روايةً “البؤساء” لفيكتور هوغو

 

ما دامت العاداتُ والقوانين تخلق جحيمًا بشريًا… فإن كتبًا كهذا ستكون ضرورية”…
الرجل الذي سرق رغيف خبز فدفع تسعة عشر عاماً من عمره ثم حمل على ظهره شاباً جريحاً عبر مجاري باريس، وكتبه رجل منفيٌّ على جزيرة بعيدة ليقول إن العالم ما دام يصنع الجحيم بقوانينه فلا بد من كتب كهذه.. السؤال الذي تطرحه الرواية ليس هل يستحق الإنسان فرصة ثانية، بل هل يستحق المجتمع أن يصنع مجرمين ثم يعاقبهم

“البؤساء” لفيكتور هوغو

● البداية: شمعدانان في ليلة باردة

ليلة باردة في بلدة صغيرة جنوب فرنسا.
رجل ضخم الجسد، مغبّر، يطرق الأبواب فتُغلق في وجهه واحداً بعد الآخر. الحانة ترفضه. الفندق يرفضه. بيت بعد بيت يعرف ما تقوله الورقة الصفراء في جيبه: سجين سابق، خطير، يجب الحذر منه.

وأخيراً يطرق باباً لا قفل عليه. باب أسقف.
يستقبله الأسقف ميرييل بالعشاء والفراش وفضيات المائدة. وفي الليل يقوم السجين فيسرقها ويهرب. يمسك به الدرك ويعودون به إلى البيت، فيقول الأسقف جملة تغير مصير رجل وتغير تاريخ الأدب:

“لقد أهديتُه إياها. وقد نسي أن يأخذ الشمعدانين.”
هذه الكذبة المقدسة هي قلب الرواية. فما قيمة العدالة إن لم تفتح باباً لمن أغلقت عليه كل الأبواب؟ وما قيمة القانون إن كان لا يعرف إلا أن يعاقب؟
الرجل هو جان فالجان. والرواية هي “البؤساء”. ومؤلفها كتبها وهو منفيٌّ في جزيرة بعيدة، كأنه فالجان آخر يحمل ورقته الصفراء.

● هوغو قبل الرواية: ابن الجنرال وابنة الملكيين

وُلد فيكتور هوغو سنة 1802 لأسرة ممزقة بين عالمين. أبوه جنرال في جيش نابليون، وأمه ملكية كاثوليكية متشددة. وانفصل الأبوان وهو طفل، فنشأ مع أمه في باريس على أفكارها، وتنقل في طفولته مع أبيه بين إيطاليا وإسبانيا بحكم مهماته العسكرية.
كان هذا التمزق الأول: بين الإمبراطورية والملكية، بين المجد العسكري والتقوى التقليدية. وسيبقى الرجل يتحرك بين قطبين طوال حياته.
أظهر موهبته مبكراً. كتب مسرحية وهو في الرابعة عشرة تقريباً، ونشر ديواناً وهو في العشرين. وتزوج سراً سنة 1822 من صديقة طفولته أديل فوشيه رغم معارضة أمه، وأنجبا خمسة أطفال.
ثم جاءت المصائب. مات ابنه الأول صغيراً. وفي سنة 1843 غرقت ابنته الحبيبة ليوبولدين في نهر السين مع زوجها الشاب، وكان هوغو في سفر لا يعلم. ويُروى أنه عرف الخبر من صحيفة قرأها في مقهى. أحدث ذلك فيه جرحاً لم يندمل، وغيّر نظرته إلى الموت والعدل والسماء.
وبدأ حياته ملكياً كأمه، ثم تحول مع السنين إلى جمهوري، حتى صار صوت الفقراء والمنفيين.

● المنفى: حيث وُلدت الرواية

حين استولى لويس نابليون على السلطة بانقلاب سنة 1851، وصار نابليون الثالث، وقف هوغو ضده علناً. فاضطر إلى الهرب، ثم استقر في جزر القنال الإنجليزي، في جيرزي أولاً ثم في غيرنزي، وبقي في المنفى قرابة عشرين سنة، يرفض العودة ما دام الحاكم الذي سماه “نابليون الصغير” قابضاً على بلاده.
في ذلك المنفى، على جزيرة تضربها الرياح، أنجز “البؤساء” ونشرها سنة 1862. وكانت فكرتها تراوده منذ عقود، منذ شاهد في شبابه حالات متفرقة جمعت في ذهنه صورة السجين الذي لا يُغفر له.
ومعه في المنفى كانت جولييت دروويه، الممثلة التي أحبها سنين طويلة، ورافقته وساندته. وعلى قدر ما تتحدث الرواية عن العار الاجتماعي الذي يلاحق السجين السابق، فلا بد أن نلاحظ أن صاحبها نفسه عاش حياة لم يرضَ عنها المجتمع المحافظ، وأنه كتب عن الوصمة وهو يعرف طعمها.
وأنا لا أستطيع أن أقرأ الرواية دون أن أرى في فالجان شيئاً من منفى كاتبه: رجل هارب من نظرة العالم، يحتفظ بسرّه، ويحمل أثقاله، ويواصل.

● فرنسا التي تدور فيها الأحداث

تمتد الرواية عبر سبعة عشر عاماً تقريباً بعد سقوط نابليون، من سنة 1815 إلى انتفاضة يونيو 1832، وهي سنوات مضطربة.
بعد واترلو عاد آل بوربون إلى العرش، وجاءت معهم موجة انتقام من أنصار الثورة والإمبراطورية. وفي الريف فقر، وفي المدن عمال يتكدسون في مصانع بدائية، وأجور لا تسد الرمق، وعقوبات تقسو على السرقة الصغيرة حتى تكاد تساوي الجريمة الكبرى.
وفي سنة 1830 أطاحت ثورة يوليو بشارل العاشر، لكن “الملك المواطن” لويس فيليب خيّب آمال من ثاروا: فالحكم صار للأثرياء، وظل الفقراء حيث هم. وعمّ السخط. ثم جاءت الكوليرا سنة 1832 وقتلت آلافاً من الباريسيين، ومات الجنرال لامارك الذي كان محبوباً عند الشعب، وفي جنازته اشتعلت انتفاضة قصيرة قمعت في أيام.
هذه الانتفاضة هي المتاريس التي يموت عليها شباب الرواية. ولم تكن ثورة ناجحة، بل تمرداً أحاط به صمت الشعب. وهذا ما يعطيها في الرواية مرارتها: ناس يموتون من أجل جماهير لم تنضم إليهم.
وأنبه هنا إلى أن بعض الأرقام والنسب التي تتداولها الكتب حول تلك الحقبة، كالنسب المئوية للفقراء أو للمسجونين، تحتاج إلى مراجعة المصادر قبل الاعتماد عليها. أما الحقيقة الكبرى فواضحة: كان في فرنسا قانون صارم على الفقراء، وتساهل مع الأقوياء.

● الحكاية: رجل وورقة صفراء

★الجزء الأول: فانتين.*
يخرج جان فالجان من السجن بعد تسعة عشر عاماً. دخله بسبب سرقة رغيف لإطعام أبناء أخته الجياع، ثم زيدت سنواته بمحاولات هروب. يحمل ورقة صفراء تكشف ماضيه فلا يقبله أحد. ثم يلقى الأسقف ميرييل، وبعد تلك الليلة يقرر أن يصير رجلاً آخر.
بعد سنوات يظهر باسم جديد، السيد مادلين، صاحب مصنع وعمدة بلدة صغيرة، محبوباً من الناس. وهناك تتعرف عمال المصنع على فانتين، أم عزباء تُطرد من العمل لأنها أنجبت طفلة خارج الزواج، وتترك ابنتها كوزيت عند أسرة ثيناردييه، تستنزف منها المال وتعذب الطفلة. تبيع فانتين شعرها ثم أسنانها ثم جسدها لتدفع لهم، وتمرض. وحين يلتقي بها فالجان وهي تحتضر يعدها بأن ينقذ ابنتها.

★ الجزء الثاني: كوزيت.
يذهب فالجان إلى الأسرة التي تستغل الطفلة، فيأخذها منها. ثم يهرب بها من مطارده، المفتش جافير، الذي عرف حقيقته. ويختبئان في دير في باريس، تكبر فيه كوزيت.

★الجزء الثالث: ماريوس.
شاب جمهوري من أصل أرستقراطي، يقطع صلته بجده المتشدد، ويعيش فقيراً، ويلتقي بكوزيت وقد صارت شابة، ويقعان في الحب.

★الجزء الرابع والخامس: المتاريس والمجاري.
في يونيو 1832 تشتعل الانتفاضة. يقف إنجولراس وأصحابه على المتاريس، ويموت غافروش، الطفل الشارعي، وهو يجمع الرصاص ويغني. ويدخل فالجان المعركة، يحمل ماريوس الجريح على ظهره ويمشي به عبر مجاري باريس الموحلة حتى يخرج من الجهة الأخرى.

وهناك، عند فم المجاري، يجد جافير. لكن فالجان، قبل ذلك، كان قد أُتيحت له فرصة قتل جافير الأسير في المتاريس، فأطلق سراحه بدل أن يقتله. وحين يتركه جافير يمضي بالجريح، يقع في ورطة لا يحتملها: إيمانه كله قائم على أن القانون هو الحق وأن المجرم لا يتغير. وهذا الرجل الذي يطارده قد أنقذه. فلا يستطيع أن يسلمه ولا أن يتركه. ويلقي بنفسه في نهر السين.

وفي الأخير يتزوج ماريوس من كوزيت، ويكشف فالجان حقيقته، فيبتعدان عنه أولاً ثم يعودان إليه حين يعلمان فضله. ويموت فالجان وكوزيت إلى جواره، والشمعدانان على الطاولة يضيئان.

● جافير: الرجل الذي انهار لأنه رأى رحمة

سأتوقف عند جافير، لأنه في ظني أعمق شخصيات الرواية.
ليس جافير شريراً بالمعنى الشائع. هو رجل نزيه، لا يرتشي، شديد على نفسه كما هو شديد على غيره، نشأ في السجن لأب سجين وأم عرّافة، فجعل من القانون عقيدته حتى لا يكون مثل أهله. كان يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الناس صنفان: صالح ومجرم، وأن المجرم لا يتغير.
وها هو يلتقي بفالجان، المجرم الذي تغير. بل الذي أنقذه. وهنا ينكسر عالمه. فإن أطاع القانون وسلّمه فقد نقض الجميل، وإن تركه فقد خان العقيدة التي بنى عليها حياته. ولم يكن في داخله مكان لنوع ثالث من الأخلاق، لا قانون ولا خيانة: رحمة.
فينتحر. ليس لأنه ضعيف، بل لأن بناءه كله لم يكن يحتمل شقاً واحداً.
وفي هذا نقد عميق: النظام الذي لا يتسع لاستثناء الرحمة يحطم أول من يؤمن به إيماناً كاملاً.

● ما بين السطور: ما حاول هوغو أن يقوله

أولاً: الجريمة تصنعها الظروف.
لا تقول الرواية إن فالجان بريء. هو سرق فعلاً. لكنها تسأل: من صنع هذه السرقة؟ ومن صنع الجوع الذي دفعها؟ ومن جعل العقوبة تسعة عشر عاماً؟ وهي بذلك تنتقل من سؤال “ماذا فعل المذنب؟” إلى سؤال “ماذا فعل المجتمع به؟”

ثانياً: النساء بين الاستغلال والتنميط.
فانتين تُباع قطعة قطعة: شعرها وأسنانها وجسدها، وهي صورة قاسية لما يفعله الفقر بالنساء في تلك الحقبة. لكن الرواية، على تعاطفها، تظل تحمل صورة نمطية للمرأة: الملاك الضحية، والفتاة البريئة التي يُنقذها الرجال. وكوزيت أقرب إلى رمز منها إلى شخصية مستقلة. ويحسن بالقارئ المعاصر أن يرى الأمرين: رحمة هوغو ومحدودية زمنه.

ثالثاً: الدين الإنساني.
ميرييل أسقف، لكنه ليس رجل مؤسسة. إنه رجل يمارس الرحمة بلا حساب. وفي الرواية ميل واضح إلى نوع من التدين الإنساني الذي يجعل الخلاص في فعل الخير بين البشر لا في الطقوس. وهوغو كان يؤمن بالله ويكره سلطة الكنيسة السياسية، فتجد هذين الأمرين في النص معاً.

رابعاً: الثورة لا تنجح بالنبل وحده.
يحب هوغو شباب المتاريس ويرفعهم إلى مرتبة القداسة، لكنه لا يكذب علينا: هم يموتون، والشعب لم ينضم إليهم. وبين التمجيد والمرارة تتحرك الرواية. وهذا ما يجعل موت غافروش، الطفل الذي يغني تحت الرصاص، من أقسى المشاهد وأجملها: بطولة لا يراها أحد.

خامساً: الاستطرادات ليست زوائد.
يخصص هوغو فصولاً طويلة لمعركة واترلو، وللدير، وللمجاري، وللعامية الباريسية. وقد رأى بعض النقاد فيها خروجاً عن الحبكة. لكنها عندي جزء من المشروع: هوغو لا يريد أن يحكي قصة رجل فقط، بل أن يضع رجلاً وسط تاريخ كامل، وأن يثبت أن أي مصير فردي يتحرك داخل شبكة من القوانين والجغرافيا والاقتصاد. والمجاري هي استعارته الكبرى: المدينة اللامعة تقوم فوق عالم سفلي لا يراه أحد.

● الأسلوب: ملحمة تُكتب بصوت الشاعر

يكتب هوغو بصوت عالٍ. جمله طويلة أحياناً، مشحونة بالصور، تتوقف لتعظ وتتأمل. لكنه يعرف كيف يتحول فجأة إلى مشهد حي مؤثر: فانتين وهي تبيع أسنانها، كوزيت وهي تحمل الدلو في الغابة ليلاً، فالجان وهو يمشي في المجاري بحمله.
وهو من القلائل الذين جمعوا بين الشعر والواقعية الاجتماعية والفلسفة والدراما في عمل واحد. واستعمل في الحوار لغة الشارع حين اقتضى الأمر، فمنح غافروش وأمثاله صوتاً لم يكن الأدب الكلاسيكي يمنحه لهم.
ومعنى “البؤساء” في عنوان الرواية أوسع من الفقراء: هم المنكوبون والمهانون والمنبوذون. من حُرموا من اعتبار البشر.

● نبذة عن الكاتب: صوت الضمير

بعد المنفى عاد هوغو إلى فرنسا سنة 1870 بعد سقوط نابليون الثالث، فاستقبله الناس استقبال بطل. وانتُخب نائباً وعضواً في مجلس الشيوخ، ودافع عن العفو عن الكوميونيين بعد قمع كومونة باريس، وعن إلغاء عقوبة الإعدام، وعن حقوق الفقراء والمرأة والطفل.

ومن أعماله الكبرى: “أحدب نوتردام” (1831) التي حولت الكاتدرائية إلى أيقونة، و”آخر يوم لمحكوم عليه بالإعدام” (1829) التي كانت صرخة ضد العقوبة، و”الرجل الذي يضحك” (1869)، ومسرحيته “هرناني” (1830) التي أثارت معركة أدبية حول تحطيم القواعد الكلاسيكية، فضلاً عن دواوينه الشعرية الغزيرة.

مات سنة 1885 عن ثلاث وثمانين سنة. وخرجت جنازته بحضور حشود هائلة، ودُفن في البانتيون مع عظماء فرنسا. وعلى قدر ما كان الرجل متناقضاً، ملكياً ثم جمهورياً، مؤمناً يكره الكنيسة، شاعراً يكتب الرواية الاجتماعية، فإن الجامع بين كل هذه المراحل كان خيطاً واحداً: الإيمان بأن الأدب يستطيع أن يقف في صف الضعفاء.

● الخاتمة: هل نستحق فرصة ثانية؟

على فراش الموت يرى فالجان كوزيت وماريوس إلى جواره، والشمعدانان يضيئان الغرفة. وهذا المشهد الأخير ليس انتصاراً لرجل واحد فقط، بل لفكرة: أن الإنسان ليس ما فعله في أسوأ لحظاته، وأن الرحمة، حين تُمنح لمن لا يستحقها، قد تصنع منه من يستحقها.
أما الاستفهام الذي تتركه الرواية فهو الأثقل: كم من فالجان في عالمنا نغلق في وجهه الأبواب لأن في جيبه ورقة صفراء؟ وكم من جافير فينا يؤمن بالنظام حتى لا يرى الإنسان؟
كتب هوغو في مقدمته أن الكتب كهذه ستكون ضرورية ما دامت العادات والقوانين تصنع جحيماً بشرياً. وقد مضى أكثر من قرن ونصف، ولا يزال الجحيم يعمل، ولا تزال الكتاب ضرورياً.
وربما كان هذا أقسى ما فيها: ليس أن قصتها قديمة، بل أنها لم تقدم بعد.

والى روايات وكتب أخرى قريبا ان شاء الله
الكاتب والروائى خالد حســــــين

#الكاتب_الروائى_خالد_حسين
#البؤساء_فيكتور_هوغو
#Novelist_Khaled_Hussein
#Les_Misérables_Victor_Hugo

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت