حين تتحوّل التعيينات الحزبية من فرصة لاستعادة الثقة إلى سببٍ لتعميق القطيعة مع المجتمع الإيزيدي — ولماذا لا تُعدّ هذه الحالة استثناءً في السياسة الكردية، بل قاعدة
د. سعيد بير مراد
ليس من السهل على أي حزب أن يستعيد ثقة مجتمعٍ يشعر بأنه تُرك وحيداً في أكثر لحظات تاريخه مأساوية. والأصعب أن يحاول العودة إليه عبر الوجوه ذاتها التي ارتبطت في ذاكرة الناس بمرحلة الخذلان، وكأن اثني عشر عاماً من الألم والنزوح والمقابر الجماعية لم تكن كافية لمراجعة الخيارات والأدوات.
من هنا، لا يمكن قراءة اختيار محما خليل مسؤولاً للفرع السابع عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني في سنجار بوصفه إجراءً تنظيمياً روتينياً. فهو قرار يلامس جوهر العلاقة بين الحزب والمجتمع الإيزيدي السنجاري، ويكشف — بقدر ما يكشف عن حسابات الحزب في سنجار — عن منطقٍ أعمق يحكم طريقة إنتاج القيادات داخل الحزبين الكرديين الحاكمين منذ عقود.
سنجار وذاكرة الخذلان التي لا تموت
لا تُفهم أزمة الثقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وقطاع واسع من الإيزيديين دون العودة إلى الثالث من آب 2014، حين اجتاح تنظيم داعش قضاء سنجار وارتكب جريمة إبادة جماعية بحق الإيزيديين: قتلاً جماعياً، وخطفاً، واستعباداً جنسياً للنساء والأطفال، وتهجيراً قسرياً لمئات الآلاف.
وقد شكّل انسحاب قوات البيشمركة من سنجار قبيل الهجوم وخلاله جرحاً لم يندمل في الذاكرة الجماعية. وبصرف النظر عن التفسيرات العسكرية التي قُدّمت لاحقاً، فإن ما بقي في وعي الناس بسيط وقاسٍ: كانت هناك قوة مسؤولة عن الحماية، ولم تكن موجودة حين جاء الذبح. ولا يزال الإيزيديون، بعد أكثر من عقد، ينتظرون تحقيقاً شفافاً ومساءلة حقيقية لم تأتِ.
ثم جاء تشرين الأول 2017 ليضيف طبقة ثانية من الخذلان. فبعد أزمة الاستفتاء، انسحبت قوات الحزب وإدارته من سنجار مرة أخرى، دون قتال يُذكر، تاركةً فراغاً ملأته قوى أخرى. وكان محما خليل نفسه، قائمقام سنجار آنذاك، جزءاً من هذا الانسحاب، إذ غادر إلى دهوك وظل لسنوات يقدّم نفسه بوصفه «القائمقام الشرعي» لقضاءٍ لا يقيم فيه، في حين كانت إدارة أخرى تدير شؤون الناس على الأرض.
بين انسحابين، تكوّنت لدى شريحة واسعة من السنجاريين قناعة بأن الحزب يتعامل مع سنجار بوصفها ورقة في صراعه مع بغداد ومع حزب العمال الكردستاني، لا بوصفها مجتمعاً جريحاً يستحق الأولوية.
محما خليل: سيرة لا تصلح لمهمة المصالحة
محما خليل ليس وجهاً جديداً. فقد تولّى منصب قائمقام سنجار بعد الإبادة، في ظروف ما زالت موضع جدل، إذ يقول منتقدوه إن تنصيبه جرى بقرار حزبي لا بإرادة الناخبين، وإن «الانتخاب» الذي استند إليه جرى خارج سنجار في وقت كان سكانها جميعاً نازحين. ثم مثّل الحزب نائباً في البرلمان العراقي لدورتين، وكان صوته الأعلى طوال تلك السنوات موجهاً نحو خصوم الحزب: حزب العمال الكردستاني، وقوى الحشد، والحكومة الاتحادية.
ولا يُنكر أحد أن لتلك الملفات وجاهتها، فوجود الجماعات المسلحة وتعطّل اتفاق سنجار عقبات حقيقية أمام العودة. لكن السؤال الذي يطرحه السنجاريون مختلف: ماذا قدّم ممثلهم لهم هم، لا للحزب؟ أين المشاريع، وأين ملف المختطفات والمختطفين، وأين الضغط الجاد لتعويض الضحايا وإعادة إعمار القرى المدمرة؟ لقد ارتبط اسم الرجل، في نظر كثيرين، بخطاب الاستقطاب أكثر من ارتباطه بالإنجاز، وبالدفاع عن موقع الحزب أكثر من الدفاع عن الناس.
ثم جاءت انتخابات تشرين الثاني 2025 لتطرح السؤال بحدّة أكبر. فقد ترشّح خليل مجدداً، وخاض حملة شابها توتر واعتداء على مكتبه في سنجار، وهو اعتداء مُدان بكل المقاييس. لكن النتيجة، بحسب ما يتداوله متابعون للشأن السنجاري، لم تمنحه مقعداً في البرلمان الجديد. وإذا صحّ ذلك، فإن الحزب قد كافأ مرشحاً لم يُقنع ناخبيه بمنصب يتطلب، قبل كل شيء، قدرة على الإقناع.
لا تعني الخسارة الانتخابية بحد ذاتها فشلاً شخصياً، فالسياسة فيها صعود وهبوط. غير أن تحويل الخاسر انتخابياً إلى مسؤول تنظيمي أول في المنطقة ذاتها التي رفضته، دون أي مراجعة معلنة لأسباب الخسارة، يبعث برسالة واضحة: رأي الناس لا يغيّر شيئاً في حسابات القيادة.
ليست حالة فردية: مدرسة الولاء في الحزبين الكرديين
إن أخطر ما في هذا التعيين أنه ليس استثناءً. فهو نموذج مكرر لنهج اعتاده الحزبان الكرديان الرئيسيان، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، على حد سواء، منذ أن تحوّلا من حركتي تحرر إلى سلطتين حاكمتين تقتسمان الإقليم مناطقَ نفوذ.
في كلا الحزبين، لم تعد الكفاءة أو النزاهة أو القبول الشعبي هي ما يفتح أبواب المناصب، بل معيار واحد يتقدم على كل ما عداه: الولاء المطلق للحزب وللعائلة القائدة، والطاعة غير المشروطة للقيادة، والقدرة على التملّق وإظهار الانقياد. وهكذا صعدت طبقة من المسؤولين لا تُعرف بإنجاز إداري ولا بفكرة سياسية ولا بحضور في الشارع، وإنما بأنها لم تقل «لا» يوماً، ولم تعترض على قرار، ولم تُحرج قيادتها بسؤال.
في الديمقراطي الكردستاني، تتركّز القرارات الكبرى في دائرة عائلية ضيقة، وتُوزَّع مسؤوليات الفروع والمكاتب بوصفها مكافآت على الولاء لا تكليفاً قائماً على الجدارة. وفي الاتحاد الوطني، لم يكن المشهد أفضل حالاً، إذ تحوّل الحزب إلى ساحة صراع بين أجنحة عائلية، بلغت ذروتها في الإطاحة بالرئيس المشترك عام 2021، فيما بقي مقياس الصعود الداخلي هو القرب من مركز القرار، لا الأداء في خدمة الناس.
والنتيجة في الحالتين واحدة: إدارات مترهلة، وفساد محمي بالانتماء الحزبي، ومسؤولون فاشلون في كل شيء إلا في إثبات الولاء، يُعاد تدويرهم من منصب إلى آخر مهما تراكمت إخفاقاتهم. في المقابل، يُقصى أصحاب الكفاءة والخبرة والاستقلالية، أو يُدفعون إلى الهجرة، أو يُحاصرون لأنهم يفكرون بصوت مرتفع. وكم من طبيب ومهندس وأكاديمي وناشط إيزيدي يملك القدرة على صنع فرق حقيقي في سنجار، لكنه لا يجد مكاناً في حزب لا يرى فيه إلا خطراً على التراتبية القائمة.
ولم يعد هذا تشخيصاً نظرياً؛ فالمجتمع الكردي نفسه بدأ يصدر حكمه. فنسب العزوف عن المشاركة في الإقليم في تصاعد مستمر، حتى بات «الصامتون» الذين يقاطعون صناديق الاقتراع كتلة أكبر من أي حزب. وهذه رسالة لا يقرؤها من اعتاد أن يسمع من حوله التصفيق وحده.
حين يصبح الترشيح سلعة
ولا يقف الأمر عند حدود الولاء والتملق. ففي الأوساط الإيزيدية حديث متزايد، يتداوله متابعون للشأن السياسي الإيزيدي ويتردد في المجالس الخاصة ومواقع التواصل، عن ظاهرة أخطر: أن الطريق إلى بعض المناصب الحزبية والحكومية المخصصة للإيزيديين، سواء داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني أو في مؤسسات الدولة العراقية، لا يمر عبر الكفاءة ولا حتى عبر الولاء وحده، بل عبر المال. إذ يُقال إن الحصول على التزكية والدعم اللازمين للترشيح بات مرتبطاً، في حالات عدة، بدفع مبالغ كبيرة لجهات نافذة تملك مفاتيح الترشيح.
لا يملك كاتب هذه السطور دليلاً موثقاً على هذه الروايات، ولا يجوز التعامل معها بوصفها حقائق ثابتة. لكن اتساع تداولها وتكرارها في أكثر من مناسبة يجعل السكوت عنها خطأً بحد ذاته. فإذا صحّت، ولو جزئياً، فنحن أمام كارثة مزدوجة: كارثة على المجتمع الإيزيدي الذي يُفترض أن تمثله هذه المناصب، فإذا بها تتحول إلى صفقات يدفع ثمنها من يملك المال لا من يملك الكفاءة؛ وكارثة على الحزب الديمقراطي الكردستاني نفسه، الذي سيجد اسمه مقروناً بسوقٍ للمناصب في أكثر المجتمعات جرحاً في العراق. فمن يشتري منصبه لن يرى فيه أمانة يخدم بها الناس، بل استثماراً يسعى إلى استرداده.
وإذا كانت هذه الروايات كاذبة، فإن من مصلحة الحزب والمعنيين قبل غيرهم أن يدحضوها بالشفافية لا بالصمت. لذلك فإن المطلوب ليس الإنكار ولا التجاهل، بل تحقيق جدي ومستقل في آليات الترشيح للمناصب الإيزيدية، حزبياً وحكومياً، وإعلان معايير واضحة ومعلنة للاختيار، وتمكين هيئات النزاهة من النظر في أي شبهة تُقدَّم بشأنها. فالمجتمع الذي نجا من الإبادة يستحق، على الأقل، أن يعرف كيف يُختار من يتحدثون باسمه.
ثمن المعادلة في سنجار مضاعف
إذا كان نهج «الولاء قبل الكفاءة» يُكلّف أربيل والسليمانية فساداً وترهلاً، فإنه يُكلّف سنجار ما هو أخطر. فالإقليم يملك مؤسسات وموارد تمتص جزءاً من سوء الإدارة، أما سنجار فمجتمع ناجٍ من إبادة، نصف أهله ما زالوا في المخيمات، وقراه مدمرة، ومقابره الجماعية لم يُكشف عن جميعها بعد، وآلاف من أبنائه وبناته ما زال مصيرهم مجهولاً.
في منطقة كهذه، لا يحتمل الناس مسؤولاً يُعيَّن ليرضي القيادة. إنهم يحتاجون من يحمل همومهم إلى القيادة، ويقول لها ما لا تحب أن تسمعه. يحتاجون شخصية تستطيع الجلوس مع المستقلين والناجين والشباب والنساء ورجال الدين والقوى المحلية المختلفة، لا شخصية يرى فيها جزء واسع من الناس امتداداً لصراعات الماضي وانسحاباته.
وتزداد خطورة الخيار في توقيته. فسنجار تمر بمرحلة إعادة تشكيل حساسة، مع النقاش حول دمج التشكيلات المحلية المسلحة في المؤسسات الرسمية، وتمسّك بغداد بإدارة اتحادية للقضاء، وتصاعد التنافس على هوية المنطقة ومستقبلها. وفي لحظة كهذه، يكون اختيار الوجوه رسالة سياسية بحد ذاته.
خطاب الحزب ومفارقة الاستفتاء
المفارقة أن الحزب نفسه أصدر قبل أيام بياناً عبر مكتب تنظيم نينوى، أكّد فيه أن أهالي سنجار والإيزيديين وحدهم يملكون حق تقرير مصيرهم، واقترح استفتاءً عاماً بين أبناء المكوّن، مقدّماً نفسه بوصفه المدافع الأول عن سنجار.
وهذا خطاب يستحق الترحيب لو اقترن بالممارسة. لكن السؤال البديهي: إذا كان الحزب يؤمن بأن الإيزيديين وحدهم يقررون مصيرهم، فلماذا لم يسألهم عمّن يمثّله بينهم؟ وهل جرت أي مشاورة حقيقية مع الشخصيات المستقلة والناجين وممثلي الشباب والنساء قبل اختيار مسؤول الفرع؟ وهل أُخذت نتائج الانتخابات الأخيرة بعين الاعتبار؟
لا يمكن أن يطالب حزبٌ باحترام إرادة الإيزيديين في الاستفتاءات، ثم يتجاهلها حين تتعلق بمن يقود مؤسسته في سنجار. فالمصداقية تبدأ من البيت الداخلي.
الفرصة الضائعة
كان بإمكان الحزب أن يحوّل تعيين مسؤول جديد لفرعه السابع عشر إلى إعلان مراجعة: أن يختار وجهاً إيزيدياً يحظى باحترام واسع، غير متورط في سجالات الماضي، قادراً على الحوار مع الجميع، ويحمل رسالة واضحة بأن الحزب تعلّم من 2014 ومن 2017، وأنه مستعد لفتح صفحة جديدة.
بدلاً من ذلك، جاء القرار ليقول للسنجاريين إن الآليات والوجوه هي ذاتها، وإن معيار الاختيار لم يتغيّر: من يُرضي القيادة يتقدّم، ومن يُرضي الناس لا يُسأل عنه.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن يُحكم على أي قيادة بأدائها لا بالانطباعات المسبقة وحدها. وأمام محما خليل فرصة لإثبات خطأ منتقديه، إن استطاع أن يُبدّل خطابه من الاستقطاب إلى الخدمة، ومن الدفاع عن الحزب إلى الدفاع عن الناس، وأن يفتح أبواب الفرع أمام الكفاءات الإيزيدية المستقلة بدل إغلاقها. لكن عبء الإثبات هذه المرة يقع عليه وعلى حزبه، لا على المجتمع الذي سئم الوعود.
الخاتمة: هل بدأ العد التنازلي؟
قد يكون من المبكر الجزم بأن هذا التعيين هو المسمار الأخير في نعش نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني في سنجار. لكن الأحزاب لا تفقد نفوذها دفعة واحدة؛ إنها تخسره تدريجياً، قراراً بعد قرار، حين تتكرر الأخطاء وتغيب المراجعة، ويصبح الحفاظ على الولاءات الداخلية أهم من الاستجابة لتطلعات الناس.
وما يصح على الديمقراطي الكردستاني في سنجار يصح على الحزبين الكرديين في كل مكان: الحزب الذي يحيط نفسه بالمطيعين والمتملقين يفقد تدريجياً حاسته السياسية، لأنه لا يسمع إلا صدى صوته. وحين يستيقظ على صناديق فارغة وشارع غاضب، يكون الأوان قد فات.
إن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه قيادة الحزب على نفسها ليس: من الأكثر ولاءً لإدارة الفرع السابع عشر؟ بل: من القادر على إقناع الإيزيديين بأن الحزب تعلّم من أخطاء الماضي؟
فسنجار، التي دفعت أبهظ ثمن إنساني في تاريخ العراق الحديث، لا تحتاج إلى مزيد من الموالين، بل إلى مشروع يعيد الاعتبار للإنسان وكرامته وأمنه وحقوقه. والسؤال الذي يتركه هذا القرار مفتوحاً:
هل اختار الحزب الديمقراطي الكردستاني محما خليل لإنقاذ ما تبقّى من نفوذه في سنجار، أم أنه اختار، دون أن يدري، أن يُسرّع خسارة ما تبقّى من ثقة السنجاريين؟




