في التراث الشعبي لا توجد كلمة تختزل العجز والفشل كما تختزلهما تَرْحووو ……. ذلك النداء الساخر الذي يطلقه الراعي حين يفلت منه زمام قطيعه من الغنم والبقر، فتتخبّط البهائم بلا بوصلة ولا بصيرة.
وهذا تماماً خطاب أحزاب السلطة وعوائلها الحاكمة اليوم، في إقليم كوردستان كما في الوسط والجنوب. يرون الدولة تتهاوى والعقد ينفرط وبدل أن يقدّموا مشروعاً سياسياً يكتفون بالجلوس على تلّ الفشل، يكرّرون السقوط ذاته بعقليةٍ إدارية متخلّفة لا تُحسن سوى قيادة القطيع.
فبعد أكثر من 35 عاماً من الحماية الدولية و 34 عاماً من الفيدرالية، يثبت العقل الحزبي الحاكم في أربيل والسليمانية أنه لم يخرج يوماً من عباءة الراعي البدائي.
ترحووو على دماء الشهداء
ترحووو على القتلى التي صارت حصصاً حزبية ومشاريع عائلية، وترحووو على حلم الدولة الذي انكمش بقدرة قادر حتى صار مهزلة: دولةَ عشيرة،
وعشيرةَ تحكم ،
وحلماً باللادولة بامتياز.
وها هما الإدارتان تتسابقان، واحدةٌ طالبانية بامتياز وأخرى بارزانية بامتياز، وليس فيهما ما هو كردستاني بامتياز. وقد بلغ السباق حدّ التهديد الفاضح بعزل السليمانية عن أربيل.
قطيع يقابل قطيع
رئيسٌ مقابل رئيس،
ووزيرٌ مقابل وزير،
وحظيرتان بسياجٍ واحد كأنّ تقسيم المقسَّم وتمزيق الممزَّق غاية المنى. أما الراعي الدولي فقد فكّك سياجه ورحل في أيلول الماضي، تاركاً القطيع للذئاب والمسيّرات.
لكن المأساة لا تقف عند حدود الجبال.
فمن الشمال إلى الوسط والجنوب الواقعُ واحد، وبوصلة الخراب ذاتها، والأحزاب الحاكمة هنا وهناك، على اختلاف مسمّياتها، تتقاسم الجيناتِ السياسيةَ نفسها. هنا اثبتوا لا يختلف الرعاة إلا في شكل العصا، فتوى في بغداد والجنوب وعشيرة في أربيل والسليمانية،
أما وظيفتها فواحدة:
أن تروّض الإنسان حتى يصير تابعاً خانعاً. فبين فقهٍ يكفّر الآخر وشريعة يتوعّده بالسحل، وفتاوى تبيح مفاخذة الرضيعة، ومدوّنةٍ تفتح باب زواج الطفلات وتسمّي الاستباحة شرعاً، وبين أحزابٍ تقتات على نهب الثروات، يتبيّن أن الحكّام في بغداد وأربيل والسليمانية والجنوب نسخٌ كربونية لعقليةٍ واحدة، عقلية الراعي الذي لا يرى في المواطن أكثر من رأس غنمٍ في حظيرة.
أما هنا يكمن الإنذار الأخطر للمكوّنات والأقليات التي تحاول عبثاً لملمة جراحها وسط هذا الركام. فالمنطقة تقف على صفيحٍ ساخن أمام مستقبلٍ مجهول وحربُ تدميرٍ كبرى تلوح في أفق طهران وتمتدّ ارتداداتها إلى تركيا.
أنتم الهدف الأول في أي فوضى قادمة،
فالمجاميع الإرهابية والتكفيرية لن تبدأ بخصومها الكبار،
بل بكم،
لتُظهر أنيابها وتثبت وجودها الدموي، وسنجار (شنكال) شاهدةٌ لم يجفّ دمها بعد ولم يعد أهلها بعد. وإذا كان المواطن في عُرف الرعاة رأسَ غنم،
فأنتم في عرف شريعتهم لستم من القطيع أصلاً.
أنتم الحطب الذي تُوقَد به محارق صراعات العائلات الحاكمة، والذبيحة التي تُنحر حين يحين الصلح، في حظيرةٍ لا دولة فيها ولا قانون، بينما يتنافس أمراء العشائر والاحزاب على خراب ما تبقّى من عقولنا وأحلامنا المؤجلة.
وحين يتبدّد او يتشتت القطيع كلّه، لن يبقى للرعاة إلا أن يعودوا إلى أطلال تلّهم ويصرخوا في وادٍ فارغ ………. !!!
تَرْحوووو !!!!
تَرْحوووو !!!!
تَرْحوووو !!!!
06.Nov.2026




