حافظوا على ألمانيا، وطنكم الثاني وطن الكرامة والإنسانية

نداء الوفاء والعرفان لهذا الوطن الجميل

بحزاني نت
إلى أبناء الجالية الإيزيدية في ألمانيا
أيها الأهل والأحبة،
لم يكن الطريق إلى هذه الأرض مفروشًا بالورد. جئنا من سنجار وولات ومن عفرين والجزيرة وشرق تركيا، مثقلين بالهموم والمعاناة من التهميش والتفرقة والظلم والفقر، ومن مجتمعات تقيّم الإنسان على أساس انتمائه العرقي والديني. تعرّضنا لحملات إبادة كادت تمحو وجودنا، وخرجنا هاربين مثقلين بالدماء التي سالت وبآلاف القتلى والمخطوفين، نحمل في قلوبنا الآلام ومعانات المخطوفات والمفقودين، وفي ذاكرتنا صرخات وهول حملة الإبادة في الفرمان الرابع والسبعين. جئنا بأجساد أنهكها الخوف، وأرواح لم تعد تسأل عن شيء سوى مكان آمن تنام فيه الأمهات وأطفالهن بلا فزع.
وفي ذلك الظلام فتحت ألمانيا أبوابها، ورأت فينا بشرًا يستحقون الحياة وشعبًا مهددًا بالانقراض، فاستقبلتنا واحتضنتنا. وفي عام ٢٠٢٣ اعترف البرلمان الألماني بما جرى لنا إبادةً جماعية، فكان اعترافًا أنصف الذاكرة وخفّف شيئًا من ثقل الجراح.
الوفاء خُلُق أصيل في ثقافتنا، والإيزيديون شعب الوفاء. نحن أبناء إيزيدخان، نعرف قيمة الجميل ولا ننسى من مدّ لنا يد العون في ساعة الضيق. وما قدّمته لنا هذه البلاد دَين أخلاقي في أعناقنا، وأفضل وسيلة لرده أن نكون عند حسن ظنها بنا: فكما وقفوا معنا بقوة حين احتجنا إليهم، علينا أن نقف معهم الآن حين يحتاجون إلينا.
نتوجه إلى أهلنا وجاليتنا: احذروا من يدعوكم إلى الفوضى أو التظاهر تحت أي مسمى، فهم يسعون إلى التخريب أو إثارة الشغب أو الإخلال بالأمن العام أو تقويض استقرار البلد الذي آوانا.
إن الحفاظ على أمن ألمانيا واجب أخلاقي وإنساني قبل أن يكون التزامًا قانونيًا. نحن الذين ذقنا طعم الفوضى والعنف، وحُرقت قرانا وبيوتنا ودُمّرت ممتلكاتنا ونُهبت، نعرف أكثر من غيرنا خطورة هذه الأعمال التي تخدم الفوضويين والخارجين عن القانون والضلاميين، ونعرف أن الأمان نعمة عظيمة، وأن من فقده يدرك قيمته أكثر ممن لم يفقده قط.
مستقبلنا لا تصنعه الصدامات، بل يصنعه الاندماج والأخلاق العالية: أن نتقن اللغة، ونسعى في التعليم والعمل، ونشارك في الحياة المدنية، ونكون جيرانًا طيبين وزملاء مخلصين ومواطنين صالحين. بهذا نحفظ هويتنا الإيزيدية ونتمسك بجذورنا، ونبني مستقبلنا، ونردّ الجميل لوطن احتضننا.
دعونا نتذكر معًا تلك اللحظات الأولى التي وطئت فيها أقدامنا أرض ألمانيا، حين فتحت لنا هذه الدولة أبوابها ومدّت لنا أيديها بلا منٍّ ولا أذى، واحتضنت أطفالنا ونساءنا وشيوخنا، ووفّرت لنا العيش الكريم والتعليم والكرامة الإنسانية التي سُلبت منا في مواطننا الأولى. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
لم تكن ألمانيا لنا مجرد بلد لجوء، بل كانت أمًّا حنونًا عوّضتنا الكثير. وواجبنا الأخلاقي والإنساني، بل والديني والثقافي، يحتّم علينا أن نكون أبناءً أوفياء لهذا البلد الذي آوانا وكان لنا [سكنًا وسندًا]، وأن نحافظ على أمنه واستقراره وجماله وممتلكاته العامة كما نحافظ على بيوتنا وأعراضنا تمامًا.
إن التخريب أو العبث بالاستقرار لا يخدم قضايانا، بل يسيء إلينا أولًا كأقلية بحثت عن الأمان والسلام، ويشوّه الصورة الناصعة التي عُرفنا بها من رقيٍّ والتزامٍ وأخلاق عالية. دعونا نكون سندًا لأبناء جلدتنا الذين تميّزوا دائمًا بذلك، وبُناة سلام لا دعاة فوضى.
ودعونا نثبت للشعب الألماني الصديق، الذي وقف معنا، أننا نستحق هذه الثقة، وأننا أهلٌ للعرفان بالجميل، نحترم قيم هذا المجتمع الديمقراطي ونحمي مقدّراته كما نحمي أرواحنا.

كما نتمنى من أبناء الجالية الإيزيدية المقيمين في الدول المجاورة لألمانيا كالدنمارك، السويد، هولندا، النمسا وبليجا، الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها في البلدان التي يعيشون فيها، والمحافظة على أمنها واستقرارها، والابتعاد عن المشاركة في التظاهرات التي قد تهدد أمن هذه الدول وسلامة مجتمعاتها.

إن احترام البلدان التي احتضنت أبناء شعبنا، وتقدير ما توفره لهم من أمن وأمان، مسؤولية أخلاقية وإنسانية، وواجب يعكس الصورة الحضارية لشعبنا الإيزيدي، وحرصه على السلام والتعايش والاستقرار.

ملاحظة

نتمنى مشاركة هذا النداء على أوسع نطاق لكي تصل إلى أكبر عدد ممكن..

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت