حين تتحول زنازين إيران إلى منابر للاحتجاج.. الإعدام في مواجهة الضمير الإنساني : منى سالم الجبوري

ليس من المألوف أن تتحول السجون، التي تنشأ عادة لعزلالمعارضين وإسكات أصواتهم، إلى ساحات احتجاج سياسيوحقوقي تتجاوز أصداؤها أسوار المعتقلات وتصل إلى المؤسساتالدولية. لكن هذا ما تعكسه حملة “ثلاثاءات لا للإعدام“ التييقودها سجناء في إيران منذ أكثر من عامين وثمانية أشهر، منخلال إضراب أسبوعي عن الطعام احتجاجا على تنفيذ أحكامالإعدام، في ظاهرة تحمل دلالات تتجاوز الاعتراض على عقوبةبعينها إلى رفض منظومة القمع التي تحاصر المجتمع الإيراني.

وتكمن أهمية هذه المبادرة في أن أصحابها لا يمتلكون وسائل التأثير التقليدية، ولا يستطيعون تنظيم المؤتمرات أو التظاهر في الشوارع أو مخاطبة الرأي العام بحرية. إنهم يواجهون أقسى أشكال العزلة، ومع ذلك اختاروا تحويل معاناتهم اليومية إلى فعل احتجاجي منظم، يذكر بأن حرية الإنسان وحقه في الحياة لايسقطان بمجرد وجوده خلف القضبان.

وقد اكتسبت الحملة بعدا دوليا متزايدا مع انضمام عدد منالمقررين الخاصين للأمم المتحدة وشخصيات حقوقية، فضلا عنمواقف حكومية، من بينها بيان وزارة الخارجية الكندية الداعيإلى وقف الإعدامات والإفراج عن المحتجزين تعسفيا. كما سلطتالمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران،ماي ساتو، الضوء على الحملة أمام اللجنة الثالثة للجمعية العامة،معتبرة أن المعارضة لعقوبة الإعدام باتت تنطلق من داخلالسجون نفسها.

وتزداد خطورة هذه القضية في ضوء ما أوردته التقارير عن إعدام ما لا يقل عن 46 سجينا سياسيا ومحتجا منذ مارس 2026، معاستمرار تهديد أكثر من مئة آخرين بالمصير ذاته. وهي أرقام، إذاما أخذت في سياقها، تكشف أن عقوبة الإعدام لم تعد مجردإجراء قضائي في حالات فردية، بل أصبحت قضية تمس طبيعةالعلاقة بين السلطة والمجتمع، وحدود استخدام مؤسسات الدولةفي مواجهة المعارضة.

لكن التضامن الدولي، على أهميته، يواجه اختبارا حقيقيا: هليظل في حدود البيانات والتصريحات، أم يتحول إلى ضغطسياسي وحقوقي قادر على إحداث تغيير ملموس؟ فالإدانةاللفظية لا تكفي لإنقاذ المحكومين، كما أن التعبير عن القلق لايوقف آلة الإعدام ما لم يقترن بإجراءات عملية ومتابعة دوليةمستمرة.

إن ما يجري داخل السجون الإيرانية يكشف مفارقة سياسية لافتة؛ فكلما ضاقت مساحة التعبير خارج المعتقلات، برزت أصوات من داخلها لتؤكد أن إرادة الاحتجاج لا يمكن محاصرتها بالجدران. وربما تكون القيمة الأعمق لحملة “ثلاثاءات لا للإعدام“أنها أعادت طرح سؤال جوهري: ما الذي يبقى من شرعية السلطة عندما يصبح حق الإنسان في الحياة موضع تهديد، ويصبح الاعتراض السلمي على ذلك جريمة؟

إن مسؤولية المجتمع الدولي اليوم لا تقتصر على الإصغاء إلى هذه الأصوات، بل تمتد إلى حمايتها والعمل من أجل وقف الإعدامات وضمان حقوق المعتقلين. فالقضية لم تعد شأنا داخليايمكن عزله عن الضمير الإنساني، وإنما اختبار حقيقي لمدىجدية العالم في الدفاع عن الحق في الحياة والكرامة والحرية.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت