أربيل والسليمانية تتقاسمان العلم وتختلفان على كل ما تحته. والخطر ليس أن يعلن أحدٌ الانفصال، بل ألّا يحتاج أحدٌ إلى إعلانه.
في فبراير/شباط 2019، انتخب برلمان إقليم كردستان فالا فريد، مرشحة الحزب الديمقراطي الكردستاني، رئيسةً له وسط مقاطعة الاتحاد الوطني الكردستاني. قيل يومها إنها رئاسة مؤقتة ريثما يتفق الحزبان، واتفقا بعد أشهر.
في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 تكرر المشهد بالاسم نفسه والمقاطعة نفسها. لكن اليوم التالي جاء مختلفاً: سحب بافل طالباني حزبه من الحكومة، وأعلن أنه لا يعترف بالبرلمان ولا بما يصدر عنه، وأطلق جملة ستُقرأ طويلاً في أربيل وبغداد وطهران وأنقرة: «ما تفعلونه هناك، سنفعله هنا».
هذه ليست أزمة حكومة. لقد انتقل السؤال من «من يحكم الإقليم؟» إلى «هل ما زال هناك إقليم واحد يُحكم؟». وكردستان العراق لا تتجه إلى انفصال معلن، بل إلى ما هو أخطر وأهدأ: انفصال بلا إعلان.
مقعد واحد بين الشرعية والأزمة
حضر الجلسة 52 نائباً من أصل 100، أي بفارق مقعد واحد عن النصاب، وانتُخبت هيئة الرئاسة كلها بـ52 صوتاً. كانت أول جلسة مكتملة النصاب منذ افتتاح الدورة في ديسمبر/كانون الأول 2024. واكتمل النصاب بحضور نحو ستة نواب من قوائم الاتحاد الوطني وحراك الجيل الجديد، رغم قرار حزبيهما بالمقاطعة.
أربيل ترى في ذلك ممارسة ديمقراطية تنهي عامين من الشلل، والسليمانية تتهم خصمها بشراء النواب بالمال العام، ولا حكم قضائياً حتى الآن يحسم أيّاً من الروايتين. لكن الصورة الأوسع لا خلاف عليها: برلمان معطّل لعامين، وحكومة تصريف أعمال منذ انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2024، ونتائج اقتراع لم تتحول إلى سلطة. الانسحاب لم يصنع الفراغ، بل كشفه.
شرعيتان في إقليم واحد
الوحدة الكردية في العراق كانت دائماً تسوية بين مركزين. فبين 1994 و1997 خاض الحزبان حرباً أهلية استعان فيها الديمقراطي بقوات صدام حسين وتلقى الاتحاد دعماً إيرانياً. أوقف اتفاق واشنطن عام 1998 القتال، لكنه أبقى إدارتين بحكومتين وأجهزة أمن وقوات منفصلة.
منح دستور 2005 الإقليم اعترافاً اتحادياً، غير أن الدمج الإداري ظل صفقة لتقاسم السلطة لا لتوحيدها. ففي كردستان شرعيتان: شرعية صناديق الاقتراع التي تمنح الديمقراطي الكتلة الأكبر بـ39 مقعداً، وشرعية التوافق التي تمنح الاتحاد بمقاعده الـ23 حق النقض بحكم الجغرافيا والسلاح والتاريخ. في 4 نوفمبر اختارت أربيل منطق الأغلبية، وفي اليوم التالي ردّت السليمانية بمنطق الجغرافيا.
كيف يتفكك كيان دون إعلان؟
لم يعلن طالباني إقليماً في السليمانية، ولا يملك ذلك بقرار حزبي؛ فالمادة 119 من الدستور العراقي تشترط طلباً رسمياً واستفتاءً شعبياً. لكن الكيانات لا تتفكك بالإعلانات بل بالتراكم: تعيين هنا، ومرسوم لا يُنفَّذ هناك، وموازنة تُصرف بمعيارين، ووفد كردي يذهب إلى بغداد يلحقه وفد كردي آخر.
الاختبار الأدق هو البيشمركة. ففي سبتمبر/أيلول الماضي فقط أُدمجت وحدات تابعة للحزبين في هيكل قيادة موحد داخل وزارة البيشمركة، بعد سنوات من الضغط الأمريكي والبريطاني. وإن تحوّل هذا الإنجاز إلى حبر على ورق، فسيكون ذلك أوضح دليل على أن الانقسام انتقل من السياسة إلى البنية.
من يربح من كردستان منقسمة؟
بغداد أولاً. فمع انتقال ثقل القرار المالي الكردي تدريجياً إلى المركز، باتت خلافات أربيل والسليمانية تحوّل الحكومة الاتحادية من خصم تفاوضي إلى حَكَم بين خصمين. وستدفع ملفات الموازنة والنفط وكركوك ثمن التفاوض بصوتين.
ثم طهران وأنقرة، في ظل القرب التاريخي للسليمانية من إيران ولأربيل من تركيا. وقد دخلت هذه الثنائية السجال بالفعل حين زعم قيادي في الحزب الديمقراطي وجود لقاء سري بين طالباني ورئيس البرلمان الإيراني، وهو ادعاء لم يثبت. لكن تحويل الخلاف الداخلي إلى اتهام بالولاء للخارج طريق سلكه الكرد من قبل، ويعرفون إلى أين يقود.
وتأتي الأزمة في توقيت سيئ لواشنطن، مع إعادة تموضع قواتها في العراق ومخاوف من تجدد التصعيد مع إيران. والخلاصة أن قلّة من اللاعبين الخارجيين تريد كردستان منهارة، لكن كثيرين يربحون من كردستان ضعيفة ومنقسمة لا تنهار.
لحظة الحسم
النقطة الفاصلة ليست الانسحاب، فقد وقع، بل انتخاب رئيس الإقليم. فإن مضت أربيل فيه بالأغلبية نفسها، سيجد طالباني نفسه أمام خيارين: التراجع وخسارة مصداقيته، أو تنفيذ تهديده وفتح باب ازدواج السلطة. وفي الخلفية، تنظر المحكمة الاتحادية العليا في 14 ديسمبر/كانون الأول في قضية تتعلق بوضع حكومة الإقليم، في مفارقة تجعل بغداد الحَكَم الأخير في نزاع كردي-كردي.
والخروج لا يكون بصفقة مناصب جديدة تشتري الوقت، بل بقواعد: مهل ملزمة لتشكيل الحكومات، وفصل نهائي للأمن عن الحزب، ولامركزية حقيقية للمحافظات داخل إقليم موحد تسحب مبرر الإدارة الموازية دون مكافأة التهديد، وإشراك القوى الأخرى والمكونات من خارج الحزبين.
على الحزب الديمقراطي أن يدرك أن الأغلبية تمنح حق الحكم لا القدرة عليه في محافظة لا يملك فيها الجمهور ولا السلاح الكافيين. وعلى الاتحاد الوطني أن يدرك أن التهديد بالإدارة الموازية يفقد قيمته لحظة استخدامه، لأن السليمانية وحدها أضعف أمام بغداد وطهران من كردستان موحدة.
صمد إقليم كردستان أمام صدام حسين وداعش وإخفاق استفتاء 2017، أما التهديد اليوم فيأتي من الداخل. ووحدة الإقليم لا تُقاس بخطوط الخريطة، بل بسؤال بسيط: هل يُطبَّق القرار الصادر في أربيل في السليمانية، والعكس؟ يوم تصبح الإجابة «لا»، يكون الانفصال قد وقع، حتى لو لم يجرؤ أحد على تسميته.




