تمهيد
لا يقتصر البحث في مستقبل التجربة الصينية علىقدرتها على مواصلة النمو والتحديث، بل يتصلبالتحولات التي يمكن أن يحدثها هذا المسار في علاقاتالإنتاج وتوزيع الموارد والسلطة الاقتصادية. فقد أتاحالجمع بين التخطيط والملكية العامة وآليات السوق بناءقاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة وتحسين مستوياتالمعيشة، فيما استمرت تناقضات تتعلق بالتفاوت وشروطالعمل وسلطة الإدارة والعلاقة بين التراكم والحاجاتالاجتماعية.
يستخدم هذا الفصل السيناريوهات لبناء احتمالاتمشروطة بالسياسات والمؤسسات وعلاقات القوة، معمراعاة اختلاف المدى الزمني للتحولات وتأثرها بالبيئةالدولية. وتنتظم المناقشة حول ثلاثة اتجاهات: استمرارالنموذج الهجين بإصلاحات تكيفية؛ وتعميق الاتجاهالاجتماعي والاشتراكي؛ وترسخ رأسمالية دولة موجَّهةتتزايد فيها أولوية تنمية رأس المال وتوسيع تراكمه. ويُبحث بالتوازي احتمال أزمة ممتدة وإعادة هيكلة قدتتقاطع مع أي من هذه الاتجاهات وتعيد تشكيلشروطه.
وقد تتجاور سمات هذه المسارات وتتغير أوزانها بمرورالزمن. لذلك يُستدل على الاتجاه من الأثر التراكميللسياسات في العمل والملكية والسيطرة على الفائض، ومن التغير في قدرة المنتجين والمجتمع على التأثير فيالقرار. ويعرض الفصل أسس المقارنة، ثم السيناريوهاتوشروطها، وإطارًا لمتابعة مؤشراتها، ويناقش موقعالتصور الرسمي للحزب الشيوعي الصيني من هذهالاحتمالات.
أولًا: نقطة الانطلاق — تناقضات مفتوحة لا مصير محسوم
ينطلق التحليل من أن التناقضات التي تراكمت خلالالإصلاح والتنمية لا تقود بالضرورة إلى نتيجة تاريخيةواحدة. فالتداخل بين التخطيط والسوق والملكية العامةورأس المال الخاص أتاح بناء قدرات إنتاجية واسعة، وأوجد أيضًا مصالح وعلاقات مؤسسية متباينة. ويتطلبتقويم مستقبله دراسة كيفية تفاعل هذه العناصر والقوىالمؤثرة فيها، ومدى تغير علاقات الملكية والعمل والسيطرةعلى الفائض.
ويمتلك النموذج أدوات مهمة لإدارة تناقضاته، تشملالمؤسسات والمصارف الاستراتيجية المملوكة للدولة، والسوق الداخلية الواسعة، والقدرة على التخطيطوتوجيه الاستثمار. وتتيح هذه الأدوات تعبئة المواردوتنسيق النشاط الاقتصادي ومواجهة الاختلالات. ويتحدد مضمون استخدامها بالأهداف المعتمدةومعايير الأداء وآليات المساءلة؛ فقد تدعم توسيعالخدمات والحقوق، أو تجديد شروط التراكم، أو الجمعبين الاتجاهين بنسب متغيرة.
ويضع الحزب هذا البناء ضمن تصوره لـ«المرحلة الأوليةمن الاشتراكية»، التي يربطها دستور الحزب بتطويرالقوى المنتجة، وإصلاح علاقات الإنتاج والبنية الفوقية، واستمرار اقتصاد السوق الاشتراكي، مع الموقعالمسيطر للقطاع العام وتعدد أشكال الملكية. (252)ويقدم هذا التصور تفسيرًا رسميًا للمرحلة، بينما يبقىاتجاهها الفعلي موضوعًا لفحص السياساتوالمؤسسات ونتائجها.
ويقتضي التقويم التمييز بين الغايات المعلنة، والترتيباتالقانونية والمؤسسية، والعلاقات الاجتماعية الفعلية. تحدد الغايات تعريف المشروع لذاته، وتبين المؤسساتالأدوات التي يُفترض أن تحققه، فيما تكشف الممارسةتوزيع القدرة على اتخاذ القرار والتحكم في العملوالناتج. ويتيح الفصل بين هذه المستويات بحث التوافقأو التعارض بينها، بدل استنتاج المضمون الاجتماعيمن التعريف الرسمي أو شكل الملكية وحده.
وفي هذا الإطار، تُدرس السوق من خلال العلاقات التيتعمل داخلها وتسهم في إعادة إنتاجها، وحدود خضوعالاستثمار والخدمات وشروط العمل لمقتضيات الربحيةوالمنافسة. كما يُبحث موقع رأس المال الخاص عبرالحوافز التي يحصل عليها، والالتزامات المفروضة عليه، وقدرة المؤسسات على تنفيذها. فإسهامه في الإنتاجوالتشغيل لا يلغي احتمال تحول قوته الاقتصادية إلىنفوذ يؤثر في القرار العام، مثلما لا يثبت خضوعهللتنظيم أن نتائج نشاطه تحقق الحاجات الاجتماعيةباستمرار.
أما الملكية العامة فتتيح، من حيث الإمكان، توجيه المواردنحو الصناعة والبحث العلمي والبنية الأساسيةوالخدمات. ويتوقف تحقق هذه الإمكانات على وظائفالمؤسسات ومعايير إدارتها وتخصيص عوائدها. وقدتتسع الأصول المملوكة للدولة من دون اتساع مماثل فيقدرة العاملين والمجتمع على التأثير في استخدامها؛ ولذلك يُبحث مضمونها الاجتماعي في الصلة بين الملكيةالقانونية والسلطة الفعلية والمساءلة.
وتحتاج دراسة الفائض إلى تمييز مماثل. فتخصيصأجزاء من الناتج لتجديد وسائل الإنتاج وتوسيعهاوتكوين الاحتياطيات وتمويل الحاجات المشتركة ضرورةاقتصادية عامة. أما تحليل فائض القيمة والاستغلالفيتعلق بالعلاقات التي يُنتج الفائض في إطارها، وشروط استخدام قوة العمل، والجهات التي تستحوذعليه وتقرر وجهته. ومن ثم يرتبط بحث التوزيع بدراسةالسلطة داخل الإنتاج، مع مراعاة اختلاف وظائفالمؤسسات وأشكال إدارتها.
ولا يُختزل موقع العاملين في مستوى الأجور والمنافع؛ إذيشمل قدرتهم على التأثير في تنظيم العمل والتغيراتالتقنية واستخدام نتائج الإنتاج. وتمتد الرقابةالاجتماعية إلى القرارات التي تتجاوز المؤسسة، كتوزيعالاستثمار بين القطاعات والأقاليم وتمويل الخدمات. وتؤثر المشاركة في نوعية المعلومات التي يعتمد عليهاالتخطيط، وفي تعريف الحاجات وتوزيع التكاليفوالعوائد. ويُختبر وزنها بصلاحيات وآثار قابلة للتحقق، مع مراعاة المتطلبات المهنية للإدارة الحديثة.
وتنشأ المشكلة البيروقراطية حين تتحول الوظيفة الإداريةإلى سلطة تحتكر المعلومات وتحديد الأولويات والتصرففي الموارد، مع ضعف إمكان مراجعتها. ويقتضي الحدمن هذا الانفصال ربط الصلاحيات بالمسؤولية وإتاحةالمعلومات وحماية النقد والمساءلة. كما تُقاس القدرةالمؤسسية بفاعلية اكتشاف الخطأ وتصحيح المسار، إلىجانب القدرة على تنسيق الموارد وتنفيذ المشروعات.
ويظل الطابع الانتقالي للأدوات الاقتصادية موضوعًاللاختبار عبر الزمن. فقد تسهم السوق والحوافزوالاستثمار الخاص في توسيع الإمكانات المادية، وقدتعيد إنتاج مصالح تسعى إلى تثبيت مجال التراكمالخاص. وتتوسط العلاقة بين تطوير القوى المنتجةوالتغير الاجتماعي خياراتٌ سياسية وتوازناتٌ مؤسسية. ويُبحث اتجاهها في قدرة المجتمع على تعديل الأدواتالمستخدمة عندما تتعارض نتائجها مع الأولوياتالاجتماعية.
وتتفاعل هذه الاختيارات مع المنافسة الدولية ومتطلباتالاستقلال التكنولوجي. فالاستثمار الاستراتيجي قديحد من التبعية ويطور القدرات الوطنية، كما يفرضمفاضلات بين حاجات راهنة وأهداف طويلة الأجل. وتُقوَّم هذه المفاضلات بضرورتها وكفاءتها وشروطاتخاذها وتوزيع أعبائها وعوائدها. وتوفر الضغوطالخارجية سياقًا للقرار، مع استمرار أهمية السياساتالداخلية التي تحدد مصادر التمويل وشروط العملوالحماية الاجتماعية.
وعلى هذا الأساس، تتناول السيناريوهات التاليةاتجاهات استخدام الأدوات القائمة: تجديد النموذجالهجين، أو توسيع السيطرة الاجتماعية على الإنتاج، أوترسيخ أولوية رأس المال تحت توجيه دولة قوية. ويجمعالقسم السادس مؤشرات المقارنة بينها، بما يسمحبقراءة النتائج الاجتماعية وتوزيع السلطة الاقتصاديةمعًا، ومتابعة استمرارهما أو تعارضهما خلال فترةملائمة.
ثانيًا: السيناريو الأول — استمرار النموذج الهجين معإصلاحات تكيفية
يقوم هذا السيناريو على استمرار المرتكزات الأساسيةللنموذج، مع إصلاحات مؤسسية ومالية واجتماعيةتعالج الاختلالات من دون تحول شامل في علاقاتالإنتاج. ويُقصد بالبنية الهجينة تداخل التخطيط وآلياتالسوق وتعايش الملكية العامة ورأس المال الخاص، ضمن دور محوري للدولة في التوجيه والاستثماروالتنظيم. ويتعلق الاحتمال بقدرة الإصلاحات علىإعادة ضبط هذه العلاقات وتجديد مصادر النموواحتواء التوترات الناشئة عنها.
ويتخذ السيناريو عام 2029 أفقًا مرحليًا، اتساقًا معالموعد الرسمي المحدد لإتمام مهام الإصلاح التي أقرتهاالدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرين سنة2024. (253) ويظل إنجاز التدابير التشريعيةوالمؤسسية متميزًا عن ظهور آثارها في الإنتاج والدخلوالمعيشة. ويتطلب استمرار المسار تنسيق السياساتواحتواء المخاطر، والحفاظ على مشاركة القطاعالخاص، وتوسيع الحماية الاجتماعية، مع فاعليةالتوجيه العام.
يساعد تحليل ماركس للعلاقة بين القوى المنتجة وعلاقاتالإنتاج على تحديد حدود هذا الاحتمال. ففي مقدمة«نقد الاقتصاد السياسي»، بحث التناقض الذي ينشأحين تتحول علاقات الإنتاج من أشكال لتطور القوىالمنتجة إلى قيود عليه. (254) وتتيح هذه المقاربة بحثقدرة الترتيبات القائمة على استيعاب التطورالاقتصادي، والحالات التي تصبح فيها معالجةالاختلالات محتاجة إلى تغير أعمق في تنظيم الإنتاجوتوزيع الموارد والسلطة.
وتضيف مناقشة لينين للسياسة الاقتصادية الجديدةمسألة القدرة على توجيه أدوات السوق. ففي تقريرهالسياسي إلى المؤتمر الحادي عشر سنة 1922، تناولاستخدام رأسمالية الدولة ضمن حدود تضبطها السلطةالسوفيتية، وأبرز مشكلات المعرفة والإدارة والتنظيموالرقابة. (255) ومع اختلاف التجربتين تاريخيًاومؤسسيًا، تفيد هذه المناقشة في التمييز بين تحديدأهداف السياسة وبين القدرة الفعلية على ضبط الحوافزوسلوك المؤسسات والنتائج.
كما يوضح تحليل إنجلز للملكية الحكومية، ضمن سياقهالمتعلق بالدولة البرجوازية الحديثة، أن انتقال وسائلالإنتاج إلى الدولة لا يزيل بذاته العلاقة الرأسمالية. (256) ويستلزم تقويم الحالة الصينية، تبعًا لذلك، بحثأهداف المؤسسات وإدارتها وشروط العمل وتخصيصالفائض. ويتحدد اختبار السيناريو بقدرة الإصلاح علىمعالجة الاختلالات، وبالحدود التي يبلغها التغير فيهذه العلاقات.
التوجهات الإصلاحية وأدوات التنفيذ
يجمع قرار تعميق الإصلاح المُجاز في 18 تموز/يوليو2024 بين تطوير الاقتصاد العام وتشجيع الاقتصادغير العام، وتحسين اقتصاد السوق الاشتراكيوالضمان الاجتماعي والخدمات. (257) ويعبر هذاالجمع عن تعديل آليات النموذج القائم وتطويرها. ووفقالعرض الرسمي، يتضمن البرنامج أكثر من 300 إجراءإصلاحي مهم، تشمل السوق الوطنية الموحدة والعلاقاتالمالية بين المركز والحكومات المحلية والتوظيف والرعايةالاجتماعية. (258) وعرض شي جين بينغ خلفية القراروأولوياته، (259) ثم شدد اجتماع تعميق الإصلاح فيآب/أغسطس 2024 على ترتيب التنفيذ وتوقيته ودفعالتدابير البارزة. (260)
وتفيد هذه الوثائق في إثبات الأهداف والقرارات وأدواتالمتابعة، بينما يحتاج تقويم الفاعلية إلى بيانات التطبيقوالنتائج والآثار التوزيعية. لذلك تُتابع الصلة بين إعلانالهدف وبناء الأداة وتنفيذها، ثم تقارن النتائج بمواردالتنفيذ وشروطه. ويُستعان بالمصادر الإحصائيةوالدراسات المستقلة متى توافرت، مع بيان حدود كلمصدر.
ويقدم تنظيم القطاع الخاص مثالًا على الانتقال منالتوجه العام إلى التشريع. فقد اعتمدت الصين قانونتعزيز القطاع الخاص في 30 نيسان/أبريل 2025، ودخل حيز التنفيذ في 20 أيار/مايو. ويتضمن 78 مادةفي تسعة فصول تتناول المنافسة والاستثمار والتمويلوالابتكار والخدمات وحماية الحقوق والالتزامات. (261)وبحلول آذار/مارس 2026، أفادت شينخوا بإطلاق أكثرمن 150 إجراءً داعمًا، وصدور لوائح محلية في عدد منالمناطق على مستوى المقاطعات. (262) وتوثق هذهالوقائع أدوات تنفيذ، فيما يظل أثرها في التمويلواستقرار البيئة التنظيمية وشروط المنافسة محتاجًا إلىقياس.
وفي المجال المالي، وافق المشرعون في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 على رفع سقف ديون الحكومات المحليةبستة تريليونات يوان لاستبدال الديون الخفية، ضمنترتيبات أوسع لتخفيف أعبائها. (263) وأفاد العرضالرسمي في آذار/مارس 2025 باكتمال إصدار سنداتلاستبدال تريليوني يوان خلال 2024، وبدء إصدارمقدار مماثل في 2025. (264) ويثبت ذلك تنفيذ جزءمن برنامج الاستبدال. أما استدامة المعالجة فترتبطبالعلاقة بين الإيرادات المحلية ومسؤوليات الإنفاق، وكفاءة الاستثمار، وتقليص الالتزامات التي تتولدبالآليات السابقة نفسها.
وفي المجال الاجتماعي، أعلنت السلطات في كانونالثاني/يناير 2025 مبادئ لتطوير خدمات رعايةالمسنين، تشمل شبكة على مستويات المحافظاتوالبلدات والقرى، وتنسيق الرعاية المنزلية والمجتمعيةوالمؤسسية. وأوردت شينخوا، نقلًا عن مسؤول بوزارةالمالية، تخصيص أكثر من 560 مليار يوان لخدماتالتقاعد والرعاية الاجتماعية بين عامي 2019 و2024. (265) وتشير هذه المخصصات إلى قاعدة تمويليةسابقة، بينما يتطلب تقويم الشبكة الجديدة متابعةتغطيتها وجودتها وإمكان الانتفاع بها.
أما برنامج دعم رعاية الأطفال، فحدد إعانة سنوية بقيمة3600 يوان لكل طفل دون الثالثة، وبدأ استقبال الطلباتفي أيلول/سبتمبر 2025. (266) وتضمن الإعلانالمنشور آنذاك تخصيص 90 مليار يوان من الميزانيةالمركزية لعام 2025، مع توقع استفادة أكثر من عشرينمليون أسرة سنويًا. (267) وينبغي فصل فتح التقديموالمخصصات والتغطية المتوقعة عن المبالغ المصروفةوعدد المستفيدين الفعليين.
وترتبط هذه البرامج بتكاليف إعادة إنتاج قوة العملوتوزيع أعباء الرعاية. ويتوقف أثرها في الاستهلاكوالادخار الاحترازي على كفاية المنافع واستمراريتها، واستقرار الدخل والعمل، وكلفة السكن والصحة والتعليمقياسًا بموارد الأسر. ولهذا يجمع التقويم بين حجمالدعم وشروط الانتفاع والنتائج التي يمكن رصدها.
تتمثل قوة هذا المسار المحتملة في استخدام الإصلاحالتدريجي لتعديل الاختلالات وتجنب كلفة تحول مفاجئ. وتظل فاعليته مشروطة بقدرته على معالجة مصادرالمشكلات، وتنسيق السياسات بين مستويات الحكم، وتصحيح التعارض بين الأهداف المركزية والحوافزالمحلية.
ويُختبر ذلك بتحسن الاستدامة المالية المحلية معاستمرار الخدمات، وتطبيق الضمانات التنظيمية، وتجديد مصادر النمو، واتساع التغطية الاجتماعيةوكفايتها. كما تُفحص آليات كشف الفجوة بين القراراتوالنتائج وتعديل أدوات التنفيذ. وتكمل هذه المؤشراتالخاصة بالاستقرار إطارَ التقويم الاجتماعيوالمؤسسي الوارد في القسم السادس.
وتدل الأمثلة المعروضة على انتقال بعض التوجهات إلىقوانين وإجراءات وإصدارات سندات وبرامج مفتوحةللتقديم، مع تفاوت مراحلها. وتبقى نتائجها الاقتصاديةوالاجتماعية واستدامتها موضوعًا للمتابعة. فإذا جددتالإصلاحات قدرة النموذج على احتواء تناقضاته معاستمرار توزيع السلطة والسيطرة على الفائض، دعمتبقاءه الهجين. أما امتداد التغير إلى موقع العمل والقرارالاقتصادي، فيفتح إمكان تعميق الاتجاه الاجتماعيالذي يتناوله السيناريو التالي.
ثالثًا: السيناريو الثاني ــ تعميق الاتجاهالاجتماعي والانتقال التدريجي نحو الاشتراكية
يقوم هذا السيناريو على احتمال اقتران تطور القاعدةالصناعية والتكنولوجية في الصين بتحولات مؤسسيةتعزز موقع العمل في توزيع الدخل وفي اتخاذ القرارالاقتصادي. ولا يفترض أن يؤدي نمو الإنتاجية أواتساع الملكية العامة، بذاتهما، إلى تعميق المضمونالاشتراكي، بل يجعل ذلك مشروطًا بكيفية استخدامالفائض، وتحديد أولويات الاستثمار، ومدى قدرةالعاملين والمجتمع على التأثير في القرارات التي تنظمالإنتاج والحياة الاجتماعية. وبهذا المعنى، يتمثل جوهرالسيناريو في انتقال تدريجي من توظيف التنميةلتحسين مستويات المعيشة إلى ربط هذا التحسنبتوسيع الحقوق الاجتماعية وسلطة المنتجين والرقابةعلى استخدام الموارد.
ويستند هذا الاحتمال إلى إمكان توجيه القدراتالإنتاجية والمالية والإدارية المتراكمة نحو تقليصالتفاوت، وتطوير الخدمات العامة، وتخفيف ارتباطالحاجات الأساسية بتقلبات السوق. غير أن تحققهيتطلب تحوّلًا في معايير تقويم الأداء الاقتصادي، بحيثلا يقتصر النجاح على معدلات النمو والربحية والتقدمالتقني، بل يشمل أيضًا توزيع مكاسب الإنتاجية، ونوعية العمل، والوقت المتاح خارج العمل، وفاعليةالمشاركة الاجتماعية. ومن ثم، فإن المسألة الحاسمةليست حجم الموارد التي تديرها الدولة وحده، وإنماالأهداف التي تخدمها هذه الإدارة والآليات التيتخضع بها للمساءلة.
وتوفر معالجة ماركس لتوزيع الناتج الاجتماعي في«نقد برنامج غوتا» أساسًا نظريًا لفهم هذه العلاقة. فقدبيّن ضرورة تخصيص أجزاء من الناتج لتعويض وسائلالإنتاج وتوسيعها وتكوين الاحتياطيات، ثم تلبيةالحاجات المشتركة، ومنها التعليم والصحة وإعالةالعاجزين عن العمل، قبل توزيع القسم المخصصللاستهلاك الفردي. (268) ولا يقدم هذا التصوربرنامجًا جاهزًا للحالة الصينية، لكنه يوضح أن تنظيمالإنتاج اجتماعيًا يقتضي تحديدًا واعيًا للعلاقة بينالتراكم والحاجات الجماعية ودخول الأفراد، وفق المواردالمتاحة والأولويات الاجتماعية.
وفي الحالة الصينية، يمكن أن يبدأ هذا المسار بتعزيزموقع العمل في توزيع ثمار النمو، من خلال زيادةحصته من الدخل، وتقوية قدرته التفاوضية بشأن الأجوروشروط التشغيل، وتوسيع الحماية الاجتماعية لتشملالعمال المهاجرين والعاملين في أنماط التشغيل المرنة. ويتكامل ذلك مع تقليص التفاوت في الحصول علىالتعليم والصحة والتقاعد والرعاية بين المناطق والفئاتالسكانية. وتظل استدامة هذا التوجه مشروطة بمصادرتمويل مستقرة، يمكن أن تشمل تطوير الضرائبالتصاعدية وزيادة مساهمة عوائد المؤسسات العامة فيتمويل الخدمات والحقوق الاجتماعية، بما يقلل ارتباطالانتفاع بها بمكان الإقامة أو الوضع الوظيفي.
ويتصل توزيع الدخل بكيفية توزيع الوقت ومكاسبالتقدم التقني. ففي المجلد الأول من «رأس المال»، تناول ماركس أثر طول يوم العمل في العلاقة بين قيمةقوة العمل وفائض القيمة؛ وفي المجلد الثالث ربط مملكةالحرية بالتنظيم العقلاني للإنتاج من جانب المنتجينالمتشاركين، وجعل تقليص يوم العمل شرطًا أساسيًالاتساعها. (269) ومن هذا المنظور يُقوَّم التطورالإنتاجي بما يتيحه من تخفيف أعباء العمل وتوسيعالقدرات الإنسانية.
وعليه، يمكن للأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي أنتؤدي وظيفة اجتماعية أوسع إذا ارتبط إدخالها بتقليلالأعمال الخطرة والمتكررة، والحد من كثافة المهام، وتقليص ساعات العمل تدريجيًا مع حماية الدخل. أماإذا استُخدمت أساسًا لخفض كلفة العمل وتوسيعالرقابة عليه، فقد تتزايد الإنتاجية من دون تحسن مماثلفي أوضاع العاملين. ويتوقف اتجاه النتائج، لذلك، علىترتيبات التدريب وإعادة التأهيل، وضمانات الانتقال بينالوظائف، ومشاركة العاملين في القرارات التقنية التيتمس شروط تشغيلهم. وهذه تطبيقات تحليلية علىالتكنولوجيا المعاصرة، وليست استنتاجًا بأن تقدمهايقود تلقائيًا إلى علاقات إنتاج أكثر اشتراكية.
ويقتضي الانتقال من تحسين شروط العمل إلى تعزيزموقع المنتجين تطوير مؤسسات ذات صلاحيات فعليةللمشاركة والمساءلة. وتقدم قراءة ماركس لكومونة باريسمبدأً ذا صلة، من خلال تأكيد مسؤولية الممثلين المنتخبينأمام ناخبيهم وقابليتهم للعزل، وإخضاع الوظيفة العامةللمحاسبة. (270) ولا تعني الاستفادة من هذه التجربةنقل أشكالها التاريخية مباشرة إلى الاقتصاد الصينيالمعاصر، وإنما استخلاص أهمية الحد من استقلالالأجهزة الإدارية عن المجتمع، وربط ممارسة السلطةبإمكان مراجعتها ومساءلة القائمين عليها.
وتكتسب المشاركة العمالية مضمونًا عمليًا حين تتجاوزإبداء الرأي إلى امتلاك معلومات وصلاحيات محددة. ويشمل ذلك الاطلاع على البيانات المتعلقة بالأجوروالأرباح والاستثمار، والمشاركة في مناقشة خططالإنتاج والتغيرات التقنية وشروط السلامة، ووجودممثلين مسؤولين أمام العاملين، وقواعد واضحة لمراجعةالقرارات وتسوية الخلافات. ومن دون هذه المقومات، قدتبقى قنوات المشاركة قائمة من الناحية التنظيمية، بينمايظل تأثيرها محدودًا في توزيع الموارد وتحديد أولوياتالمؤسسة. ويتطلب ذلك حماية النقد وكشف التجاوزاتمن دون الإضرار بالأوضاع المهنية للعاملين.
وفي الإطار الحزبي الصيني، تتضمن المادة (33) مندستور الحزب أحكامًا تتصل باعتماد منظماته فيالمؤسسات العامة على العمال والموظفين، ودعم مؤتمرهمفي ممارسة وظائفه، ضمن تنظيم يجمع القيادة الحزبيةوأجهزة الإدارة. (252) غير أن وجود هذه الأحكام لايكفي للحكم على الوزن الفعلي للمشاركة؛ إذ يتطلبذلك دراسة المعلومات المتاحة لممثلي العاملين، ونطاقصلاحياتهم، ومدى قدرتهم على التأثير في قراراتالتشغيل والاستثمار واستخدام الفائض. وعليه، فإنتعميق الاتجاه الاجتماعي يتجسد في توسيع الفاعليةالعملية لهذه المؤسسات، لا في مجرد استمرار وجودهاالرسمي.
ويتصل ذلك بما طرحه لينين في «الدولة والثورة» بشأنإشراك الأكثرية في الحساب والرقابة، مع تمييز هذهالوظائف عن الأعمال التي تستلزم معرفة علمية وخبرةمتخصصة. (271) وتبرز هنا ضرورة الجمع بين الكفاءةالمهنية والمساءلة الاجتماعية؛ فتعقّد الإنتاج والإدارةيستدعي الخبرة، لكنه لا يبرر انفراد حامليها بتحديدالأهداف والأولويات. ويقتضي هذا الجمع إتاحةالمعلومات بصيغ قابلة للفهم والمناقشة، وإخضاع نتائجالقرارات للتقويم، ومنع تحول احتكار المعرفة إلى احتكاردائم للسلطة.
ويمتد التحول المؤسسي إلى العلاقة برأس المالالخاص. ففي هذا السيناريو، لا يكون معيار السياسةالاقتصادية مجرد توسيع نشاطه أو تقييده، بل مدىإخضاعه لأولويات اجتماعية قابلة للمتابعة. ويمكن أنيرتبط الدعم والائتمان والإعفاءات بالتزامات تتعلقبالأجور والتأمينات والتدريب وحماية البيئة ونقل المعرفة، مع تقويم الوفاء بهذه الالتزامات ومراجعة الحوافز عندالإخلال بها. وتتمثل المسألة الحاسمة في قدرةالمؤسسات العامة على منع تحول الثروة الخاصة إلىنفوذ يحد من حقوق العاملين أو يعيد توجيه القرار العاملمصلحة فئات محدودة.
وفي الاقتصاد الرقمي، تتخذ هذه العلاقة أبعادًاإضافية تتصل بالسيطرة على البيانات والبنىالحاسوبية والخوارزميات. ويقتضي تعميق الاتجاهالاجتماعي حماية الخصوصية، وإتاحة معرفة أسسالقرارات الخوارزمية المؤثرة في الأجور والتشغيل وتقويمالأداء، وتوفير آليات للاعتراض عليها ومراجعتها. كمايشمل توسيع استفادة المؤسسات العلمية والعامة منالموارد التقنية، بما يجعل التحول الرقمي مجالًا لتنميةالقدرات الاجتماعية، لا وسيلة لتركيز المعرفة والسلطةالاقتصادية.
ولا يُتوقع أن يتحقق هذا المسار من دون تناقضات أومقاومة؛ إذ إن زيادة حصة العمل، وتوسيع الحقوقالاجتماعية، وتعزيز المشاركة في القرار، تعني إعادةتوزيع للمنافع والصلاحيات بين العاملين والإداراتوالجهات المالكة والمستويات الحكومية المختلفة. وقدتعارضه مصالح تستفيد من انخفاض كلفة العمل أو مناحتكار المعلومات والقرار، كما قد تعوقه الفوارق الماليةبين المناطق وضغوط المنافسة والتمويل. ومن ثم، يحتاجالانتقال إلى تدرج مؤسسي يحدد الأولويات ويوفرالتمويل ويتيح تصحيح السياسات، من دون أن يتحولالتدرج إلى تأجيل غير محدد للتحولات الجوهرية.
ويتحدد المضمون المميز لهذا السيناريو بترابط التقدمالإنتاجي وتحسين شروط الحياة وتوسيع سلطة المنتجينوالمجتمع على الموارد والفائض. أما توسع التخطيط مندون تغير مماثل في موقع العمل، فقد يظل ضمناستمرار النموذج الهجين. ويقوى احتمال ترسخرأسمالية الدولة الموجَّهة حين يقترن ذلك بأدلة علىاستقرار أولوية تنمية رأس المال وإخضاع العملواستخدام الفائض لها، وهو ما يناقشه القسم التالي.
رابعًا: السيناريو الثالث ــ ترسخ رأسمالية الدولة الموجَّهة
يفترض هذا السيناريو استقرار بنية تقود فيها الدولةعملية تراكم تجمع بين المؤسسات العامة ورأس المالالخاص وآليات السوق، وتستخدم التخطيط والائتمانوالاستثمار لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز القدرةالتنافسية. ويُستخدم مفهوم «رأسمالية الدولة الموجَّهة» هنا لتوصيف مسار محتمل تتكرس فيه أولوية تنميةرأس المال، مع استمرار انفصال المنتجين عن القراراتالمتعلقة بتنظيم العمل واستخدام الفائض. ويتطلباختبار هذا الاحتمال دراسة العلاقات التي تعيدالمؤسسات إنتاجها عبر الزمن.
ويشترك هذا المسار مع سيناريو استمرار النموذجالهجين في أدوات ومؤسسات عديدة، ويظل الحدالفاصل بينهما متدرجًا. فالتراكم وتوسيع الإنتاجضروريان لمشروعات تنموية مختلفة، وتتحدد دلالتهماالاجتماعية بالغايات التي يخدمانها وبكيفية توزيعالسلطة والموارد. وفي حين يفترض السيناريو الأولاستمرار التعديلات التكيفية بين الأهداف الاقتصاديةوالاجتماعية، يفترض هذا السيناريو ترسخ قواعدومصالح تجعل تعظيم العائد والتوسع معيارين دائمينتُكيَّف معهما شروط العمل والسياسات الاجتماعية.
ويساعد تحليل ماركس لرأس المال بوصفه علاقةاجتماعية على ضبط هذا التمييز. ففي فصل «نظريةالاستعمار الحديثة»، يوضح أن امتلاك النقود ووسائلالإنتاج لا يكفي لقيام العلاقة الرأسمالية، ما لم يوجدالعامل المأجور المنفصل عن شروط إنتاجه والمضطر إلىبيع قوة عمله؛ وبذلك يحدد رأس المال بوصفه علاقةاجتماعية، لا مجرد أشياء مملوكة. (272) ويُستفاد منذلك، على المستوى المنهجي، ضرورة بحث الشروط التيتتحول فيها وسائل الإنتاج إلى أدوات لإخضاع العملوالاستحواذ على نتائجه، إلى جانب تحديد مالكهاالقانوني.
ويقدم إنجلز تمييزًا متصلًا بهذه المسألة في «ضددوهرنغ». ففي سياق تحليله للدولة البرجوازية الحديثة، يبيّن أن انتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة لا يزيلبذاته العلاقة الرأسمالية، مع إشارته إلى أن هذه الملكيةتتضمن إمكانًا لحل التناقض عبر تملّك المجتمع للقوىالمنتجة. (256) وتتيح الاستفادة من هذا التحليل صياغةأسئلة عن وظائف المؤسسات الصينية وإدارتها، معمراعاة اختلاف السياق التاريخي والسياسي: من يحددأهدافها؟ وكيف تُستخدم أرباحها؟ وما سلطة العاملينوالمجتمع في تقويم قراراتها ومراجعتها؟
وتقدم وثائق الإصلاح الصينية مادةً مباشرة لهذاالتقويم. فالبند الخامس من قرار اللجنة المركزية للحزبالشيوعي الصيني، المُجاز في 18 تموز/يوليو 2024، يدعو إلى تقوية المؤسسات المملوكة للدولة ووظائفهاالمحورية وقدرتها التنافسية، وتوجيه رؤوس الأموالالحكومية إلى القطاعات الاستراتيجية والخدمات العامةوالمشروعات ذات المنافع العامة، وإنشاء نظم لتقويمالمؤسسات بحسب تصنيفها وأدائها للمهامالاستراتيجية. (257) وتجمع هذه التوجهات أغراضًاإنتاجية واجتماعية واستراتيجية؛ أما ترتيبها الفعليفيتضح عند توزيع الموارد ومعالجة التعارض بين العائدالمالي والمهام العامة وحقوق العاملين.
وفي السيناريو المفترض، قد تنجح الدولة في تنسيقالاستثمار وتطوير البنية التحتية والبحث العلميوالاستقلال التكنولوجي، وفي إخضاع نشاط الشركاتالخاصة لأولويات السياسة الصناعية. وتقوى دلالة هذهالإجراءات على المسار الرأسمالي عندما تتضافر معاستقرار علاقات تُخضع تنظيم العمل لمقتضيات تنميةرأس المال وتوسيع تراكمه، وتمنح الإدارات والجهاتالمالكة سلطة حاسمة على الفائض، مع ضعف قدرةالمنتجين على تغيير هذه الأولويات.
وقد تتشكل حول هذا الاتجاه مصالح مترابطة بينإدارات المؤسسات والمصارف والحكومات المحليةوالشركات المستفيدة من الائتمان والمشروعات العامة. وتتباين مواقع هذه الجهات وأهدافها، لكن ارتباطمواردها ونفوذها باستمرار التوسع قد يدفعها إلىحماية ترتيباته. وعندئذ يمكن أن تتحول تدابير ارتبطتبمرحلة تنموية إلى قواعد مستقرة تعيد إنتاج حوافزهاومراكز القرار المرتبطة بها.
ويمكن أن يترافق هذا المسار مع تحسن مستوياتالمعيشة وتوسع الصحة والتعليم والتقاعد والإسكان. وتمثل هذه المكاسب تقدمًا اجتماعيًا فعليًا، وقد تؤديأيضًا وظائف اقتصادية في تجديد قوة العمل ودعمالطلب. وتظهر دلالتها في مقدار الحماية المؤسسية التيتتمتع بها، وقدرة العاملين والمستفيدين على الدفاععنها، وكيفية التعامل معها عندما تتعارض مع الربحيةأو خفض الكلفة أو التوسع الاستثماري.
ويمتد هذا الاختبار إلى التكنولوجيا الرقمية؛ فقد تزيدكفاءة الإنتاج وتقلل الهدر، كما قد تُستخدم لتكثيفالعمل وتوسيع الرقابة على الأداء. وإذا احتكرت الإدارةالمعلومات وقواعد اتخاذ القرار الخوارزمي، وضعفتإمكانات الاعتراض والمراجعة، أمكن أن يتسع تحكمهافي العمل من دون اتساع مماثل في قدرة المنتجين علىتوجيه التغير التقني وتوزيع مكاسبه.
ولهذا يقتضي تقويم الاقتراب من هذا السيناريو تتبعأدلة مترابطة: معايير الأداء والاستثمار، وشروط العمل، واستخدام الأرباح، وتوزيع سلطة القرار، وفاعليةالمشاركة والرقابة. فلا يكفي استمرار العمل المأجور أوضعف المشاركة أو وجود الربح، منفردًا، لإثباته. وتزدادقوة هذا التوصيف عندما تكشف الممارسة عن انتظامهذه العناصر في إعادة إنتاج أولوية رأس المال. ويظلالنجاح الإنتاجي عاملًا يمكن أن يعزز المصالح المرتبطةبهذا المسار، كما يوسع الإمكانات المادية لإعادةتوجيهه؛ ويتحدد الاتجاه بكيفية تحويل تلك الإمكاناتإلى تغير في علاقات العمل والسلطة واستخدامالفائض.
خامسًا: الأزمة الممتدة وإعادة الهيكلة الاقتصادية والاجتماعية
يقوم هذا المسار على احتمال دخول الاقتصاد الصينيمرحلة ممتدة من التباطؤ وتسوية الالتزامات المتراكمة، تتفاعل فيها أزمة العقارات وديون الحكومات المحلية معضعف نمو الطلب الأسري والضغوط الديموغرافيةوالخارجية. وقد تطول هذه المرحلة إذا فقدت محركاتالاستثمار السابقة فاعليتها قبل أن تتطور مصادر بديلةتكفي لدعم الدخل والتشغيل والاستهلاك. ويتمثل هذاالاحتمال في مسار من التكيف وإعادة توزيع المواردوالخسائر، قد يتخلله نمو وتقدم تكنولوجي في قطاعاتمعينة، مع استمرار الاختلالات في قطاعات ومناطقأخرى.
ويتعزز احتمال امتداد هذا المسار إذا تكرر ترحيلالخسائر من دون تسويتها، ولم يتحسن نمو دخولالأسر واستهلاكها بالقدر الكافي لدعم التعافي، وظلتمويل الخدمات المحلية مرتبطًا بموارد عقارية متراجعة، وعجزت القطاعات الصاعدة عن تعويض آثار انكماشالقطاعات القديمة في التشغيل والدخل والإيراداتالعامة. أما التحسن المستمر والمترابط في هذه الأوضاعفيضعف احتمال تحول التباطؤ إلى أزمة ممتدة. ويتوقف طول هذه المرحلة على توقيت المعالجةومضمونها وتوزيع أعبائها، إلى جانب حجم الالتزاماتالمتراكمة.
ويُبحث هذا المسار بالتوازي مع السيناريوهات الثلاثةالسابقة؛ إذ يتناول ظروف الأزمة والتكيف التي قديتطور داخلها أي منها. وتتحدد آثاره الاجتماعية بكيفيةتوزيع الخسائر والموارد وسلطة القرار، وما تعززهالمعالجة من مصالح ومؤسسات.
ويتيح تحليل ماركس للأزمات مدخلًا لفهم هذه العملية؛ إذ يعالجها بوصفها تسويات مؤقتة وعنيفة للتناقضاتالقائمة، يُستعاد من خلالها التوازن لفترة محدودة، معبقاء الأساس الذي يعيد إنتاج هذه التناقضات. (273)وتفيد هذه الفكرة في دراسة انخفاض قيمةالاستثمارات وتسوية المطالبات المرتبطة بها، مع مراعاةاختلاف المؤسسات الصينية عن الحالات التاريخية التيتناولها ماركس. فقد يبقى الأصل موجودًا وقابلًاللاستعمال، بينما يفقد جزءًا من قيمته المالية أو يعجزعن تحقيق العائد المتوقع. والمسكن الذي تتعثر مبيعاتهقد يحتفظ بمنفعته الاجتماعية، لكن الانتفاع الفعلي بهيتطلب ملاءمة موقعه وجودته وكلفته لحاجات السكان. لذلك لا تتطابق معالجة الخسائر المالية بالضرورة معإتلاف الثروة المادية، كما لا يضمن الحفاظ على القيمةالمالية أو المحاسبية للأصول استخدامها بما يلبيالحاجات الاجتماعية.
وتظهر بيانات عام 2025 حدة الانكماش العقاري؛ فقدانخفض الاستثمار في التطوير العقاري بنسبة 17.2 في المائة، وتراجعت القيمة الإجمالية لمبيعات المبانيالجديدة المخصصة للبيع بنسبة 12.6 في المائة، بينمازادت مساحة المخزون المكتمل من المباني المتاحة للبيعفي نهاية العام بنسبة 1.6 في المائة. (274) وتخصهذه المؤشرات مجموع المباني المشمولة بالإحصاء، بمافيها المساكن وغيرها من المباني. وهي تكشف انكماشنشاط مرتبط بالتشييد والتشغيل والتمويل، وتستدعيدراسة انتقال آثاره إلى القطاعات الأخرى.
وتنتقل هذه الآثار عبر علاقات مترابطة؛ فتراجع المبيعاتيضغط على سيولة المطورين وقدرتهم على استكمالالمشروعات، ويضعف الإيرادات المحلية المرتبطة بحقوقاستخدام الأراضي، ويزيد صعوبة خدمة ديون منصاتالتمويل التابعة للحكومات المحلية. وقد تصل الضغوطإلى المصارف عبر تعثر المقترضين وتراجع قيمةالضمانات، ثم تؤثر مجددًا في الائتمان والاستثماروالتشغيل. وهكذا يمكن أن يتحول الانكماش القطاعيإلى عبء اقتصادي أوسع إذا استمرت حلقات انتقالهمن دون معالجة تحد من تراكم الخسائر وتحميالأنشطة والخدمات الأساسية.
وقد أبرز تقييم استقرار النظام المالي الصادر عنصندوق النقد الدولي عام 2025 مخاطر العقاراتوديون منصات تمويل الحكومات المحلية، وضغوط جودةالأصول وربحية المصارف، مع تعرض المصارف الأصغرذات نماذج الأعمال الأعلى مخاطرة بدرجة أكبر. وأشارفي الوقت نفسه إلى كفاية رأس المال والسيولة علىالمستوى الإجمالي، وإلى انخفاض مخاطر المؤسساتالمالية غير المصرفية مقارنة بعام 2017 نتيجةالإصلاحات التنظيمية، مع استمرار ترابطها بالمصارف. (275) وتستدعي هذه النتائج تقويم المخاطر المركزةوالقدرة العامة على امتصاص الصدمات معًا، ومتابعةأثر تأجيل الاعتراف بالخسائر في جودة هذا التقويم.
وفي التقييم الصيني، أفاد العرض العربي لتقريرالاستقرار المالي لعام 2025، الذي نشرته وكالةشينخوا، بأن التقرير استند إلى تصنيفات 3529 مؤسسة مصرفية، وأن 3217 منها، تمثل أصولها 98 في المائة من أصول المؤسسات المشاركة في التصنيف، تعمل ضمن مستويات آمنة، مع وجود مخاطر في بعضالمصارف المحلية الصغيرة والمتوسطة. (276) وتُقرأ هذهالنتائج مع تقييم الصندوق بمراعاة اختلاف التوقيتونطاق البيانات وأدوات الفحص؛ فحصول المؤسساتالتي تستحوذ على معظم الأصول المشمولة بالتقييم علىتصنيف آمن لا ينفي وجود مخاطر مركزة في مؤسساتأو مناطق بعينها. ويبقى توزيع كلفة معالجتها موضوعًايحتاج إلى بحث مستقل.
وتتيح سيطرة الدولة الواسعة على قنوات الائتمان إمكانتنسيق تسوية الديون، وإعادة رسملة المصارف أودمجها، واستكمال المشروعات المتوقفة، وتوزيع كلفةالمعالجة على فترة أطول. ويتوقف أثر هذه الأدوات علىطبيعة المشكلة وشروط التدخل؛ فتأجيل السداد قديساعد مشروعًا قابلًا للاستمرار يواجه نقصًا مؤقتًا فيالسيولة، أما المشروع الذي يعجز دخله المتوقع عنتغطية التزاماته فيحتاج إلى الاعتراف بالخسائر وتعديلالمطالبات أو تغيير استعمال الأصول. وقد يحد نقلالدين من خطر التعثر الفوري، مع بقاء العبءالاقتصادي لدى الجهة التي تحملته. ومن ثم تتحددفاعلية التدخل بقدرته على معالجة أسباب التعثر والحدمن ترحيل الخسائر المتكرر بين المؤسسات والموازنات.
ويزداد تعقيد المعالجة عندما تتزامن تسوية الديون معضعف الاستهلاك. فقد يدفع عدم استقرار العملوتراجع الثروة العقارية والقلق بشأن نفقات الصحةوالتقاعد الأسر إلى تقليل الإنفاق، فتضعف إيراداتالشركات وقدرتها على الاستثمار والتوظيف. كما أنتعويض هذا الضعف بالتوسع الصناعي والتصدير يظلمرتبطًا بقدرة الأسواق الخارجية على الاستيعابوبالقيود التجارية. ولذلك تحتاج إعادة الهيكلة إلى تقويةالطلب المحلي بالتوازي مع تجديد القدرة الإنتاجية، وتجنب توسيع طاقات لا تجد طلبًا كافيًا أو إضعافالدخول والخدمات أثناء تسوية الالتزامات.
وينبغي ضبط الحديث عن الضغوط الانكماشية بحسبالفترة والمؤشر. ففي عام 2025 ظل متوسط مؤشرأسعار المستهلكين ثابتًا، وانخفض متوسط مؤشرأسعار المنتجين بنسبة 2.6 في المائة. وفي أيلول/سبتمبر 2026 ارتفع مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 5 في المائة على أساس سنوي، وعزت البيانات الرسميةجانبًا من تسارع ارتفاعه إلى أسعار الطاقة والمعادنوتغيرات العرض والطلب القطاعية. (277) ويختلفالأساس الزمني للقراءتين؛ فالأولى متوسط عام كامل، والثانية قراءة لشهر محدد قياسًا بالشهر نفسه منالعام السابق. ويمنع هذا التمييز تعميم اتجاه أسعارعام واحد على الفترات اللاحقة. كما أن ارتفاع أسعارالمدخلات لا يكفي لإثبات تعافي استهلاك الأسر؛ إذيتطلب تقويم الطلب الجمع بين حركة الأسعار والدخولوالاستهلاك والتشغيل، والتمييز بين تحسن الطلبوارتفاع الكلفة.
وتتضمن التوجهات الحكومية إجراءات للتعامل مع هذهالروابط. فتقرير عمل الحكومة لعام 2026 يدعو إلىتوسيع الطلب المحلي وزيادة دخول السكان، وتحقيقاستقرار السوق العقارية، وتشجيع شراء مخزون منالمساكن لاستخدامه أساسًا في الإسكان المدعوم، وتحسين إعادة هيكلة الديون المحلية، ومعالجة مخاطرالمؤسسات المالية المحلية الصغيرة والمتوسطة. (278)وتوفر هذه التوجهات إطارًا مؤسسيًا للتدخل، وتُقاسنتائجها بقدرتها على معالجة الالتزامات وتحسينأوضاع السكان، وبكيفية توزيع الموارد والخسائر بينالجهات العامة والمطورين والمصارف والأسر.
ويقتضي إعطاء إعادة الهيكلة مضمونًا اجتماعيًا تحديدأولويات الحماية بوضوح: استكمال المساكن التي دفعالمشترون أثمانها مقدمًا، وحماية الأجور وحقوقالعاملين وصغار المودعين، وضمان استمرار الخدماتالأساسية. وقد يكون التمويل العام ضروريًا لمنعاضطراب واسع، على أن يقترن بالإفصاح عنالخسائر، ومساءلة الإدارات المسؤولة عنها، وتحملالمساهمين والدائنين نصيبهم وفق طبيعة المطالباتوترتيبها القانوني. ويتحدد عدل التدخل وكفاءته بالحقوقالتي يحميها والالتزامات التي يعيد تنظيمها والشروطالتي يفرضها على المستفيدين من الدعم العام.
ويحتاج تحويل المساكن غير المبيعة إلى إسكان ميسّرإلى تقويم كل مشروع بحسب موقعه وحاجات السكانوجودته وكلفة تهيئته وتشغيله؛ فشراء الأصول بأسعارمبالغ فيها قد ينقل خسائر المطورين إلى الموازنة العامةمن دون توفير سكن ملائم. وتتحدد الوظيفة الاجتماعيةلهذا الشراء بشروط الانتفاع وكلفة السكن علىالمستفيدين وقواعد الإدارة والمساءلة. كما يتطلب تقليلاعتماد الحكومات المحلية على عائدات الأراضي إعادةتنظيم مواردها ومسؤولياتها، وتقوية التحويلات التيتضمن استمرار التعليم والصحة والخدمات في المناطقالأضعف ماليًا.
وتشمل الكلفة الاجتماعية لإعادة الهيكلة انتقال العاملينبين القطاعات والمناطق. ولهذا تكتسب حماية الدخلخلال الانتقال، والتأمين ضد البطالة، والتدريب المرتبطبفرص عمل فعلية أهمية اقتصادية مباشرة؛ إذ يمكنلهذه التدابير أن تحد من تراجع الاستهلاك وتساعد علىإعادة توزيع العمل وتخفيف أعباء التكيف. أما ضغطالأجور وتقليص الخدمات، مع الإصرار على حمايةالقيمة المالية السابقة للأصول والمطالبات، فقد يعمقانضعف الطلب ويزيدان صعوبة التعافي.
وتحتاج هذه العملية إلى نشر معلومات الديونوالضمانات والأصول المتعثرة، وتدقيق مستقل وفعّال، ورقابة على شروط الدعم واستخدامه، ومشاركة للعاملينوالسكان تتيح التأثير في القرار ومتابعة تنفيذه. ويتحدداتجاهها الاجتماعي بتوزيع الخسائر وأولوياتاستخدام الموارد، وبما تحدثه من تغير في سلطةالمنتجين والرقابة على العمل والفائض. فمعالجة مصادرالتعثر وحماية الحقوق وتوجيه الأصول إلى استعمالاتقابلة للاستمرار تحسن شروط التعافي، بينما قد يؤديتجديد التمويل ونقل الالتزامات مع بقاء مصادرالخسائر إلى إطالة الأزمة واستنزاف موارد التنمية.
سادسًا: المؤشرات الفاصلة بين السيناريوهات وشروط تجاوزالحدود البنيوية
يقترح هذا القسم إطارًا لمتابعة اتجاه النموذج الصيني، يجمع بين مؤشرات النتائج الاجتماعية، كالدخولوالخدمات وشروط العمل، ومؤشرات السلطةالاقتصادية، كصلاحيات اتخاذ القرار والرقابة علىاستخدام الفائض. ويتيح الجمع بينهما التمييز بينتحسينات تتحقق داخل البنية القائمة وتحولات تمسالعلاقات التي تعيد إنتاجها. وتُقرأ المؤشرات مترابطةً، مع مراعاة التفاوت بين القطاعات والمناطق والفئاتالاجتماعية.
يتطلب تطبيق هذا الإطار تحديد فترة مقارنة ملائمة، والتمييز بين الأهداف المعلنة والموارد المخصصة والنتائجالمتحققة. فقد تقابل زيادة الإنفاق الاسمي زيادةٌ فيالأسعار أو في عدد المستفيدين، كما قد يخفي ارتفاعالمتوسط العام اتساع التفاوت. لذلك ينبغي استخدامالمقادير الحقيقية والإنفاق للفرد حيث يلائم، وفحصتوزيع المكاسب والأعباء، ومتابعة الاتجاهات خلال مدةتتجاوز التقلبات القصيرة. ويمكن الاستناد إلىالموازنات وتقارير المؤسسات ومسوح الأسر والعمل، معبيان حدود البيانات المتاحة، وعدم اعتبار نقصالمعلومات دليلًا على غياب الظاهرة.
الاختبار الأول: وجهات استخدام الفائض ونتائجها الاجتماعية.يركز هذا الاختبار على تتبّع الفائض ووجهاتاستخدامه على مستوى الاقتصاد. ويشمل توزيع أرباحالمؤسسات بين إعادة الاستثمار والتحويلات إلى الموازنةوغيرها من الاستخدامات، إلى جانب تخصيص المواردالعامة وتنفيذها، وما يصل منها إلى الخدمات والحمايةالاجتماعية. ويتطلب ذلك التمييز بين التدفقات وتجنباحتساب المورد نفسه أكثر من مرة، ثم تقويم الخدماتبحسب توافرها وجودتها وإمكان الانتفاع بها.
وقد يهيئ الاستثمار في الصناعة والبحث العلميوالبنية التحتية شروطًا لتوسيع الحقوق والخدمات. ويتعلق الاختبار بمدى انتقال مكاسب هذا الاستثمارإلى السكان: هل تؤدي زيادة الإنتاجية إلى دخولأفضل وخدمات أوسع وشروط عمل أكثر أمانًا؟ وماالشروط والمدة اللازمة لذلك؟ وتساعد متابعة هذه الصلةعلى تقويم المردود الاجتماعي للاستثمار، مع مراعاةاختلاف آجاله ونتائجه بين القطاعات.
الاختبار الثاني: موقع العمل في الإنتاج وتوزيع الدخل. تشملمؤشراته الأجور الحقيقية وتوزيعها ومقارنتها بكلفةالحاجات الأساسية، ونصيب العمل من القيمة المضافةوفق منهج ثابت ومعلن، وساعات العمل الفعلية، والاستقرار الوظيفي والتغطية التأمينية. وينبغي التمييزبين أجور الأجراء ودخول العاملين لحسابهم، وبينالحقوق المقررة وإمكان الانتفاع بها فعليًا. كماتستدعي أوضاع العمال المهاجرين والعاملين عبرالمنصات وفي الوظائف المؤقتة فحصًا مستقلًا، لتحديدمدى شمول التحسن للفئات التي قد تحجبهاالمتوسطات العامة.
وتُدرج آثار الأتمتة والذكاء الاصطناعي ضمن هذاالاختبار بفحص التغير في مخاطر العمل وساعاتهالفعلية وكثافة المهام والأجور والاستقرار الوظيفي، وكيفية توزيع مكاسب الإنتاجية. ويشمل التقويم مدىتوافر ضمانات تتيح للعاملين معرفة قواعد الإدارةالخوارزمية والاعتراض على القرارات المؤثرة في عملهم. وبهذا تُدرس الآثار الاجتماعية للتكنولوجيا من خلالشروط استخدامها ونتائجها داخل علاقات الإنتاج.
الاختبار الثالث: فاعلية مشاركة العاملين والرقابة الاجتماعية.يتطلب هذا الاختبار فحص صلاحيات مجالس العاملينوالهيئات الممثلة لهم، وآليات تشكيلها ومساءلة ممثليها، ونوعية المعلومات المتاحة لها وتوقيت الحصول عليها، وقدرتها على التأثير في القرارات ومتابعة تنفيذها. ويُبحث ذلك في مسائل محددة، مثل تنظيم العملوالسلامة والأجور والتغيرات التقنية واستخدام الأرباح. وتتيح مقارنة الصلاحيات الرسمية بالممارسات الموثقةتحديد مدى انتقال المشاركة من إبداء الرأي إلى التأثيرالفعلي، من دون افتراض غيابها أو فاعليتها مسبقًا.
وعلى مستوى الموارد العامة، يشمل الاختبار قنواتإتاحة المعلومات ومناقشة أولويات الإنفاق والاستثمار، وإمكان مساءلة الجهات المسؤولة عنها. وتربط هذهالمتابعة مشاركة العاملين داخل المؤسسات بقدرةالمجتمع على التأثير في القرارات الاقتصادية الأوسع.
الاختبار الرابع: الوظيفة الفعلية للملكية العامة وعلاقة الدولة برأسالمال الخاص. يركز هذا الاختبار على القواعد التي تحكمأداء المؤسسات وترتيب أهدافها. ففي المؤسسات العامة، تُفحص معايير تقييم الإدارة وحوافزها، ومدى التزامهابمهامها الإنتاجية والخدمية، وشروط العمل، والآثارالبيئية والإقليمية. وتُراعى الفروق بين وظائفالمؤسسات؛ فمعايير مرفق يقدم خدمة أساسية تختلفعن معايير مؤسسة صناعية تنافس في السوق. وتظلسلامة التمويل والكفاءة ضروريتين لاستمرار الأداء، بينما يكشف التعامل مع التعارض بين الربحية والخدمةالعامة وحقوق العاملين عن الأولويات الحاكمة للمؤسسة.
وفي العلاقة بالقطاع الخاص، يُبحث مدى اقترانالائتمان والدعم والمشتريات العامة بالتزامات قابلةللتحقق بشأن الأجور والتأمينات والتدريب والبيئة ونقلالمعرفة، وفاعلية متابعة تنفيذها ومحاسبة المخالفين. ويشمل ذلك تقويم قدرة التنظيم على الحد من الاحتكارومن تحويل النفوذ الاقتصادي إلى امتياز في القرارالعام. وتُقاس الدلالة الاجتماعية لهذه القواعد بنتائجهافي شروط العمل وتوزيع المكاسب واستخدام المواردالعامة.
الاختبار الخامس: توزيع أعباء الأزمات. يتناول هذا الاختبارالجهات المستفيدة من التدخل، والخسائر التي يتحملهاالمساهمون والدائنون والموازنات والأسر، والحقوقوالخدمات التي حُميت أو تراجعت. كما يتتبع أثر تسويةالديون في القدرة على السداد وإتاحة المواردلاستخدامات جديدة، مع تحديد الالتزامات التي انتقلتإلى جهات أخرى والأعباء التي بقيت قائمة. ويتيح ذلكتقويم الفاعلية الاقتصادية والمضمون الاجتماعيللمعالجة معًا.
تساعد نتائج هذه الاختبارات مجتمعةً على ترجيح اتجاهالنموذج. وعندما تتباين اتجاهات المؤشرات، كأنتتحسن الأجور والخدمات مع استمرار تركز القرار، تُعرض النتائج بوصفها اتجاهات متعارضة تحتاج إلىمتابعة، مع بيان نطاقها واستمرارها، وتجنب إسنادهاآليًا إلى سيناريو واحد.
ويرجح استمرار النموذج الهجين حين تحقق الإصلاحاتتحسينات وتكيفات مع استمرار التوزيع القائم للسلطةالاقتصادية والسيطرة على الفائض. ويقوى احتمالتعميق الاتجاه الاجتماعي حين يقترن تحسن المعيشةوشروط العمل بتوسع مؤسسي في قدرة المنتجينوالمجتمع على التأثير والمساءلة. أما ترجيح مسار ترسخرأسمالية الدولة الموجَّهة، فيتطلب أدلة مترابطة علىاستقرار أولوية تنمية رأس المال وتوسيع تراكمه، وإخضاع تنظيم العمل لها، وتركز سلطة القرار المتعلقبالفائض، مع ضعف قدرة المنتجين على تعديل هذهالأولويات. ولا يكفي أي مؤشر منفرد لإثبات هذا المسار. وقد تتداخل الأزمة مع هذه الاتجاهات، وتتحدد دلالتهابكيفية إدارتها وبنتائجها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي ضوء ذلك، تقترح الدراسة ثلاثة شروط مترابطةلتجاوز الحدود البنيوية:
ويتوقف تحقق هذه الشروط على وجود مؤسسات وقواعدوممارسات تدعم استمرارية التحسن، وتتيح كشفالتعارضات وتصحيح السياسات. ويشمل ذلك تمكينالفئات المستفيدة من الدفاع عن المكاسب، وإتاحةالمعلومات ومساءلة الجهات المنفذة. وهنا ينتقل البحثمن دراسة قدرة الدولة على تعبئة الموارد إلى دراسة قدرةالمجتمع على توجيهها ومراقبة نتائج استخدامها.
سابعًا: موقف الحزب الشيوعي الصيني من اتجاهات تطورالنموذج
تقدم الوثائق الحزبية تصورًا لمستقبل الصين يقوم علىمواصلة بناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينيةوتطوير اقتصاد السوق الاشتراكي. ويحدد تقريرالمؤتمر الوطني العشرين هدفين متعاقبين: تحقيقالتحديث الاشتراكي من حيث الأساس بحلول عام2035، وإنجاز بناء دولة اشتراكية حديثة قوية بحلولمنتصف القرن. ويضع هذا التصور الأهدافالاقتصادية والاجتماعية ضمن مسار تاريخي يقودهالحزب والدولة، بينما تستخدم الدراسة السيناريوهاتلفحص الاتجاهات الفعلية لتطور النموذج. (279)
ويكتسب مفهوم «المرحلة الأولية من الاشتراكية» موقعًامركزيًا في تفسير هذا التصور؛ إذ يقرر دستور الحزبأن الصين ستظل في هذه المرحلة زمنًا طويلًا، مع تحديدالشيوعية غايةً نهائية للحزب. ويربط تطوير القوىالمنتجة بنظام اقتصادي يجمع الموقع المسيطر للقطاعالعام وتعدد أشكال الملكية، وأولوية التوزيع بحسبالعمل مع تنوع أنماط التوزيع، واقتصاد السوقالاشتراكي. ويوفر هذا المفهوم الإطار النظري الذييفسر به الحزب الجمع بين غايته البعيدة وبنية الاقتصادالراهنة. (252)
أما وصف البنية بـ«الهجينة» في هذه الدراسة، فهوأداة لتحليل العلاقات التي يجمعها النموذج والتوتراتالناشئة بينها. ومن منظور ماركسي، لا يُحسم توصيفاتجاهه بمجرد شكل الملكية أو الأهداف المعلنة، بلبفحص علاقات الإنتاج الفعلية: من يسيطر على وسائلالإنتاج والفائض؟ ومن يقرر أوجه استخدامه؟ وكيفتتوزع مكاسب الإنتاجية وأعباء العمل؟ كما لا يكفي نموالقوى المنتجة وحده للاستدلال على تعميق المضمونالاشتراكي؛ إذ يتوقف ذلك على صلته بموقع المنتجينفي القرار، وبشروط العمل وتوزيع الدخل والخدمات. وبهذا تُستخدم مفاهيم الفائض وعلاقات الإنتاج لربطمؤشرات القسم السادس بالوثائق والسياسات التييناقشها هذا القسم، مع إبقاء اتجاه التحول موضوعًاللاختبار.
ويؤكد قرار تعميق الإصلاح الصادر في تموز/يوليو2024 استمرار التوجه نحو بناء اقتصاد سوقاشتراكي رفيع المستوى بحلول عام 2035، مع تطويرالقطاع العام وتشجيع القطاع غير العام، وإظهار دورالسوق في تخصيص الموارد وتحسين فاعلية الحكومة. (257) ويُستفاد من ذلك أن الأفق الإصلاحي المعلنيركز على تطوير هذه العلاقات وتنظيمها. ومن ثم يتعلقالسؤال التحليلي بالكيفية التي تُوجَّه بها السوق، وبالتغيرات التي تطرأ على العلاقة بين الملكية العامةوالخاصة والعمل والفائض خلال هذا المسار.
وتنص الوثيقة نفسها على تحسين الإدارة الديمقراطيةفي المؤسسات، باتخاذ مؤتمر مندوبي الموظفين شكلًاأساسيًا، وتطوير الأشكال الفعالة لمشاركة العاملين فيالإدارة. (257) ويقتضي التقويم الاعتراف بهذهالتوجهات ثم بحث ترجمتها إلى صلاحيات وممارساتمؤثرة: مقدار ما تتيحه الهيئات الممثلة للعاملين من تأثيرفي تنظيم العمل والتغيرات التقنية والقرارات المتعلقةبنتائج الإنتاج، وعلاقة هذا التأثير بصلاحيات الهيئاتالحزبية والإدارات ومجالس الإدارة.
وتجمع مقترحات الخطة الخمسية الخامسة عشرة، التيأقرتها اللجنة المركزية في 23 تشرين الأول/أكتوبر2025، بين تحديث الصناعة وتعزيز الابتكار المستقل، وتقوية الاستهلاك والطلب الداخلي، ومواكبة زيادة دخولالسكان للنمو الاقتصادي، وربط زيادة الأجور بارتفاعإنتاجية العمل. كما تتناول تحسين الضمان الاجتماعي، ومعالجة مخاطر العقارات وديون الحكومات المحليةوالمؤسسات المالية الصغيرة والمتوسطة. وهذه المقترحاتالحزبية وثيقة متميزة عن الخطوط العريضة للخطةالوطنية للفترة 2026–2030، التي أقرها المجلسالوطني لنواب الشعب في 12 آذار/مارس 2026. (280)
وتحتاج قراءة هذه الأهداف إلى تتبع الروابط الفعلية بينتطوير الإنتاج وتحسين المعيشة؛ فارتفاع الناتج المحليللفرد لا يبيّن بمفرده مقدار ما يصل إلى الأسر مندخول وخدمات، أو كيفية توزيع الزيادة بينها. كما تُقاسنتائج معالجة الاختلالات بقدرتها على تحسين أوضاعالسكان وإعادة تنظيم الالتزامات، وبكيفية توزيعأعبائها. وتتيح المؤشرات السابقة اختبار هذه الروابط، مع التمييز بين الأهداف والموارد المخصصة والسياساتالمنفذة ونتائجها.
وتتصل بذلك مسألة مكافحة الفساد والبيروقراطية. ففيتوجهات تحسين سلوك العمل التي عرضتها شينخوا فيتموز/يوليو 2025، أكد شي جين بينغ ضبط ممارسةالسلطة مؤسسيًا، وتعزيز الشفافية والرقابة والانضباط، ومعالجة الشكلية والبيروقراطية والبذخ، والجمع بينالرقابة الداخلية للحزب ورقابة الشعب والجماهير والرأيالعام. (281) ويقتضي بحث هذه التوجهات تقويمالقواعد التي تنظم ممارسة السلطة، والضمانات التيتتيح كشف الأخطاء ومراجعة القرارات ومساءلةالمسؤولين.
ويظل التمييز بين الفساد والبيروقراطية ضروريًا لهذاالتقويم. فالفساد يتعلق بإساءة استخدام المنصب أوالموارد لتحقيق منافع غير مشروعة، بينما تبحث الدراسةالبيروقراطية من زاوية تركز المعلومات والقرار والتصرففي الموارد، ومدى انفصال الجهاز الإداري عن المنتجينوالمجتمع. وقد يتحسن الانضباط مع بقاء هذا التركز؛ ولذلك يشمل الاختبار أثر الإصلاحات في توزيعالصلاحيات وإتاحة المعلومات، وفاعلية قنوات النقدوالمشاركة من أسفل، واستجابة المؤسسات لشكاوىالعاملين والسكان. وتُبحث الرقابة المؤسسيةوالجماهيرية من حيث تكامل أدواتها وقدرتها الفعليةعلى تصحيح الممارسات.
وتضيف المنافسة الدولية قيودًا على خيارات التطور، ولاسيما في التكنولوجيا المتقدمة. فقد أعلنت وزارة التجارةالأميركية في كانون الأول/ديسمبر 2024 تشديدضوابط تصدير معدات وبرمجيات لتصنيع أشباهالموصلات، إلى جانب ضوابط على الذاكرة ذات النطاقالترددي العالي، استنادًا إلى اعتبارات الأمن القوميوالتطبيقات العسكرية. وفي كانون الثاني/يناير 2026 عدّلت سياسة تراخيص رقائق محددة لتخضع طلباتهاللمراجعة حالةً بحالة وفق شروط أمنية. (282) وتوضحهذه الإجراءات أن شروط الوصول إلى التكنولوجيا تتغيربحسب المنتجات والسياسات، بما يؤثر في خياراتالصين الصناعية والتقنية.
ومن منظور الدراسة، يمكن أن تدفع هذه الضغوط إلىتوسيع البحث العلمي وتنسيق الاستثمار وتقوية القدراتالوطنية، فتزيد إمكانات الاستقلال الاقتصادي. وقدتقترن أيضًا بتقديم مقتضيات المنافسة والأمن علىتحسين شروط العمل والمشاركة إذا استُخدمت مبررًامستمرًا لتأجيلهما. وتظل هذه احتمالات تُختبربالسياسات والممارسات؛ إذ تتوسط أثرَ الضغوطالخارجية اختياراتٌ داخلية تتعلق بتمويل التطور وتوزيعكلفته واستخدام مكاسبه.
ويُقرأ الموقف الرسمي، في ضوء ذلك، بوصفه مشروعًايجمع قيادة الحزب والملكية العامة واقتصاد السوقوالتحديث والرخاء المشترك ضمن تصور واحد. وتتمثلمهمة الدراسة في تقويم كيفية ترجمة هذا المشروع إلىعلاقات ومؤسسات ونتائج، ومدى اقتران تنمية القدرةالاقتصادية بتوسيع الحقوق وصلاحيات المنتجينوالرقابة الاجتماعية على الفائض. وعلى هذا الأساسيبقى التمييز واضحًا بين الأهداف التي يعلنها الحزبوالاستنتاجات التي تسندها الممارسة.
(252) الحزب الشيوعي الصيني، دستور الحزبالشيوعي الصيني، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2022، «المبادئ العامة»، والمادة (33)، رابط المصدر.
(253) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «بيانالدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرين للحزبالشيوعي الصيني»، 18 تموز/يوليو 2024، رابطالمصدر.
(254) كارل ماركس، نقد الاقتصاد السياسي، ترجمةراشد البراوي، ط1، دار النهضة العربية، 1969، «مقدمة»، ص 3 بحسب ترقيم النسخة الإلكترونية، رابطالمصدر.
(255) فلاديمير إيليتش لينين، «التقرير السياسيللجنة المركزية إلى المؤتمر الحادي عشر للحزبالشيوعي (البلشفي) في روسيا»، 27 آذار/مارس1922، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلدالعاشر، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1978، ص 467–469، رابط المصدر.
(256) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ: ثورة السيد أوجيندوهرنغ في العلوم، ترجمة محمد الجندي وخيريالضامن، موسكو: دار التقدم، 1984، ص 325–326،رابط المصدر.
(257) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، قراربشأن تعزيز تعميق الإصلاح على نحو شامل لدفعالتحديث الصيني النمط، 18 تموز/يوليو 2024، البنود(3)، (5)، (31)، (44)، (46)، رابط المصدر.
(258) وكالة شينخوا، «مسؤول: القرار بشأن الإصلاحأهم نتائج الجلسة الكاملة الأخيرة للحزب الشيوعيالصيني»، 19 تموز/يوليو 2024، رابط المصدر.
(259) شي جين بينغ، «إيضاحات حول قرار اللجنةالمركزية للحزب الشيوعي الصيني بشأن تعزيز تعميقالإصلاح على نحو شامل لدفع التحديث الصينيالنمط»، 21 تموز/يوليو 2024، رابط المصدر.
(260) وكالة شينخوا، «شي جين بينغ يؤكد علىضرورة ضمان تنفيذ مهام الإصلاح خلال ترؤسهالاجتماع السادس للجنة المركزية لتعميق الإصلاحالشامل»، 30 آب/أغسطس 2024، رابط المصدر.
(261) وكالة شينخوا، «الصين تتبنى قانونًا مخصصًالتعزيز القطاع الخاص»، 30 نيسان/أبريل 2025، رابطالمصدر.
(262) وكالة شينخوا، «متحدث: آفاق تنمية القطاعالخاص في الصين ستصبح أكثر اتساعًا»، 4 آذار/مارس 2026، رابط المصدر.
(263) وكالة شينخوا، «الصين ترفع سقف ديونالحكومات المحلية بمقدار 6 تريليون يوان»، 8 تشرينالثاني/نوفمبر 2024، رابط المصدر.
(264) وكالة شينخوا، «متحدث: الصين تبدأ إصدارسندات لبرنامج استبدال ديون الحكومات المحلية في2025»، 4 آذار/مارس 2025، رابط المصدر.
(265) وكالة شينخوا، «الصين تسرع إصلاحات رعايةالمسنين للتعامل مع شيخوخة السكان»، 10 كانونالثاني/يناير 2025، رابط المصدر.
(266) وكالة شينخوا، «الصين تدخل نظام دعم لرعايةالأطفال في دفع النمو السكاني»، 12 أيلول/سبتمبر2025، رابط المصدر.
(267) وكالة شينخوا، «البرنامج الوطني الصيني لدعمرعاية الأطفال يفتح باب تقديم الطلبات»، 9 أيلول/سبتمبر 2025، رابط المصدر.
(268) كارل ماركس، «نقد برنامج غوتا»، ضمن: كارلماركس وفريدريك إنجلز، مصادر الاشتراكية العلمية ــ2، ترجمة فؤاد أيوب، ط1، دمشق: دار دمشق للطباعةوالنشر والتوزيع، 1964، ص 311، رابط المصدر.
(269) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصادالسياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص 644–645، رابطالمصدر؛ والمجلد الثالث، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، د.ت.، ص 951–952، رابط المصدر.
(270) كارل ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ترجمةإلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، د.ت.، ص 59، رابطالمصدر.
(271) فلاديمير إيليتش لينين، «الدولة والثورة»، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلد السابع، ترجمةإلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1977، ص 125–126، رابط المصدر.
(272) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصادالسياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص 941–942، رابطالمصدر.
(273) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصادالسياسي، المجلد الثالث، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، د.ت.، ص 295، رابط المصدر.
(274) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «الاستثمار في التطوير العقاري لعام 2025»، 20 كانون الثاني/يناير 2026، القسمان الأول والثانيوجدول التطوير العقاري والمبيعات، بالإنجليزية، رابطالمصدر.
(275) صندوق النقد الدولي، جمهورية الصين الشعبية: تقييم استقرار النظام المالي، تقرير الدولة رقم 25/100، 30
نيوكالة شينخوا، «البنك المركزي: المخاطرالمالية في الصين تحت السيطرة بشكل عام»، 29 كانون الأول/ديسمبر 2025، عرض لنتائج تقريرالاستقرار المالي الصيني لعام 2025 الصادر عنبنك الشعب الصيني، رابط المصدر باللغةالعربية.
وهو يؤكد تحديدًا وجود مخاطر في بعض المصارفالمحلية الصغيرة والمتوسطة، واستمرار معالجة مخاطرالمؤسسات المالية الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الإدارةالاحترازية الكلية للتمويل العقاري، مع تأكيد أن المخاطرالمالية إجمالًا تحت السيطرة. كما يورد أرقام 3529 مؤسسة مصرفية و3217 بنكًا تمثل أصولها98% من الأصول المشمولة بالتقييم. [
سان/أبريل 2025، ص 8–9 و14–15 من تقريرالخبراء، بالإنجليزية، رابط المصدر.
(276) وكالة شينخوا، «البنك المركزي: المخاطر الماليةفي الصين تحت السيطرة بشكل عام»، 29 كانونالأول/ديسمبر 2025، عرض نتائج تقرير الاستقرارالمالي الصيني لعام 2025، رابط المصدر.
(277) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، بيان أداءالاقتصاد الوطني في عام 2025، 19 كانون الثاني/يناير 2026، البند (7)، بالإنجليزية، رابط المصدر؛ ووكالة شينخوا، «تسارع ارتفاع أسعار المنتجين فيالصين مع صعود أسعار الطاقة»، 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، رابط المصدر.
(278) مجلس الدولة الصيني، تقرير عمل الحكومة لعام2026، قدّمه لي تشيانغ في 5 آذار/مارس، واعتمدهالمجلس الوطني لنواب الشعب في 12 آذار/مارس2026، ونشرته شينخوا في 14 آذار/مارس، القسمالرابع، البندان (1) و(10)، رابط المصدر.
(279) شي جين بينغ، التقرير المقدم إلى المؤتمرالوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، 2022، القسم الثالث: «رسالة ومهمة الحزب الشيوعي الصينيفي المسيرة الجديدة خلال العصر الجديد»، رابطالمصدر.
(280) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، مقترحات بشأن وضع الخطة الخمسية الخامسة عشرةللتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، 23 تشرينالأول/أكتوبر 2025، البنود (6)، (7)، (11)، (50)، رابطالمصدر؛ ووكالة شينخوا، «الهيئة التشريعية الوطنيةالصينية تعقد الاجتماع الختامي لدورتها السنوية»، 12 آذار/مارس 2026، رابط المصدر.
(281) وكالة شينخوا، «شي جين بينغ يؤكد على تعزيزالحوكمة الذاتية الكاملة والصارمة للحزب الشيوعيالصيني من خلال تحسين سلوك العمل»، 5 تموز/يوليو2025، رابط المصدر.
(282) وزارة التجارة الأميركية، مكتب الصناعة والأمن، «تشديد ضوابط التصدير لتقييد قدرة الصين على إنتاجأشباه الموصلات المتقدمة للتطبيقات العسكرية»، 2 كانون الأول/ديسمبر 2024، ص 1، رابط المصدر؛ و«تعديل سياسة مراجعة تراخيص أشباه الموصلاتالمصدرة إلى الصين»، 13 كانون الثاني/يناير 2026، ص 1، رابط المصدر.
خلصت الدراسة إلى أن «اشتراكية السوق الصينية» تكوين تاريخي مركب، يتحدد مضمونه الاجتماعيبتحليل العلاقات بين الملكية والعمل والسلطة واستخدامالفائض. وقد أظهر البحث أهمية دراسة هذه العناصرمترابطةً، ومقارنة التعريف الرسمي للنظام بمؤسساتهوممارساته. ويتعلق تقويم اتجاهه بقدرته على توجيهالنشاط الاقتصادي نحو الحاجات الاجتماعية، وبالتغيرفي سلطة المنتجين والمجتمع على شروط حياتهم.
وتشكل النموذج عبر الثورة وإعادة تنظيم ملكية الأرضوبناء الدولة والاقتصاد المخطط وقاعدة الصناعة، ثمالإصلاح والانفتاح وتوسيع استخدام السوق والاستثمارالخاص والأجنبي. وأنتج هذا المسار بنية تجمع ملكيةالدولة والملكية الجماعية للأرض، وسيطرة الدولة علىالمصارف الكبرى والقطاعات الاستراتيجية، وتنوعأشكال الملكية والاندماج في الاقتصاد العالمي. وتحملالتجربة، لذلك، آثار مراحلها المختلفة وتناقضاتها.
وأتاح هذا البناء تحولًا واسعًا في القدرة الإنتاجيةومستويات المعيشة؛ إذ اتسعت الصناعة والبنية التحتيةوالقدرات العلمية، وتحسنت الدخول والتعليم والصحة، وتراجع الفقر المدقع على نطاق واسع. وتبرز هذه النتائجدور التخطيط والسياسة الصناعية والمصارف العامة فيتعبئة الموارد وربط الانفتاح ببناء القدرات المحلية. وتقدمالتجربة، بهذا المعنى، مادة لنقد اختزال التنمية فيالخصخصة الشاملة وتقليص دور الدولة.
ويضع الحزب الشيوعي الصيني هذا المسار ضمنتصوره للمرحلة الأولية من الاشتراكية، رابطًا قيادةالحزب والملكية العامة وتعدد الملكيات واقتصاد السوقبالتحديث والرخاء المشترك. ويحدد ذلك مشروعًا رسميًامستمرًا، بينما يُختبر تحققه بالتغير في العمل والتوزيعوإدارة الموارد والمشاركة. ويوفر تطوير القوى المنتجةإمكانات للتحول، تتوقف كيفية استخدامها علىالمؤسسات والمصالح التي توجهها.
ويحتل الفائض الاقتصادي موقعًا مركزيًا في هذاالتقويم، مع تمييزه عن فائض القيمة الذي يعبر، فيالتحليل الماركسي، عن علاقة رأس المال بالعمل. فتوجيهعوائد المؤسسات العامة والضرائب والائتمان إلى البنيةالتحتية والخدمات والحماية الاجتماعية يمثل وظيفةتنموية مهمة. ويقتضي تقويمها أيضًا بحث شروط إنتاجالفائض وسلطة تخصيصه وموقع الربحية ضمنالأولويات. ولهذا ترتبط الملكية العامة بمضمون اجتماعيأعمق حين تتسع قدرة المنتجين والمجتمع على التأثير فياستخدامها ومساءلة إداراتها.
وتؤدي مشاركة العاملين دورًا يتجاوز توزيع الدخل إلىتنظيم العمل والتغير التقني والقرار الاقتصادي. ويُختبروزنها بما تملكه من معلومات وصلاحيات، وبأثرالاعتراض والمقترحات في الممارسة، مع مراعاةالحاجات العامة التي تتجاوز المؤسسة المنفردة. كمايتطلب الحد من الانفصال البيروقراطي وصل الكفاءةالمهنية بالشفافية والمساءلة وقنوات فعالة للنقد والمشاركةمن أسفل. وتتكامل هذه المتطلبات مع مكافحة الفسادوتحسين الانضباط.
ويقدم التقدم التكنولوجي مجالًا ملموسًا لاختبار هذهالعلاقات. فالأتمتة والذكاء الاصطناعي يتيحان تقليلالأعمال الخطرة والمتكررة وتطوير الخدمات والمعرفة، ويمكن أن يُستخدما كذلك لتكثيف العمل والمراقبة. وتتحدد وجهتهما بكيفية توزيع مكاسب الإنتاجية بينالأجور والحماية والوقت المتاح خارج العمل وفرصالتعلم والمشاركة. وبقدر ما تتسع قدرة الناس علىالتصرف في وقتهم وحياتهم، تكتسب التنمية مضمونًاتحرريًا أعمق.
وتكشف الأزمات بدورها أولويات توزيع الأعباء والموارد. فاختلالات العقارات والديون والطلب، والفوارقالاجتماعية والإقليمية، والتحديات السكانية والبيئية، تفرض مفاضلات تحتاج إلى تقويم اقتصاديواجتماعي معًا. وتتيح السيطرة العامة على المصارفوالائتمان أدوات لاحتواء التعثر، فيما تبقى فاعليةالمعالجة مرتبطة بتسوية الخسائر وحماية العمل والسكنوالخدمات وصغار المودعين، وبمنع تكرار الآليات التيتولد الاختلالات.
وعرضت الدراسة ثلاثة اتجاهات مشروطة: استمرارالنموذج الهجين بإصلاحات تكيفية؛ وتعميق الاتجاهالاجتماعي والاشتراكي؛ وترسخ رأسمالية الدولةالموجَّهة. ويتوقف ترجيحها على أدلة مترابطة بشأنشروط العمل والسيطرة على الفائض وتوزيع سلطةالقرار. أما الأزمة الممتدة وإعادة الهيكلة فقد تتقاطع معهذه الاتجاهات وتعيد تشكيل موازينها. ويمثل إطارالمؤشرات المقترح أداة للمتابعة والمقارنة، ويظل تطبيقهمحتاجًا إلى بيانات زمنية ودراسات تراعي الاختلافبين المؤسسات والقطاعات والمناطق.
وتؤثر المنافسة الدولية وضغوط الأمن والاستقلالالتكنولوجي في هامش الاختيارات وكلفتها. ويمكن أنتسهم الاستجابة لها في تطوير البحث العلميوالتنسيق الاقتصادي، فيما تتحدد آثارها الاجتماعيةبالسياسات الداخلية التي توزع الأعباء وتستخدمالمكاسب. ومن هنا تبرز أهمية وصل بناء القوة الوطنيةبتحسين المعيشة وتوسيع المشاركة، ومتابعة أثرالمفاضلات الطويلة الأجل في الحاجات الراهنة.
وتؤكد خصوصية الثورة وملكية الأرض وحجم السوقوالمؤسسات والظروف الدولية حدود نقل النموذج إلىمجتمعات أخرى. ومع ذلك، تتيح التجربة استخلاصدروس في السياسة الصناعية والسيطرة العامة علىالائتمان والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، وربطالانفتاح ببناء القدرات الوطنية. وتُدرس إمكانات الإفادةمنها في ضوء البنية الاجتماعية والمؤسسية وأهدافالتنمية في كل مجتمع.
وتخلص الدراسة، من منظور ماركسي، إلى أن الصينتمتلك أدوات مادية ومؤسسية مهمة يمكن توظيفهالتعميق التحول الاشتراكي، فيما تعمل داخل النموذجمصالح وآليات قد تثبت أولوية التراكم وتركز السلطةالاقتصادية. ويظل اتجاه تطوره رهنًا بمعالجة هذاالتناقض في المؤسسات والممارسة. فكلما اتسع تحكمالمنتجين والمجتمع في الموارد، واقترنت زيادة الإنتاجيةبتحسين الحياة وتقليص وقت العمل وتعزيز الحقوق، اتسعت إمكانات التحرر الإنساني. وعلى هذا الأساستطرح التجربة سؤالًا أمام الفكر الاشتراكي المعاصرعن قدرة المجتمع على تحويل قوته الاقتصاديةوالتكنولوجية إلى سيطرة أوسع على شروط وجودهومستقبله.




