الطلاق ليس إلا عرضاً: جذور الأزمة الأسرية للإيزيديين بين الشرق والغرب : جهور سليمان

 

تعقيبا على مقال الاخ الكاتب ماجد حسن سلو الذي نشر قبل ايام وسلّط الضوء على واقع مؤلم يمس عمق المجتمع الإيزيدي ومستقبله، ألا وهو تزايد حالات الطلاق في المهجر. غير أن تناول هذه الظاهرة من زاوية أخلاقية أو وعظية مجردة يظل قاصراً عن معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة، إذ لا يمكن فصل الانهيار الأسري عن السياق الحضاري والثقافي والمركّب الذي تحياه الجاليات الإيزيدية اليوم.
نحن في واقع الأمر أمام صدام مباشر بين بنتَين مجتمعيتين مختلفين كلياً على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية: المجتمع الشرقي والعراقي عموماً بخصوصيته الإيزيدية من جهة، والمجتمع الغربي والأوروبي الذي يضم الثقل الأكبر للجالية من جهة أخرى. ولكي نصل إلى تشخيص موضوعي، يجب الاعتراف بأننا نحن من لجأنا إلى هذه الدول طلباً للأمان وهرباً من القهر في بلداننا الأصلية. وفي الوقت الذي تتجه فيه المجتمعات الشرقية برمتها —بمن فيها من هم داخل الوطن— نحو تبني نماذج التطور الغربي، نقع نحن في تناقض حاد حين نحلم بالعيش في هذه الدول المتطورة، وفي الوقت ذاته نحاول الإبقاء على ثقافتنا الموروثة وفرضها على أبنائنا وبناتنا الذين نشأوا وتثقفوا في البيئة الغربية.
إن الخلل الحقيقي لا يبدأ لحظة وقوع الطلاق، بل يتشكل في مرحلة “ما قبل الطلاق”، وتحديداً في التعاريف والمفاهيم البنيوية التي تُبنى عليها العلاقة الزوجية. لقد اصطدمت النظرة الشرقية التقليدية، التي تسودها الذكورية ومفاهيم المهر المرتفع والتكاليف الباهظة وحفلات الزواج الشكلي، بواقع غربي يعيد تعريف الحرية الفردية، والاستقلالية الاقتصادية، والتكافؤ الفكري والأكاديمي بين الزوجين. ومن الطبيعي حينئذٍ أن تنشأ فجوة عميقة في إدارة الخلافات واستيعاب الحب والارتباط ومسؤوليات الإنجاب.
وليس هذا التحول حصراً على دولة اللجوء؛ فلو أجرينا مقارنة إحصائية لحالات الانفصال داخل الوطن بين العقود الماضية والوقت الحاضر، للاحظنا ارتفاعاً هائلاً في النسب، نظراً لتراجع سلطة الألزام الاجتماعي التقليدي وتأثر الجميع بالنمط الحديث. غير أن هذا التأثير يتضاعف في المهجر نتيجة عوامل نفسية وتراكمات عميقة؛ حيث تجد المرأة في منظومة القوانين والحريات الغربية متنفساً للتخلص من عقود الكبت والقيود الموروثة.
إن الطلاق في المهجر ليس مجرد تسرع أو ضعف في الوعي، بل هو النتيجة الطبيعية والحتمية لتصادم ثقافة قديمة مع واقع جديد يفرض شروطه. وما لم ندرك أن المشكلة تكمن في طريقة تفكيرنا وفي كيفية إعداد أبنائنا لبناء أسرة تتناسب مع العصر والبيئة التي يعيشون فيها، فستظل الحلول السطحية قاصرة،

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت