لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد أزمة اقتصادية تتجلى في الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، بل تحولت إلى أزمة سياسية واجتماعية عميقة، تتسع معها الهوة بين نظام يوظف أدوات القمع لحماية بقائه، وشرائح شعبية تكافح من أجل أبسط حقوقها: العمل والعيش بكرامة والأمان على النفس والمستقبل.
من قمم كوردستان الوعرة، حيث يخاطر العتالون بحياتهم لتأمين قوت عائلاتهم، إلى طرق بلوشستان التي يسلكها ناقلو الوقود، وصولا إلى شوارع طهران وأسواقها، تتكرر صورة واحدة: مواطنون يواجهون الحرمان والمخاطر، وسلطة ترد على معاناتهمبالملاحقة والعنف بدلا من معالجة أسبابها.
القمع في مواجهة لقمة العيش
تعكس مأساة العتالين الكورد وناقلي الوقود البلوش، وفق التقارير الحقوقية الواردة، واقع التهميش الاقتصادي الذي تعانيه المناطق الحدودية، حيث تضيق فرص العمل وتغيب البدائل المستدامة، فيضطر كثيرون إلى المجازفة بأرواحهم لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وتزداد خطورة هذه المأساة عندما يواجه العاملون بإطلاق الناربدلا من توفير فرص العمل والاستثمار في المناطق المحرومة. فالمواطن يجد نفسه أمام معادلة قاسية: إما المخاطرة بحياته طلباللرزق، وإما مواجهة الفقر الذي يهدد أسرته.
ولا تختلف الصورة كثيرا في طهران، حيث أفادت تقارير بأنالجرافات والمعدات الثقيلة دمرت بضائع الباعة المتجولينوأكشاكهم، مبددة رؤوس أموال محدودة قد تكون حصيلة سنواتمن الادخار أو قروضا استدانوا بها لتأمين معيشتهم.
إن تدمير هذه البضائع لا يعني فقدان دخل يوم واحد فحسب، بل قد يدفع أسرا بأكملها إلى مزيد من الفقر والديون. وهنا يظهرالتناقض بين سلطة تستعرض قوتها أمام أصحاب البسطات،بينما تعجز عن معالجة الاختلالات الاقتصادية والفسادوالاحتكار.
وعندما تتكرر المظالم في مناطق متباعدة، فإنها تكشف عن أزمة تتجاوز الحوادث الفردية إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث تتراجع وظيفة الحماية والرعاية لمصلحة الرقابة والعقاب.
من السخط المعيشي إلى الرفض السياسي
قد يبدأ الاحتجاج من فقدان فرصة عمل أو تدمير بسطة أو مقتل عامل على طريق حدودي، لكنه يتجاوز المطالب المعيشية عندما يشعر المواطن بأن المؤسسات التي يفترض أن تحميه أصبحت جزءا من معاناته.
فالمشكلة ليست في الفقر وحده، بل في غياب الأفق للخروج منه، وليست في البطالة وحدها، بل في الشعور بانعدام العدالة وتضاؤل فرص الاعتراض السلمي على السياسات القائمة.
ومن هنا تكتسب المظالم المتراكمة دلالتها السياسية؛ إذ إن استمرار الحرمان، مقترنا بالقمع وانسداد قنوات التعبير، يهيئالأرضية لتنامي الرفض والتساؤل عن شرعية النظام وسياساته.
وتلتقي معاناة الكورد والبلوش والعمال والباعة في العاصمة عند مطلب أساسي: أن تكون كرامة المواطن وحقوقه أولوية، لا عبئاعلى سلطة تبدو منشغلة بأمنها وبقائها أكثر من انشغالهابمعالجة أزمات المجتمع.
وحدات المقاومة وتنظيم الغضب الشعبي
في موازاة هذه المظالم، تبرز المقاومة المنظمة بوصفها أحد العوامل الساعية إلى نقل الرفض من مستوى السخط المتفرق إلى الفعل السياسي المنظم. ووفق التقارير المنشورة عن نشاطات “وحدات المقاومة“، شهد يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول تحركات متزامنة في طهران وست مدن أخرى، ربطت بين الاعتداءات على أرزاق الباعة ومعاناة الفئات المحرومة، وبين ضرورة مواجهة النظام المسؤول، في نظر هذه الحركة، عن استمرار القمع والحرمان.
وتكمن الدلالة السياسية لهذه النشاطات في محاولة ربط المظالم اليومية بأسبابها السياسية والاقتصادية الأوسع، بدلا من التعاملمعها باعتبارها حوادث منفصلة. فالبائع الذي تدمر بضاعته،والعامل الذي يقتل أثناء سعيه إلى الرزق، والعاطل الذي لا يجدفرصة للعمل، جميعهم يواجهون مظاهر مختلفة لأزمة واحدة.
لكن نجاح المقاومة المنظمة لا يقاس بمجرد عدد النشاطات أواتساع انتشار الشعارات، بل بقدرتها على التواصل مع المجتمع،والتعبير عن تطلعاته، وتقديم مشروع سياسي واضح يحظىبالثقة والقبول.
نحو بديل ديمقراطي
إن رفض النظام القائم لا يكتمل بمجرد إسقاطه، بل يتطلب الإجابة عن سؤال المستقبل: كيف يمكن منع إعادة إنتاج الاستبداد بأسماء وشعارات مختلفة؟
إن رفض نظام ولاية الفقيه لا يعني القبول بعودة استبداد الشاه، بل يفتح الباب أمام المطالبة بجمهورية تعددية تقوم على سيادة الشعب، وحرية التعبير والتنظيم، واستقلال القضاء، والمساواة بين المواطنين، والاعتراف بحقوق القوميات الإيرانية وتنوعها الثقافي والسياسي.
إن بناء مثل هذا البديل يتطلب برنامجا ديمقراطيا واضحاوضمانات تمنع احتكار السلطة، وتكفل التداول السلمي لها،وتضع مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية تحت رقابة القانون.
فمن قمم كوردستان إلى شوارع طهران، لا تختصر معاناة الإيرانيين في رغيف خبز مفقود أو بسطة مدمرة أو عامل يسقط برصاص الحدود؛ إنها تعكس صراعا أوسع حول كرامة الإنسانوحقوقه ومن يملك حق تقرير مستقبل البلاد.
قد تتمكن أدوات القمع من تفريق احتجاج أو فرض هدوء مؤقت، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أسباب السخط. وأمام هذا الواقع، يتمثل التحدي في قدرة القوى المعارضة والمقاومة المنظمة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع وطني جامع، يربط الحرية بالعدالة الاجتماعية، ويرفض الاستبداد بكل أشكاله.
فالمستقبل الإيراني لن تحدده الجرافات والرصاص وحدهما، بل قدرة الشعب وقواه السياسية على بناء بديل ديمقراطي موثوق يجعل الإنسان وحقوقه في قلب الدولة والمجتمع.




