لم يعد سعي النظام الإيراني إلى ضمان بقائه في السلطة مجرد سياسة دفاعية تهدف إلى احتواء الأزمات الداخلية أو تجاوز الضغوط الخارجية، بل تحول إلى استراتيجية شاملة تتقدم فيها مصلحة استمرار النظام على أي اعتبار آخر، بما في ذلك مستقبل البلاد ومصالح شعبها وأمنه واستقراره. فطهران، في سبيل المحافظة على بنيتها السلطوية، تبدو مستعدة للمضي في سياسات ومغامرات محفوفة بالمخاطر، دون اكتراث حقيقي بما يمكن أن تتركه من تداعيات اقتصادية وسياسية واجتماعية، ليس على حاضر إيران فحسب، بل على مستقبل أجيالها أيضا.
وتكشف طبيعة تعامل السلطة مع الأزمات المتلاحقة أن هاجس البقاء أصبح المحرك الأساسي لقراراتها. فبدلا من معالجة جذورالاحتقان الشعبي، المتمثلة في الأزمات المعيشية والفساد والفسادالمؤسسي وغياب الحريات وتقييد الحقوق السياسية، تلجأ إلىتوسيع القبضة الأمنية، وتشديد الرقابة، وتكثيف الاعتقالاتوالإعدامات، فضلا عن محاولة تصدير الأزمات الداخلية إلىالخارج، أو توظيف التوترات الإقليمية والدولية لتبرير المزيد منالإجراءات القمعية تحت ذريعة حماية الأمن القومي.
وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران منذ أواخر ديسمبر 2025، وما رافقها من قمع دموي واعتقالات واسعة، حجم الهوة المتزايدة بين السلطة والمجتمع. وأكدت تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش خطورة الانتهاكات التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية بحق المتظاهرين، فيما أشار تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2026 إلى تصاعد غير مسبوق في الإعدامات والانتهاكات خلال عام 2025. وهي مؤشرات تعكس عمق الأزمة التي لم تعد قابلة للاختزال في مطالب اقتصادية أو احتجاجات ظرفية.
لكن ما يثير اهتمام المراقبين في تطورات المشهد الإيراني ليس استمرار الرفض الشعبي وحده، وإنما المحاولات الرامية إلى تحويل هذا الرفض إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الاستمرار ومواجهة أدوات النظام. وهنا يبرز دور وحدات المقاومة المنتشرة، بحسب ما تعلنه المعارضة الإيرانية، في مختلف المدن والمناطق الإيرانية، والتي تسعى إلى الربط بين التحرك الشعبي والنشاط التنظيمي والميداني، بما يجعل مقاومة الاستبداد أكثر حضوراواستمرارية من موجات الاحتجاج التي قد تنحسر بفعل القمع أوانقطاع الاتصالات.
وتتمثل أهمية هذه الوحدات، وفق التصور الذي تطرحه المقاومة المنظمة، في أنها لا تكتفي بالتعبير عن رفض السلطة، بل تعمل على إيصال رسالة مفادها أن المجتمع الإيراني لا يزال يمتلك طاقات تنظيمية قادرة على تحدي سياسة الترهيب، وأن محاولات النظام فرض الصمت بالقوة لا تعني انتهاء إرادة التغيير. وقد أعلنت وحدات المقاومة خلال عام 2026 عن سلسلة من النشاطات والعمليات في مدن إيرانية متعددة، وهي ادعاءات ينبغي التمييز فيها بين البيانات الصادرة عن الجهة المنظمة وما يمكن التحقق منه بصورة مستقلة.
إن الرهان الأساسي هنا لا يتعلق بمجرد إظهار القدرة على تحدي الأجهزة الأمنية، بل بمدى إمكانية بناء صلة متينة بين المقاومة المنظمة والقطاعات الاجتماعية المختلفة، ولا سيما الشباب والطلاب والعمال والنساء، الذين يشكلون جزءا مهما من الحراكالمطالب بالتغيير. فكلما اتسعت هذه الصلة، أصبح من الصعبعلى السلطة عزل الاحتجاجات عن محيطها الاجتماعي أوتصويرها باعتبارها تحركات محدودة أو مرتبطة بعوامل خارجية.
وفي المقابل، يدرك النظام أن خطورة المعارضة لا تكمن فقط في شعاراتها، وإنما في قدرتها على تقديم تصور سياسي بديل يحظى بالثقة والقبول. ولهذا فإن محاولات التشويش على المعارضة، وتضخيم الانقسامات داخلها، وإبراز بدائل سياسية متنافسة دون امتلاكها بالضرورة قاعدة اجتماعية وتنظيمية متماسكة، يمكن أن تصبح جزءا من معركة أوسع لإبقاء المجتمعمحاصرا بين خيارات لا تفضي إلى تغيير حقيقي.
غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه قوى التغيير يتمثل في ضرورة أن تقترن مقاومة النظام برؤية واضحة لمستقبل إيران. فالتغيير لا يكتمل بإزاحة سلطة قائمة، وإنما ببناء دولة ديمقراطية تقوم على سيادة القانون، والتعددية السياسية، والمساواة بين المواطنين، واحترام حقوق القوميات والمكونات، وضمان التداول السلمي للسلطة. ومن دون هذه الضمانات، قد تتحول تضحيات الشعب إلى مقدمة لإعادة إنتاج الاستبداد بصيغة مختلفة.
إن النظام الإيراني يستطيع أن يضاعف إجراءاته الأمنية، وأن يراهن على الخوف، وأن يوظف الأزمات الإقليمية لتأجيل استحقاقات الداخل، لكنه لا يستطيع أن يضمن إلى ما لا نهاية بقاء الفجوة بين السلطة والمجتمع دون عواقب. وفي الجهة المقابلة، فإن قدرة المقاومة المنظمة على ترجمة الرفض الشعبي إلى مشروع وطني جامع تظل عاملا أساسيا في تحديد مسارالتحولات المقبلة.
فالمعادلة الإيرانية لم تعد مجرد صراع بين سلطة ومعارضين، بل أصبحت مواجهة بين من يريد إبقاء البلاد رهينة لمتطلبات استمرار نظامه، ومن يسعى إلى استعادة حق المجتمع في تقرير مستقبله. وبين هذين المسارين تتحدد القضية الجوهرية: هل ستظل إيران تدفع أثمان بقاء السلطة، أم يصبح مستقبلها السياسي والاجتماعي خاضعا لإرادة شعبها؟




