العراق في مرمى التكفير: من الخصومة المذهبية إلى استهداف الهوية الوطنية : رياض سعد

أولاً: العراق بوصفه عقدةً في الصراع المذهبي والسياسي

ليس من السهل فهم العداء الذي أبدته تنظيمات تكفيرية متعددة تجاه الشيعة، وخصوصاً شيعة العراق، إذا عُزل عن التاريخ السياسي والديني للمنطقة، وعن الصراع على تعريف الإسلام الصحيح واحتكار تمثيله، وعن المنافسة على النفوذ والسلطة والشرعية.. ,  فالعراق ليس مجرد مساحة جغرافية تضم جماعات دينية ومذهبية متجاورة؛ إنه أحد أهم المراكز التاريخية لتشكّل التشيع وازدهار علومه ومؤسساته، ومنه امتدت شبكات علمية ودينية وثقافية إلى مناطق واسعة من العالم الإسلامي.

لقد احتضنت الكوفة في القرون الإسلامية الأولى تيارات سياسية وفكرية متعددة، وكان لها حضور بارز في تاريخ التشيع، ثم أصبحت النجف مركزاً أساسياً للدراسات الحوزوية والفقهية، في حين غدت كربلاء مركزاً دينياً وثقافياً يرتبط بزيارة الإمام الحسين وإحياء ذكراه.. ,  ولم يكن تأثير هذه المدن محصوراً في سكانها، بل تجاوز الحدود السياسية الحديثة، وأسهم في تشكيل مؤسسات دينية وشبكات اجتماعية عابرة للدول.

ومن هنا، يمكن فهم سبب تحوّل العراق، في خطاب بعض الجماعات المتشددة، من بلد متعدد المذاهب والأديان والقوميات إلى رمز لصراعها مع التشيع.. ,  فحين يُختزل وطن كامل في هوية مذهبية واحدة وتنتمي اليها الاغلبية العراقية ، يصبح استهداف تلك الهوية مدخلاً إلى استهداف المجتمع والدولة معاً. ويغدو العراقي الشيعي، في خطاب التكفير، هدفاً لا بسبب فعل ارتكبه، بل بسبب انتمائه الديني، فيما يُعاد تصوير مدنه ومقدساته ومؤسساته بوصفها رموزاً لخصم عقدي ينبغي محاربته.

غير أن هذه الصورة لا تعبّر عن جميع أهل السنّة، ولا عن جميع السلفيين، ولا عن كل من ينتسب إلى المدارس الدينية المحافظة.. ,  فالسلفية تيار متنوع، يضم اتجاهات علمية ودعوية وسياسية وجهادية، ولا يجوز مساواة جميع أتباعه بالتنظيمات المسلحة.

إن موضوع النقد هنا هو التكفير والإقصاء والتحريض الطائفي حين يتحول إلى أداة لتبرير العنف أو نزع الحقوق عن المواطنين، أياً كانت الجهة التي تمارسه أو الراية التي ترفعه.

 ثانياً: من الاختلاف العقدي إلى صناعة العدو

الاختلاف المذهبي ظاهرة قديمة في التاريخ الإسلامي، لكن وجود الاختلاف لا يعني بالضرورة نشوء الكراهية أو استباحة الدماء.. ,  فالانتقال من الاختلاف إلى العنف يحتاج إلى منظومة من الأفكار والممارسات التي تنزع عن الآخر صفته الدينية والإنسانية، ثم تعيد تعريفه باعتباره خطراً على الجماعة أو انحرافاً يجب القضاء عليه.

وفي بعض الخطابات السلفية التكفيرية، جرى توظيف مفاهيم الشرك والبدعة والولاء والبراء بطريقة توسّع دائرة الاتهام حتى تشمل جماعات مسلمة بأكملها.. ,  وعندما يُصنَّف الشيعي

باعتباره مشركاً أو مرتداً، لا يعود الخلاف في نظر المتشدد خلافاً فقهياً قابلاً للنقاش، بل يتحول إلى حكم بالإقصاء، وقد يصبح مقدمة لتسويغ القتل والتهجير وتدمير المقدسات.

هذه هي النقطة الأخطر: حين تتحول العقيدة من منظومة للعبادة والأخلاق إلى أداة لحرمان الآخرين من حقهم في الحياة والأمان والمواطنة.

وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن جماعات متطرفة في العراق، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة في العراق، عدّت الشيعة وغيرهم من الجماعات الدينية أهدافاً مشروعة وفق تصوراتها التكفيرية، ونفذت هجمات استهدفت المدنيين والمواقع الدينية.

ولا يحتاج المرء إلى افتراض وجود كراهية أزلية أو مؤامرة موحدة بين جميع التيارات حتى يفسّر هذه الجرائم.. ,  فالتكفير، حين يقترن بالتنظيم المسلح والدعاية والتحريض، قادر على تحويل الاختلاف إلى عداوة، والعداوة إلى مشروع سياسي، والمشروع السياسي إلى عنف منظم.

 ثالثاً: نجد والحجاز، والحركة الوهابية، وإرث الصراع مع العراق

لا يمكن تناول تاريخ العلاقة بين العراق والحركة الوهابية من دون العودة إلى أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، حين ظهرت الحركة الوهابية في نجد، وتداخل انتشارها مع مشروع الدولة السعودية الأولى والتوسع العسكري والسياسي في الجزيرة العربية.

وقد شهدت تلك المرحلة مواجهات بين القوات السعودية الأولى ومناطق عراقية، وكان من أبرز أحداثها الهجوم على كربلاء سنة 1802، الذي ارتبط في الروايات التاريخية بمقتل أعداد من السكان ونهب المدينة ومقدساتها.. ,  وتختلف المصادر في بعض تفاصيل الهجوم وحجم الخسائر، لكن الواقعة أصبحت جزءاً راسخاً من الذاكرة التاريخية الشيعية، ومثالاً على الكيفية التي يمكن أن يتخذ فيها الصراع السياسي والعسكري طابعاً مذهبياً.

لم تكن تلك الأحداث مجرد خلافات بين مدارس فقهية فحسب ، بل جرت في سياق توسع دولة ناشئة، وصراع على النفوذ والشرعية الدينية والسيطرة على الطرق والمناطق والمدن.. ,  وقد تداخلت فيها العقيدة مع السياسة والحرب، فتحولت بعض التصورات الدينية إلى لغة لتبرير الصدام مع مجتمعات ومؤسسات دينية مخالفة.

ومن الخطأ التاريخي اختزال كل تاريخ الدولة السعودية أو جميع سكان الجزيرة العربية في تلك المواجهات، كما أن من الخطأ تجاهل أثرها في الذاكرة العراقية.. ,  فالتاريخ لا يُقرأ بإنكار الوقائع المؤلمة، ولا بتحويلها إلى اتهام وراثي لأجيال لم تشارك فيها؛ بل بفهم الظروف التي أنتجتها، والأفكار التي شرعنتها، والنتائج التي تركتها في العلاقات بين المجتمعات.

والمشكلة لا تكمن في وجود مدرسة دينية تتبنى اجتهاداً عقدياً معيناً، بل في اللحظة التي يُمنح فيها هذا الاجتهاد سلطة تصنيف المجتمعات الأخرى إلى مؤمنين مستحقين للحماية، ومخالفين مستباحي الحقوق… ؛  عندئذٍ يصبح الخلاف المذهبي قابلاً للتحول إلى سياسة إقصاء، وتغدو الذاكرة التاريخية وقوداً لصراعات جديدة بدلاً من أن تكون موضوعاً للبحث والمراجعة.

 رابعاً: من الدولة السعودية إلى التنظيمات الجهادية التكفيرية

مع تأسيس المملكة العربية السعودية سنة 1932، دخلت العلاقة بين الدين والدولة مرحلة جديدة، ارتبطت فيها المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية ضمن ترتيبات تاريخية متغيرة.. ,  ولم تكن العلاقة بين الدولة والتيارات الدينية ثابتة طوال هذه المدة؛ فقد شهدت تعاوناً في مراحل، وتنافساً وصداماً في مراحل أخرى، ولا سيما عندما ظهرت حركات مسلحة تحدت احتكار الدولة للشرعية الدينية أو لقرار الحرب والسلم.

وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

  1. المؤسسة الدينية الرسمية: وهي مؤسسات تتغير مواقفها وأدوارها بحسب السياقات السياسية والاجتماعية.
  2. التيارات السلفية الدعوية والسياسية: وهي متعددة الاتجاهات، ولا تتبنى جميعها العمل المسلح أو تكفير الشيعة.
  3. التنظيمات الجهادية التكفيرية: مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة في مراحلها المختلفة، وهي تنظيمات استخدمت العنف المسلح، واتخذ بعضها من التكفير الطائفي أداة للتعبئة والتجنيد وإضفاء الشرعية على جرائمه.

هذا التمييز ليس ترفاً اصطلاحياً؛ بل ضرورة لفهم المسؤولية السياسية والفكرية بدقة.. ,  فلا يصح تحميل كل فرد ينتسب إلى تيار ديني مسؤولية جرائم تنظيم مسلح، كما لا يصح إعفاء أي مؤسسة أو خطاب أو جهة سياسية من النقد إذا ثبت أنها حرّضت على العنف أو أسهمت في توفير الغطاء له.

ومن جهة أخرى، فإن دراسة جذور التنظيمات التكفيرية تقتضي البحث في مصادر أفكارها، وشبكات تمويلها، وظروف نشأتها، وعلاقاتها بالدول والجهات غير الحكومية.. ,  فالتشابه في بعض الأفكار لا يثبت وحده وجود قيادة موحدة أو تنسيق دائم بين جميع الأطراف.

لقد أظهرت تجربة القاعدة أن التنظيمات الجهادية قد تدخل في صراع مع الدول التي تتقاطع معها في بعض التصورات العقدية، متى تعارضت مصالحها أو رؤيتها للسلطة.. ,  وهذه الحقيقة تبيّن أن المسألة لا تتعلق بعقيدة واحدة تتحرك بصورة آلية، بل بعلاقة معقدة بين الأيديولوجيا والتنظيم والمصلحة السياسية.

خامساً: أسامة بن لادن عام 1990؛ حين التقت لغة الجهاد مع حسابات الدولة

تقدم أزمة الكويت سنة 1990 مثالاً مهماً على العلاقة المتشابكة بين العقيدة والسلطة والأمن… ؛  فعقب حرب استرجاع الكويت في 2 آب 1990، عرض أسامة بن لادن على القيادة السعودية الاستعانة بالمجاهدين الذين شاركوا في القتال ضد القوات السوفيتية في أفغانستان، بدلاً من الاعتماد على القوات الأمريكية والغربية.

وتذكر الروايات التاريخية أن بن لادن طرح على القيادة السعودية فكرة حشد المقاتلين لمواجهة القوات العراقية، وأنه قوبل بالرفض، فيما مضت المملكة في خيار الاستعانة بالتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.. ,  وتؤكد لجنة التحقيق الأمريكية في أحداث 11 سبتمبر أن بن لادن اقترح حشد المجاهدين لاستعادة الكويت، وأن القيادة السعودية رفضت عرضه .

وتكتسب الواقعة أهميتها من أنها تكشف عن اختلاف جوهري بين رؤية بن لادن ورؤية الدولة السعودية آنذاك : فقد أراد توظيف شبكة المقاتلين الأفغان والعرب السابقين في مشروع عسكري ذي مرجعية جهادية، بينما اختارت القيادة السعودية الاعتماد على تحالف دولي ذي قدرات عسكرية وسياسية مختلفة.

وهذا العرض يثبت  أن أغلب التيارات السلفية والوهابية والتكفيرية والارهابية كانت متفقة على محاربة الشيعة أو العراقيين، لكنه قد لا يثبت وجود تحالف دائم بين بن لادن والدولة السعودية ضد العراق.. ,  فبن لادن نفسه دخل لاحقاً في مواجهة مع النظام السعودي، خصوصاً بسبب وجود القوات الأمريكية في المملكة.

ومع ذلك، تظل الواقعة كاشفة عن مدى قدرة الخطاب الجهادي على تقديم نفسه بديلاً عن الدولة، وعن خطورة تحويل التعبئة الدينية إلى مشروع عسكري يتجاوز المؤسسات والقوانين.. ,  وهي تذكّرنا أيضاً بأن الحديث عن «المجاهدين» لا يغني عن السؤال الأساسي: من يحدد أهداف الحرب؟ ومن يحاسب المقاتلين؟ ومن يحمي المدنيين من النتائج؟

فليس كل من حمل شعاراً دينياً مدافعاً عن وطن، ولا كل مشروع يرفع اسم الجهاد مشروعاً لتحرير الشعوب… ؛  العبرة بما يستهدفه، وبالوسائل التي يستخدمها، وبالموقف الذي يتخذه من دماء الأبرياء وحقوقهم.

سادساً: عام 2003؛ من سقوط الدولة إلى استباحة المجتمع العراقي

شكّل الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 نقطة تحول كبرى في تاريخ البلاد الحديث.. ,  فقد أدى إسقاط النظام البعثي الاجرامي ، وما رافقه من تفكك مؤسسات أمنية وعسكرية واضطراب سياسي، إلى نشوء بيئة هشّة استغلتها جماعات مسلحة طائفية وتكفيرية وسلفية متعددة، بعضها محلي وبعضها عابر للحدود.

وفي هذه البيئة، برز تنظيم أبي مصعب الزرقاوي، الذي ارتبط لاحقاً بتنظيم القاعدة في العراق، واعتمد استراتيجية تقوم على استهداف الشيعة وتفجير الصراع الطائفي.. ,  ولم يكن هدف هذه الاستراتيجية مجرد إيقاع أكبر عدد من الضحايا فقط ؛ بل كان تفكيك المجتمع، واستدراج الأطراف إلى ردود فعل متبادلة، ومنع قيام نظام سياسي مستقر.

وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش هجمات التنظيمات المسلحة على المدنيين العراقيين، بما في ذلك التفجيرات التي استهدفت المواقع الدينية والقيادات الشيعية.. ,  ومن أبرزها تفجير النجف في 29 آب 2003، الذي أودى بحياة أكثر من ثمانين شخصاً، بينهم السيد محمد باقر الحكيم.

وفي السنوات اللاحقة، تصاعدت التفجيرات والاغتيالات والتهجير على أسس طائفية، وصولاً إلى الجرائم الواسعة التي ارتكبها تنظيم داعش، الذي استهدف الشيعة والإيزيديين والمسيحيين والسنّة المخالفين له، وغيرهم من الجماعات التي رفضت سلطته أو صنفها أعداءً.

إن وصف هذه الجماعات لنفسها بأنها تمثل الإسلام أو تدافع عن السنّة لا يمنحها تفويضاً دينياً أو أخلاقياً.. ,  كما أن جرائمها لا يجوز تحميلها إلى عموم السنّة، الذين كان البعض منهم ضحايا للإرهاب نفسه، وواجهت مجتمعاتهم القتل والتهجير والقمع على أيدي التنظيمات المتطرفة.

لقد كانت المأساة العراقية أوسع من حدود الانقسام المذهبي: دولة مدمرة المؤسسات، ومجتمع مثقل بالخوف، ومدن تحولت إلى ساحات حرب، وعائلات فقدت أبناءها، وأجيال ورثت ذاكرة الدم والثأر.. ,  وكان من بين المستفيدين من هذه الكارثة كل طرف رأى في انهيار العراق فرصة لتوسيع نفوذه أو إضعاف خصومه.

ولهذا، فإن النقد التاريخي المسؤول لا يختزل المأساة في مؤامرة واحدة، ولا ينكر أثر الاحتلال أو قرارات السلطة أو التدخلات الإقليمية أو العنف الطائفي؛ بل يدرس تفاعل هذه العوامل، ويحدد مسؤولية كل جهة وفق الأدلة المتاحة.

 سابعاً: هل توجد سياسة سعودية ثابتة ضد الشيعة؟

هذا السؤال يحتاج إلى التفريق بين الخطاب الديني، والممارسة الرسمية، والتغيرات التي شهدتها الدولة السعودية خلال العقود الماضية.

لقد واجه الشيعة في السعودية، ولا سيما في المنطقة الشرقية، أشكالاً من التمييز الديني والاجتماعي والسياسي وثقتها منظمات حقوقية.. ,  وتشير منظمة العفو الدولية إلى استمرار مشكلات تتعلق بحرية التعبير والاحتجاج السلمي، وإلى حالات إعدام طالت أشخاصاً من الأقلية الشيعية، بينهم أشخاص ارتبطت قضاياهم باحتجاجات أو نشاط معارض .

وتستحق هذه الممارسات النقد والمساءلة وفق معايير حقوق الإنسان، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعميم الاتهام على جميع السعوديين أو افتراض تطابق مواقف الدولة والمجتمع والمؤسسة الدينية.

أما التحولات الاجتماعية التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة، بما فيها التوسع في الترفيه والانفتاح على أنماط ثقافية مختلفة، فلا تعني بالضرورة أن كل المواقف الدينية أو السياسية قد تغيرت بالسرعة نفسها.. ,  فالتحديث الاجتماعي لا يساوي تلقائياً الإصلاح الديني، والانفتاح الاقتصادي لا يضمن وحده المساواة في الحقوق.

وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش: كيف يمكن لدولة أن توسع انفتاحها على العالم، وتعيد صياغة صورتها الاقتصادية والثقافية، بينما تبقى قضايا التمييز الديني وحرية التعبير والمساواة أمام القانون موضع انتقاد؟

إن معيار الإصلاح الحقيقي ليس طبيعة الحفلات أو المهرجانات أو العلاقات الخارجية وحدها، بل مدى تمتع المواطنين جميعاً بحقوق متساوية، بغض النظر عن مذاهبهم وأصولهم وآرائهم السياسية.

ولا يكفي، في المقابل، الاستناد إلى الخلافات الدينية لإثبات أن كل سياسة سعودية تستهدف الشيعة، أو أن كل تحول داخلي ليس إلا مناورة.. ,  فهذه أحكام تحتاج إلى أدلة محددة، ودراسة لكل سياسة في سياقها.

إن الموقف الأكثر اتساقاً مع المواطنة هو رفض التمييز ضد الشيعة في السعودية والبحرين وسائر البلدان، كما هو رفض التمييز ضد السنّة والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم.

 ثامناً: لماذا تتجاوز بعض الجماعات خلافاتها عندما يتعلق الأمر بالعراق؟

قد يبدو أن التنظيمات السلفية والجهادية والطائفية والتكفيرية والاسلامية  تختلف فيما بينها في قضايا الحكم والولاء والقيادة والتكفير، لكنها قد تتفق في مواقف محددة، ومنها العداء للشيعة أو رفض الأنظمة السياسية الشيعية .

غير أن هذا الاتفاق لا يعني أنها تعمل جميعاً ضمن غرفة قيادة واحدة، أو أنها تتفق على جميع أهدافها.. ,  فالقاعدة وداعش، مثلاً، دخلتا في صراع حاد على القيادة والشرعية والتنظيم، على الرغم من اشتراكهما في جوانب من الفكر الجهادي التكفيري.

وقد كشف تاريخ العراق أن خطاب الكراهية يمكن أن يوفر أرضية مشتركة مؤقتة لأطراف مختلفة، خصوصاً عندما يقدم جماعة مذهبية بأكملها بوصفها عدواً وجودياً.. ,  وفي مثل هذه الحالات، تتراجع الخلافات الأخرى أمام وظيفة التعبئة: تحديد عدو مشترك، وتصوير الصراع معه على أنه واجب ديني لا يقبل التفاوض.

وينبغي هنا  الاشارة الى ملاحظة  : أن العراق لم يكن هدفاً لهذه التنظيمات بسبب التشيع وحده؛ فقد استهدفت القاعدة وداعش أيضاً مؤسسات الدولة العراقية، والقوات الأمنية، والصحفيين، والعشائر، والشخصيات السنّية التي رفضت سلطتهما.. ,  لكن استهداف الشيعة والمقدسات الشيعية كان جزءاً رئيسيا موثقاً من استراتيجية الزرقاوي في محاولة إشعال حرب أهلية.

ومن الناحية السياسية، فإن استهداف العراق يحمل آثاراً تتجاوز ضحاياه المباشرين.. ,  فالعراق يقع في قلب شبكة إقليمية من العلاقات والحدود والمصالح الاقتصادية والدينية، ويؤثر استقراره في أمن الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران.. ,  ومن ثم، فإن انهياره أو انزلاقه إلى حرب أهلية يفتح المجال أمام قوى متعددة للتدخل والتوسع.

و هذه الحقيقة الجيوسياسية تؤكد  بأن جميع دول الجوار تنتظر ساعة الصفر لغزو العراق او التدخل في شؤونه … ؛ فالتهديدات الامنية قائمة على قدم وساق .

 تاسعاً: العراق بين السيادة الوطنية والتوظيف المذهبي

من أخطر النتائج التي خلّفتها الحروب الطائفية أنها جعلت بعض العراقيين ينظرون إلى السياسة الخارجية من خلال الانتماء المذهبي، بدلاً من المصالح الوطنية.. ,  فهناك من يبرر التدخل الخارجي لأنه صادر عن دولة تشاركه المذهب، وهناك من يتسامح مع تدخل آخر لأنه صادر عن دولة تشاركه القومية أو الموقف السياسي.

وهذه الازدواجية تضعف الدولة العراقية؛ إذ تتحول السيادة إلى مفهوم انتقائي، ويصبح التدخل مقبولاً عندما يخدم الجماعة، ومرفوضاً عندما يخدم الخصم.

إن المعيار الوطني السليم واحد: لا يجوز لأي دولة أو تنظيم مسلح أن يتجاوز القانون العراقي أو يفرض إرادته على العراقيين بالقوة، سواء رفع شعارات دينية أو قومية أو سياسية.. ,  ولا يجوز استخدام الانتماء المذهبي لتبرير القتل أو التهجير أو السيطرة على المؤسسات العامة.

كما أن حماية شيعة العراق لا تتحقق بإقامة جدار من العداء مع السنّة، بل ببناء دولة قانون تحمي الشيعي والسنّي والمسيحي والإيزيدي والصابئي وسائر المواطنين.. ,  فالحقوق التي تُمنح لجماعة على حساب جماعة أخرى لا تنتج استقراراً دائماً، بل تؤسس لدورات جديدة من الانتقام.

ولا ينبغي أن تتحول مقاومة التكفير إلى تكفير مضاد، أو إلى تعميم الاتهام على ملايين المواطنين بسبب مذهبهم.. ,  فذلك يمنح دعاة الحرب الأهلية ما يريدونه تحديداً: مجتمعاً يفقد القدرة على التمييز بين الجاني والبريء، وبين التنظيم المسلح والإنسان الذي لا علاقة له به.

 عاشراً: الخطر الأمني لا يُواجَه بالخطابة وحدها

إذا كان العراق قد دفع ثمناً باهظاً لجرائم القاعدة وداعش، فإن حماية مستقبله تتطلب سياسة أمنية ومجتمعية تتجاوز ردود الفعل الموسمية.

أولاً، ينبغي تعزيز الاستخبارات ومراقبة نشاط التنظيمات المسلحة وفق القانون، وتطوير التعاون الحدودي مع دول الجوار، وتبادل المعلومات بشأن شبكات التجنيد والتمويل والتهريب.

ثانياً، يجب تجفيف منابع التحريض الطائفي، وملاحقة من يحرّض على قتل المدنيين أو يموّل التنظيمات الإرهابية، مع ضمان المحاكمة العادلة وعدم تحويل الإجراءات الأمنية إلى أداة للانتقام المذهبي.

 

ثالثاً، لا بد من مراجعة الخطابات التعليمية والإعلامية التي تصوّر المواطنين المختلفين مذهبياً باعتبارهم أعداءً، وتعزيز ثقافة المواطنة والمساواة والاعتراف بالتعدد التاريخي للعراق.

رابعاً، ينبغي معالجة العوامل التي تستغلها الجماعات المتطرفة، ومنها الفقر والبطالة والتهميش والفساد وضعف الخدمات وانعدام الثقة بالمؤسسات.. ,  فهذه الظروف لا تنتج الإرهاب بصورة آلية، لكنها قد تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للتجنيد والتعبئة، خصوصاً عندما يجدون أمامهم شبكات منظمة تقدم لهم المال أو النفوذ أو شعوراً زائفاً بالبطولة والانتماء.

خامساً، يجب الفصل بين التدين المشروع والتطرف العنيف، وبين الاختلاف العقدي والتحريض على القتل.. ,  فالأمن المستدام لا يتحقق بمحاربة هوية دينية، بل بمنع تحول أي هوية إلى مبرر للعنف.

وأخيراً، ينبغي ألا يُختزل الأمن العراقي في الاستعداد العسكري وحده.. ,  فالدولة التي تفشل في تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص تترك فراغات اجتماعية يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة.. ,  أما الدولة التي تحمي حقوق مواطنيها، وتفرض القانون على الجميع، فتقلل من قدرة تلك الجماعات على استقطاب الأنصار وتوسيع نفوذها.

 

 خاتمة: لا تجعلوا العراق رهينة لذاكرة الدم

إن تاريخ العراق مع الصراعات المذهبية يحمل دروساً قاسية، من المواجهات القديمة إلى التفجيرات والاغتيالات والتهجير في العصر الحديث.. ,  لكن استيعاب هذه الدروس لا يعني أن نعامل الحاضر بوصفه نسخة حتمية من الماضي، ولا أن ننسب إلى كل سنّي أو سلفي أو سعودي نوايا التنظيمات الإرهابية.

المسؤولية تقع على من يحرّض، ومن يموّل، ومن يخطط، ومن ينفذ، ومن يوفر الحماية السياسية أو الدينية لمرتكبي الجرائم، وفق ما تثبته الأدلة.. ,  أما الانتماء المذهبي وحده فليس دليلاً على الجريمة، ولا يجوز أن يكون أساساً للعقاب أو الاتهام.

لقد أثبتت تجربة العراق أن التكفير لا يقف عند حدود الكتب والمنابر؛ فقد يتحول، عندما يمتلك السلاح والتنظيم والموارد، إلى تفجير مسجد، أو قتل عائلة، أو تهجير مدينة، أو تقويض دولة.. ,  ولهذا فإن مواجهته مسؤولية وطنية وأخلاقية ودينية، وليست مهمة طائفة بعينها.

والعراق، الذي احتضن مدارس دينية متعددة، ومراكز علمية وثقافية عريقة، لا ينبغي أن يُختزل في مذهب، ولا أن يُترك رهينة لصراع مذهبي عابر للحدود.. ,  فشيعة العراق ليسوا كتلة أجنبية عن وطنهم، كما أن سنّته ليسوا غرباء عنه؛ كلاهما جزء من مجتمعه وتاريخه، إلى جانب سائر مكوناته.

إن المعركة الحقيقية ليست بين السنّة والشيعة، بل بين دولة المواطنة ودولة الإقصاء، وبين القانون والتكفير، وبين التعدد والاحتكار، وبين من يريد للعراقيين أن يتقاسموا الوطن ومن يريد أن يحوّلهم إلى جماعات متناحرة.

فالعراق لا يُحمى بكراهية طائفة لطائفة، بل بحماية المواطن من كل من يريد استباحة دمه باسم الدين أو المذهب أو السياسة.. ,  ولا تُصان هوية العراق بإقصاء أبنائه، بل بصون حقوقهم جميعاً، وفرض سيادة الدولة، ومحاسبة كل من يعتدي على الإنسان والوطن، أياً كانت رايته أو الجهة التي تقف خلفه.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت