تشرين العراقية.. حين يصبح القمع حارسا لمشروع طهران :منى سالم الجبوري

لم تكن احتجاجات تشرين العراقية التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2019 مجرد انتفاضة ضد الفساد والبطالة وسوء الخدمات، بل كانت تحديا شعبيا مباشرا لمنظومة سياسية وأمنيةتشكل أحد أهم مرتكزات النفوذ الإيراني في المنطقة. وحين خرجالعراقيون، وفي مقدمتهم شباب بغداد ومحافظات الجنوب ذاتالغالبية الشيعية، مطالبين بوطن مستقل ودولة تحكمها إرادةمواطنيها، لم يضعوا السلطة العراقية وحدها أمام امتحانالشرعية، بل كشفوا أيضا حدود المشروع الإيراني الذي راهنطويلا على نفوذ حلفائه داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

لقد كانت تشرين، في جوهرها، انتفاضة على اختطاف الدولة، وعلى تحويل الروابط المذهبية إلى غطاء لولاءات سياسية تتجاوز الحدود الوطنية. ولذلك لم يكن مستغربا أن تواجه الاحتجاجاتمقاومة عنيفة من قوى رأت في اتساعها تهديدا لمواقعهاومصالحها، ولا أن تتحول ساحات التظاهر إلى ميدان للصراععلى مستقبل العراق وهويته السياسية.

القمع لم يحم السلطة وحدها، بل حمى منظومة النفوذ أيضا

إن فهم ما جرى في تشرين يتطلب تجاوز السؤال عمن أصدر الأوامر بإطلاق النار، على أهميته الجنائية، إلى سؤال أوسع: ما المنظومة السياسية التي جعلت قمع المحتجين ممكنا، وما المصالحالتي كان يمكن أن تتضرر لو نجحت الانتفاضة في فرضمشروعها الوطني؟

لقد هددت تشرين أسس نظام تتداخل فيه الأحزاب الحاكمة مع فصائل مسلحة، وتتشابك فيه المصالح السياسية والاقتصادية مع علاقات إقليمية، وفي مقدمتها العلاقة مع طهران. فالمحتجون لم يطالبوا بتغيير حكومة فحسب، بل رفعوا شعار “نريد وطنا“،ورفضوا المحاصصة والفساد، وطعنوا في شرعية القوى التياحتكرت تمثيلهم المذهبي والسياسي.

وكان من شأن نجاح هذا الحراك في فرض دولة تحتكر السلاح، وتخضع جميع القوى للقانون، وتستقل بقرارها الخارجي، أن يحدمن قدرة إيران على ممارسة نفوذها عبر حلفائها العراقيين. ومنهذه الزاوية، يمكن فهم القمع بوصفه عاملا أسهم في حمايةمنظومة تتقاطع مصالح أطراف عراقية نافذة فيها مع المصالحالاستراتيجية الإيرانية.

ولا يعني ذلك أن كل قرار بالقمع صدر من طهران، أو أن المسؤولية الجنائية عن الجرائم يمكن إسنادها إليها من دون أدلة. لكن من المشروع سياسيا التساؤل عن مسؤولية إيران عن دعم حلفاءمسلحين، وعن منظومة نفوذ استفادت من بقاء موازين القوة علىحالها، فيما دفع المتظاهرون ثمنا دمويا لمطالبتهم بتغييرها.

لماذا أخافت تشرين طهران؟

لأنها كشفت أن النفوذ الذي بنته إيران في العراق لا يستند بالضرورة إلى قبول شعبي راسخ، بل يعتمد، إلى جانب التحالفات السياسية والروابط الأيديولوجية، على شبكة من المصالح وموازين القوة التي يمكن أن تتعرض للاهتزاز حين يقرر المجتمع رفضها.

وكانت دلالة الاحتجاجات أشد وقعا لأنها انطلقت من داخل البيئةالشيعية العراقية نفسها. فقد رفض متظاهرون من هذه البيئة أنتتحول هويتهم المذهبية إلى تفويض مفتوح لأحزاب وفصائلمرتبطة بطهران، وأعلنوا أن ولاءهم للعراق لا يمكن أن يكون تابعالأي مشروع إقليمي.

هنا تكمن الضربة الأعمق للنفوذ الإيراني: ليس في الشعارات المعادية لطهران وحدها، بل في سقوط الادعاء بأن إيران وحلفاءها يمثلون الشيعة العراقيين تمثيلا حصريا. فحين يطالب المواطنالشيعي بدولة مستقلة، ويرفض فساد الأحزاب التي تتحدثباسمه، ويحتج على سلاح ينازع الدولة سلطتها، فإنه يفصل بينهويته الدينية وبين الولاء السياسي لإيران.

ولذلك كان نجاح تشرين المحتمل يحمل خطرا يتجاوز تغييرالحكومة؛ إذ كان يمكن أن يفتح الطريق أمام إعادة تعريف العلاقةبين الدين والسياسة، وبين العراق وجيرانه، على أساس المواطنةوالسيادة لا الولاءات العابرة للحدود.

دماء المتظاهرين وأسئلة المسؤولية

واجهت الاحتجاجات أعمال عنف دامية أوقعت مئات القتلى وآلاف الجرحى، وفق التقديرات المتداولة، وتعرض ناشطون لاحقا للتهديدوالاختطاف والاغتيال. ومع ذلك، لم تتحقق محاسبة قضائيةشاملة تكشف المسؤوليات وتمنح الضحايا وعائلاتهم العدالة التييستحقونها.

إن استمرار الإفلات من العقاب ليس مجرد إخفاق قضائي؛ إنه عامل يكرس اختلال ميزان القوة بين الدولة والمواطن، ويمنح الجماعات النافذة شعورا بأنها تستطيع تجاوز القانون من دوندفع الثمن.

وحين تحصل قوى متهمة بارتكاب انتهاكات أو ترتبط بها شخصيات مثيرة للجدل على مواقع حكومية، من دون حسم قضائي شفاف للاتهامات، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع خطيرة: يمكن للنفوذ السياسي والمسلح أن يتحول إلى حصانة فعلية.

وهنا تتجلى المسؤولية السياسية لطهران. فإذا كانت تدعم قوى عراقية مسلحة وتعدّها جزءاً من منظومة نفوذها الإقليمي، فلايمكنها أن تطالب بالفصل الكامل بين هذا الدعم وبين نتائجالسياسات التي تسهم تلك القوى في تكريسها. إن احترام سيادةالعراق يقتضي ألا يصبح حلفاء إيران استثناء من القانون، وألاتتحول علاقات الدعم الخارجي إلى مظلة تحمي منظومة تعجز عنمحاسبة المتورطين في انتهاك حقوق العراقيين.

تشرين اليوم.. معركة على معنى الدولة

تكتسب استعادة ذكرى تشرين أهميتها اليوم من أن أسبابها لم تختف. فما زالت المحاصصة والفساد وأزمة الخدمات والبطالة،إلى جانب الخلاف على حصر السلاح بيد الدولة، تمثل مصادرمستمرة للغضب الشعبي.

أما دخول فصائل مسلحة على خط الاحتجاجات، ومحاولات أطراف أخرى التشكيك في دوافعها، فيكشفان خطورة تحويل تشرين إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى تتنافس على النفوذ، فيما يتراجع حق العراقيين في محاسبة المنظومة بأكملها.

إن تشرين ليست ملكا لفصيل، ولا يجوز اختطافها من قوى تريدتوظيف غضب الشارع في صراعاتها الداخلية. فجوهرها هورفض أن تكون الدولة غنيمة، وأن يصبح السلاح وسيلة لتحديدحدود السياسة، وأن تتحول علاقة العراق بإيران إلى عامل يقيداستقلال قراره.

لقد تستطيع طهران الاحتفاظ بنفوذ واسع داخل المؤسسات العراقية، لكن هذا النفوذ لن يكون ضمانة للاستقرار ما دام يقترن في الوعي الشعبي بالفساد وضعف السيادة وغياب العدالة. بل قد يتحول تدريجيا إلى عبء على حلفائها، كلما اتسعت الفجوةبين شعاراتهم وممارساتهم.

إن الطريق إلى علاقة طبيعية بين العراق وإيران يبدأ من حقيقة بسيطة: العراق ليس ساحة خلفية لأحد، والشيعة العراقيون ليسوا امتدادا سياسيا لأي دولة، ودماء تشرين ليست ثمنا مشروعالحماية أي نفوذ إقليمي.

فحين يصبح القمع وسيلة لحماية منظومة تتقاطع مصالحها مع مشروع خارجي، لا تعود القضية مجرد انتهاك لحقوق المتظاهرين؛ بل تصبح معركة على سيادة الدولة نفسها. وهذه هي الرسالة التي جعلت من تشرين أكثر من احتجاج عابر: إنها تحدشعبي لفكرة أن النفوذ يستطيع أن يحل محل الشرعية، وأن القوةيمكن أن تبقى بديلا عن إرادة المواطنين إلى الأبد.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت