صراع الأجنحة في طهران.. نظام مأزوم يبحث عن مركز للقرار : منى سالم الجبوري

لم تعد الخلافات المتصاعدة داخل قمة السلطة الإيرانية مجرد تنافس تقليدي بين تيارات سياسية مختلفة، بل باتت مؤشرا علىأزمة أعمق تضرب بنية الحكم وآليات صناعة القرار في مرحلة هيمن أكثر المراحل حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فالتجاذب بين محمد باقر قاليباف ومحسن رضائي، وما يرافقهمن إعادة توزيع للصلاحيات داخل مجلس الأمن القومي، يكشفعن منظومة لم تعد قادرة على إدارة تناقضاتها الداخلية بالقدرالذي كانت تتيحه لها موازين القوى السابقة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية في ظل القيادة الجديدة برئاسة مجتبى خامنئي، الذي يفترض أن يكون قد ورث سلطة والده ومراكز نفوذه، لكنه يواجه واقعا مختلفا تماما؛ إذ إن انتقالمنصب المرشد لا يعني بالضرورة انتقال أدوات السيطرة والولاء،ولا يضمن إخضاع المؤسسات المتشابكة أمنيا وعسكريا وسياسيالإرادة مركزية واحدة.

إن الصراع حول إدارة المفاوضات مع واشنطن، سواء من خلال تقليص دور قاليباف أو تعزيز موقع رضائي، يتجاوز في دلالاته مسألة اختيار الشخص المناسب للتفاوض. إنه يعكس خلافا حولمن يمتلك حق تحديد مستقبل النظام، ومن يملك سلطة تقديمالتنازلات أو رفضها، ومن يتحمل مسؤولية النتائج في حال فشلالمسار الدبلوماسي. أما حل اللجنة الإعلامية التابعة لقاليباف،وغيابه عن بعض اللقاءات الإقليمية، فيضيفان بعدا آخر إلىالمعركة، يتمثل في محاولة تقليص نفوذ الخصوم وتجريدهم منأدوات التأثير السياسي والإعلامي.

والأكثر دلالة أن هذه الصراعات تجري في وقت يحتاج فيه النظام إلى أعلى درجات الانسجام الداخلي. فالانتكاسات العسكرية، وتراجع القدرة على التأثير الإقليمي، والضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية، فضلا عن أزمة الثقة والشرعية التي أحاطتبانتقال السلطة إلى مجتبى خامنئي، كلها عوامل تجعل من وحدةالقرار ضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي.

لكن ما يظهر حتى الآن هو العكس تماما؛ فبدلا من تشكيل قيادةمتماسكة قادرة على مواجهة التحديات، تتسع دائرة التنافس علىالمؤسسات الحساسة، وتتحول المواقع الأمنية والدبلوماسية إلىساحات لتصفية الحسابات وتثبيت موازين نفوذ جديدة.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن طبيعة النظام نفسه، الذي أقام توازناته على تعدد مراكز القوة وتداخل صلاحيات المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية. وقد وفرت هذه البنية، في مراحل سابقة، آليات لاحتواء الخلافات، لكنها تتحول اليوم إلى مصدر إضافي للاضطراب، خصوصا عندما تتراجع سلطة المرجعيةالعليا التي كانت تضبط التنافس بين أقطابها.

إن أخطر ما تكشفه التطورات الراهنة ليس احتمال انتصار قاليباف أو رضائي في معركة الصلاحيات، بل أن النظام بات يواجه صعوبة في إنتاج قرار موحد بشأن أخطر ملفاته. فحين يصبح التنافس على السلطة أقوى من الحاجة إلى إنقاذ الدولة من أزماتها، تتحول مؤسسات الحكم من أدوات لإدارة الأزمات إلى جزء من الأزمة ذاتها.

وفي المحصلة، فإن ما يجري في طهران يعكس قيادة تعاني من هشاشة انتقال السلطة، ونخبة منشغلة بإعادة توزيع النفوذ،ومنظومة تستنزف طاقتها في صراعاتها الداخلية، بينما تتراكم التحديات الخارجية والداخلية. وهذه ليست مجرد أزمة بين شخصيات متنافسة، بل علامة على اختلال أعمق في قدرة النظام على إدارة نفسه والحفاظ على تماسكه.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت