، وأن يعرف شروط الدعم، وأن يضمن عدم تحويله إلى قناة لتوزيع الثروة العامة على فئة محدودة.
سابعاً: القطاع العام ليس دكاناً، والتعليم ليس سلعة محضة
إن منطق الربح حين يتحول إلى المعيار الوحيد لإدارة الدولة، فإنه لا يتوقف عند الأسواق والعقارات، بل قد يمتد إلى الخدمات العامة التي ترتبط مباشرة بحقوق المواطنين، وفي مقدمتها التعليم والصحة والمياه والكهرباء والنقل.
فالقطاع العام لم يُنشأ لكي ينافس المحال التجارية في تحقيق الأرباح، بل لكي يؤدي وظائف عامة قد لا توفرها السوق بالكفاءة أو العدالة المطلوبتين، أو قد تعجز بعض الفئات عن تحمل تكلفتها إذا تُركت بالكامل لقدرتها الشرائية… ؛ ولهذا لا يجوز الحكم على نجاح مدرسة حكومية أو مستشفى عام بالميزان المالي وحده، كما لا يجوز اختزال قيمة المعلم والطبيب والموظف العام في كلفة رواتبهم.
وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن القطاع العام لا يعني تبرير الهدر والبيروقراطية وضعف الإنتاجية، ولا رفض كل أشكال التعاقد أو الشراكة مع القطاع الخاص… ؛ المطلوب هو إصلاح الإدارة العامة، ومحاسبة المقصرين، وتحسين جودة الخدمات، وضمان أن تبقى المصلحة العامة وحقوق المواطنين هي المعيار الحاكم.
أما تحويل الوظائف الأساسية إلى عقود هشة بلا ضمانات كافية، أو التعامل مع العاملين في الخدمات العامة باعتبارهم أعباء مالية ينبغي التخلص منها، أو إخضاع التعليم والصحة لمنطق الربح وحده، فيهدد الاستقرار الوظيفي وجودة الخدمة واستمراريتها.
فالمعلم الذي يعيش تحت ضغط التجديد المؤقت لعقده، والطبيب الذي يُحرم من بيئة عمل مستقرة، والموظف الذي لا يملك ضمانات عادلة، قد يجدون أنفسهم في مواجهة ضغوط تمس أداءهم المهني واستقرارهم النفسي… ؛ والمجتمع هو الذي يدفع الثمن في نهاية المطاف، من خلال تراجع جودة التعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة.
ولا تعني هذه الرؤية أن الأمان الوظيفي يبرر الإهمال أو التقصير؛ فحقوق العاملين تقابلها واجبات مهنية، والدولة مطالبة بحماية الموظف الكفوء ومحاسبة المقصر، لا باستبدال العدالة الوظيفية بعلاقات تعاقدية غير متوازنة.
إن القطاع العام القوي والفعال لا يتناقض مع وجود قطاع خاص نشط، بل يمكن أن يشكلا معاً قاعدة لتنمية متوازنة، بشرط أن يكون لكل منهما دور واضح، وأن تخضع الشراكات بينهما للشفافية والمساءلة، وألا تتحول الخدمات الأساسية إلى أدوات للابتزاز المالي أو الإثراء على حساب الفئات الأضعف.
ثامناً: حين يدفع العامل والمستهلك ثمن جشع السوق
لا يمكن فهم آثار الرأسمالية المنفلتة من دون النظر إلى ميزان القوة بين رأس المال والعمل… ؛ فحين يمتلك صاحب العمل القدرة على فرض أجور متدنية أو ساعات عمل طويلة أو شروط تعاقدية مجحفة، بينما يفتقر العامل إلى البدائل والحماية القانونية، تصبح العلاقة الاقتصادية أقرب إلى الإكراه الذي تفرضه الحاجة منها إلى التفاوض المتكافئ.
وفي العراق، حيث يواجه كثير من الناس تحديات تتعلق بفرص العمل والدخل وتكاليف المعيشة، تبرز أهمية حماية حقوق العمال، وضمان دفع الأجور المستحقة، وتطبيق معايير السلامة المهنية، ومنع تشغيل العاملين في ظروف غير قانونية، وتوفير آليات فعالة للتظلم والمحاسبة.
إن تحقيق الأرباح لا يمنح صاحب العمل حق مصادرة جهد العامل أو الانتقاص من كرامته، مثلما أن حق المواطن في الحصول على سلعة أو خدمة لا يبرر الغش أو التضليل أو فرض أسعار ناتجة عن ممارسات احتكارية.
والأخطر اجتماعياً أن يؤدي تراكم الثروة في أيدي فئات محدودة، من دون توسع موازٍ في الإنتاج وفرص العمل والدخول، إلى اتساع الفجوة بين من يملكون القدرة على الوصول إلى الفرص الاقتصادية ومن لا يملكون سوى بيع وقتهم وجهدهم لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وحين يرى المواطن أن الاجتهاد والالتزام لا يضمنان له حياة كريمة، بينما يحقق آخرون ثروات كبيرة بفضل النفوذ أو الالتفاف على القانون، تتراجع الثقة في عدالة النظام الاقتصادي، وتتسع مشاعر الإحباط والاغتراب الاجتماعي، وقد تنتشر ثقافة التحايل بوصفها وسيلة للنجاة في بيئة لا تكافئ الملتزمين بما يكفي.
وهذه من أخطر نتائج الفساد الاقتصادي؛ لأنه لا يسرق الأموال وحدها، بل يفسد المعايير الأخلاقية التي تنظم علاقة الفرد بالمجتمع، ويجعل الالتزام بالقانون يبدو، لدى بعض الناس، سذاجة لا فضيلة.
تاسعاً: من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المصالح
يمتلك العراق موارد طبيعية ومالية كبيرة، لكن وفرة الموارد لا تتحول تلقائياً إلى ازدهار عام… ؛ فالعبرة ليست بحجم الإيرادات النفطية وحده، وإنما بقدرة الدولة على تحويلها إلى بنية تحتية منتجة، وصناعة وطنية، وزراعة حديثة، وتعليم نوعي، وخدمات مستقرة، وفرص عمل حقيقية.
وحين تعتمد المالية العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، بينما يبقى النشاط الإنتاجي محدوداً، يصبح الاقتصاد معرضاً لتقلبات أسعار النفط، وتزداد أهمية حسن إدارة الإنفاق العام وتنويع مصادر الدخل… ؛ كما أن ضعف القاعدة الإنتاجية يجعل السوق المحلية أكثر اعتماداً على الاستيراد، ويمنح حلقات الوساطة والتوزيع وزناً كبيراً في حركة الأموال، من دون أن يعني ذلك أن الاستيراد بحد ذاته نشاط غير مشروع أو غير ضروري.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الأرباح الناتجة من الاستيراد والمضاربة أسهل من الاستثمار في الصناعة والزراعة، وعندما يجد المستثمر أن الحصول على امتياز أو عقد حكومي أقل مخاطرة من إنشاء مشروع إنتاجي طويل الأجل، أو عندما تتقدم المصالح المرتبطة بتدفق الأموال على السياسات التي تبني قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير.
ولا يمكن معالجة ذلك بمجرد مطالبة التجار بأن يكونوا أكثر وطنية؛ فالسلوك الاقتصادي يتأثر بالقواعد والحوافز والمؤسسات… ؛ فإذا كانت السياسات العامة تكافئ النشاط الإنتاجي، وتحمي المنافسة، وتحد من الاحتكار، وتوفر الكهرباء والمياه والتمويل والبنية التحتية، فإن فرص الاستثمار المنتج تتوسع… ؛ أما إذا كانت الإجراءات معقدة، والقرارات غير مستقرة، والفساد يرفع كلفة العمل المشروع، فإن الأموال قد تتجه إلى الأنشطة الأسرع ربحاً أو الأقل مخاطرة، حتى لو كانت فائدتها الاجتماعية محدودة.
ومن هنا، فإن مسؤولية الإصلاح تقع على عاتق الدولة بقدر ما تقع على عاتق أصحاب الأعمال… ؛ فالحكومة التي تريد اقتصاداً منتجاً يجب أن تصمم سياساتها بحيث يصبح الإنتاج خياراً مجدياً، والالتزام بالقانون قاعدة لا مغامرة، والتهرب من الضرائب والمنافسة غير المشروعة سلوكاً مكلفاً لا ميزة تنافسية.
عاشراً: أين المسؤولية الوطنية لدى أصحاب الثروات؟
ليس المطلوب من التاجر أن يتخلى عن الربح، ولا من المستثمر أن يحول مشروعه إلى مؤسسة خيرية، ولا من صاحب رأس المال أن يتحمل وحده إخفاقات الدولة… ؛ إنما المطلوب أن يدرك الجميع أن النشاط الاقتصادي لا يجري في فراغ، وأن الأرباح المشروعة لا تنفصل عن الحقوق والالتزامات التي تحفظ استقرار المجتمع الذي يعملون فيه.
فالتاجر الذي يستورد البضائع ويبيعها في العراق يستفيد من الطرق والموانئ والمؤسسات الأمنية والنظام النقدي والبنية التحتية والسوق التي يوفرها المجتمع… ؛ والمقاول الذي ينفذ مشروعاً حكومياً يستخدم أموالاً عامة، ولذلك يخضع لمتطلبات أشد من تلك التي تنظم صفقة خاصة بين طرفين… ؛ والمستثمر الذي يحصل على أرض أو تسهيلات أو امتيازات من الدولة ينبغي أن يلتزم بالشروط التي منحت على أساسها، وألا يحولها إلى منفعة خاصة منفصلة عن الغرض العام.
ومن ثم، فإن المسؤولية الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا منشوراً دعائياً يرافق افتتاح مشروع تجاري، بل تظهر في دفع المستحقات الضريبية، واحترام حقوق العاملين، وعدم الغش، والالتزام بالمواصفات، وتجنب الاحتكار، والمحافظة على البيئة، واحترام العقود، وعدم استخدام النفوذ السياسي للحصول على مزايا غير عادلة.
كما تظهر في استعداد الشركات الناجحة للمنافسة على أساس الجودة والكفاءة، لا على أساس إقصاء المنافسين أو الاستحواذ على الفرص العامة… ؛ فالتاجر الوطني الحقيقي ليس من يكتفي برفع الشعارات الوطنية، بل من يمارس نشاطه بطريقة لا تجعل أرباحه الخاصة خسارةً على المجتمع.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الدعوة إلى المسؤولية الاجتماعية إلى ذريعة تعفي الدولة من واجباتها، أو تفرض على الشركات التزامات غامضة خارج القانون… ؛ المطلوب هو قواعد عادلة وواضحة تُلزم الجميع، وتكافئ الملتزمين، وتحاسب المخالفين، وتضمن ألا تتحول الوطنية إلى واجهة خطابية تستر الممارسات الاستغلالية.
حادي عشر: ما الذي ينبغي فعله؟
إن مواجهة تغول المصالح الاقتصادية غير المشروعة لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بالاكتفاء بمهاجمة التجار أو شيطنة رأس المال، بل تحتاج إلى إصلاح مؤسسي يعيد التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي وواجب الدولة في حماية المجتمع.
ويمكن البدء بمجموعة من الخطوات الأساسية:
- 1. مكافحة الاحتكار وحماية المنافسة: تفعيل الجهات الرقابية المختصة، والتحقيق في التواطؤ على الأسعار وحجب السلع والممارسات التي تمنع دخول منافسين جدد، وتوفير آليات واضحة لتلقي شكاوى المستهلكين.
- 2. إصلاح النظام الضريبي: توسيع قاعدة الامتثال الضريبي بصورة عادلة، وتحديث إجراءات التحصيل والتدقيق، والحد من التهرب والتلاعب، ومراجعة الإعفاءات والامتيازات، مع حماية المشروعات الصغيرة من الأعباء غير المتناسبة.
- 3. ضمان شفافية العقود الحكومية: نشر المعلومات الأساسية عن المناقصات والإحالات والتكاليف والتعديلات ومراحل الإنجاز، وتعزيز التدقيق المستقل، وتطبيق العقوبات القانونية على الفساد والتلاعب، من دون انتقائية أو تصفية حسابات سياسية.
- 4. تنظيم تضارب المصالح: وضع ضوابط فعالة تمنع المسؤولين من استغلال مناصبهم لمصلحة أنشطتهم التجارية أو مصالح أقاربهم وشركائهم، مع تعزيز الإفصاح والمساءلة وفق القانون.
- 5. توجيه الاستثمار نحو الإنتاج: منح الحوافز على أساس معايير معلنة، مثل خلق الوظائف المستقرة، ونقل التكنولوجيا، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتطوير الصناعة والزراعة، بدلاً من توزيع الامتيازات من دون تقييم موضوعي للعائد الاجتماعي والاقتصادي.
- 6. حماية العمال والمستهلكين: إنفاذ قوانين العمل والسلامة المهنية وحماية المستهلك، وضمان قنوات فعالة للتظلم، ومحاسبة من يثبت استغلاله للعاملين أو خداعه للمشترين أو انتهاكه حقوقهم.
- 7. إصلاح القطاع العام لا تجريده من وظيفته: مكافحة الهدر والفساد، وتطوير الإدارة والكفاءة، وضمان جودة التعليم والصحة والخدمات الأساسية، وعدم اتخاذ الخصخصة أو العقود المؤقتة حلولاً تلقائية لكل مشكلة إدارية.
- 8. ربط الدعم العام بالمصلحة العامة: إخضاع الإعفاءات والضمانات والتسهيلات الحكومية لمعايير معلنة، وتقييم نتائجها، واسترداد الأموال أو تطبيق الجزاءات حيث يسمح القانون بذلك إذا أخل المستفيد بالتزاماته.
- حماية استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية: فلا يمكن بناء اقتصاد عادل إذا كان تطبيق القانون يتأثر بمكانة المخالف أو علاقاته، أو إذا كانت بعض الملفات تُفتح وتُغلق وفق موازين النفوذ.
- 10. نشر البيانات الاقتصادية: إتاحة المعلومات عن الإنفاق العام، والإيرادات الضريبية، والعقود، والإعفاءات، والمشاريع المتعثرة، بما يسمح للصحافة والباحثين والمجتمع بمراقبة الأداء وتقييم النتائج على أساس الأدلة.
هذه الخطوات لا تعادي القطاع الخاص، بل تحميه من الفساد والمنافسة غير العادلة، وتمنح المستثمر الملتزم بيئة أكثر استقراراً، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتمنع أن يتحول الاقتصاد إلى ساحة مفتوحة لمن يمتلك المال والنفوذ فحسب.
خاتمة: الوطن ليس شركة خاصة، والمواطن ليس مادةً للربح
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العراق ليس أن يحقق بعض التجار أرباحاً كبيرة، ولا أن تتوسع الشركات أو تزداد الاستثمارات، بل أن تنفصل عملية تراكم الثروة عن القانون والمصلحة العامة، وأن يصبح النجاح الاقتصادي، في نظر بعض المنتفعين، مرادفاً للقدرة على الإفلات من الالتزامات، وأن تُقاس كفاءة المسؤول بحجم الأموال التي يجذبها إلى المشاريع والصفقات، لا بمدى ما تحققه سياساته من رفاه واستقرار وتنمية للمواطنين.
كما أن الخطر لا يكمن في وجود القطاع الخاص، بل في قيام علاقة غير متكافئة بين الدولة ورأس المال؛ علاقة يحصل فيها أصحاب النفوذ على المنافع، بينما يتحمل المجتمع تكاليف الفساد والاحتكار وسوء الإدارة وتراجع الخدمات.
فليس كل استثمار تنمية، وليس كل ربح دليلاً على الكفاءة، وليس كل ارتفاع في قيمة العقارات أو حجم التداول علامة على قوة الاقتصاد. قد تتضخم الثروات الخاصة في الوقت الذي تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين، وقد ترتفع أرباح بعض الأنشطة بينما تتعثر الصناعة والزراعة، وقد تتكاثر المشاريع التجارية في الوقت الذي يعجز فيه الشباب عن العثور على عمل مستقر.
ولهذا ينبغي أن نعيد طرح السؤال الجوهري: ما قيمة اقتصاد تتراكم فيه الأموال، بينما لا يشعر المواطن بأن نصيبه من التنمية يزداد، ولا يجد في مؤسسات الدولة حماية كافية لحقوقه، ولا يرى في القانون ضمانةً لمساواته بمن هم أقوى منه مالاً ونفوذاً؟
إن العراق لا يحتاج إلى حرب على التجار، بل إلى حرب قانونية ومؤسسية على الفساد والاحتكار والتهرب والتلاعب بالعقود واستغلال النفوذ.. , ولا يحتاج إلى تخويف المستثمرين، بل إلى بيئة تكافئ الاستثمار المنتج وتحمي المنافسة النزيهة، وتمنع تحويل المال العام إلى امتياز خاص.. , ولا يحتاج إلى إدانة الثروة، بل إلى ضمان أن تُكتسب الثروة بطرق مشروعة، وأن يؤدي أصحابها التزاماتهم، وأن تتسع منافع النشاط الاقتصادي لتشمل المجتمع بأسره.
فالدولة القوية ليست تلك التي تتفاخر بعدد الشركات والأبراج والمشاريع المعلنة، وإنما التي تستطيع أن تفرض القانون على الجميع، وتحمي أموال المواطنين، وتضمن المنافسة العادلة، وتوفر الخدمات الأساسية، وتفتح أمام أبنائها أبواب العمل والإنتاج والارتقاء الاجتماعي.
أما أن يتحول الوطن إلى سوق للاستنزاف، والمواطن إلى مستهلك تُستنزف قدرته الشرائية، والعامل إلى يد رخيصة، والقانون إلى نصوص تُطبّق على الضعفاء وتُعطّل أمام الأقوياء، فذلك ليس اقتصاداً وطنياً ناجحاً، بل اختلال في وظيفة الدولة وفي معنى التنمية نفسها.
إن العراق أكبر من أن يُختزل في صفقة، وثرواته أوسع من أن تتحول إلى غنائم، ومواطنوه ليسوا أرقاماً في حسابات الأرباح والخسائر… ؛ فالأصل أن يكون الاقتصاد في خدمة المجتمع، وأن تكون الدولة حارسةً للمصلحة العامة، وأن تبقى الثروة وسيلةً لبناء الوطن، لا أن يتحول الوطن بأكمله إلى وسيلة لتضخيم ثروات فئة محدودة.



