أدب المجاملات أم أدب الإبداع؟ : عبدالعزیز قاسم

لا يمر يوم ولا نسمع عن صدور ديوان شعر جديد أو رواية جديدة لكاتب كردي بلغة الضاد، وحفل توقيع هنا وآخر هناك، حتى إن أيام العطل تحولت لدى الجالية الكردية إلى مناسبات متكررة لتوقيع الروايات والقصص والشعر المكتوب بالعربية!
 بالطبع لا أحد يمنع أي إنسان من الكتابة باللغة التي يريدها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا قدمت هذه الكتابات للغة والثقافة الكرديتين؟
والأنكى من ذلك أن مؤسسات ثقافية تدعي أنها كردية أو كردستانية تحتفي بهذه الإصدارات، رغم أنها تخدم لغة المحتل أكثر مما تخدم اللغة الكردية التي ما زالت بحاجة إلى كل قلم يكتب بها.
ومن المفارقات أن كثيراً من الكتابات العربية عبر التاريخ تجاهلت وجود الشعب الكردي كأمة قائمة بذاتها، وأطلقت عليه تسميات عامة مثل «الأعاجم» أو «اعراب الفرس» و«ابناء الجن»، بينما يفتخر بعض الكرد بخدماتهم لثقافة كثيراً ما أنكرت خصوصيتهم القومية وحتى الإنسانية.
قبل نحو أربعة قرون، أدرك الشاعر والفيلسوف الكردي أحمدي خاني قيمة الكتابة بلغته الأم، فاختار الكردية في زمن كانت العربية والفارسية طريقاً أسرع إلى الشهرة والسلطة الثقافية. أدرك خاني أن اللغة ليست مجرد أداة كتابة، بل وعاء للذاكرة والهوية والوجود.
كما أدرك حقيقة ما زالت تطاردنا حتى اليوم، حين شبّه الحياة بسوق كبير؛ فيه تجارة للبضائع القيمة، وتجارة للبضائع المزيفة. والأدهى من ذلك أن المزيف قد يبدو أكثر لمعاناً وأكثر رواجاً وأكثر ربحاً، كما هو واقع الحال اليوم في ڕۆژاڤایێ كردستان.
أحياناً أشعر أن خاني لم يكن يكتب عن عصره، بل عن بعض مشاهدنا الثقافية اليوم. ففي الوقت الذي أنتجت فيه أجزاء من كردستان حراكاً نقدياً وتجارب شعرية حقيقية، كثيراً ما يتحول المشهد عندنا إلى مهرجانات للمجاملات؛ شاعر يصفق لشاعر، والآخر يرد له التصفيق، والجميع يخرجون بلقب «مبدع كبير» قبل أن يسأل أحد: أين الإبداع؟
صرنا نرى نصوصاً هزيلة تتجول بثقة الملاحم الكبرى، وأخطاء لغوية تقدم على أنها حداثة، وتكراراً مملاً يسوق باعتباره تجربة فريدة وفتحاً أدبياً، مع أن كثيراً من القصائد ليست سوى استنساخ لأفكار وصور شعرية مستهلكة.
المشكلة ليست في وجود شعر ضعيف، فهذا موجود في كل الآداب. المشكلة حين يصبح الشعر الضعيف هو الصوت الأعلى، ويتراجع النقد أمام المجاملة، وحين يصبح عدد الصور المنشورة للشاعر أهم من عدد الكتب التي قرأها.
أتذكر كان لدينا مكتبة ضخمة من الكتب والمجلات، معظمها كتب ومجلات شيوعية واشتراكية، إلى جانب عدد قليل من الكتب الكردية. وعندما قررنا التخلص من تلك المكتبة، احتفظنا بالكتب الكردية والكتب التاريخية المتعلقة بالكرد، أما البقية فكانت وقوداً للتنور وشواء الباذنجان. كانت صفحات الكتب تتحول إلى نار، والنار تتحول إلى خبز تنور وباذنجان متبل.
ولست أدري لماذا كلما وقعت بين يدي بعض الدواوين الشعرية الجديدة أقول في نفسي: يا للخسارة، حتى التنور لم يعد موجوداً لنستفيد منها!
أما اليوم، فلا خبز تنور ولا نار تنور، لكن الحاويات الزرقاء ما زالت تنتظر حصتها من الإنتاج الشعري والقصصي وبخاصة المكتوب بلغة الضاد. فعلى الأقل قد يخرج الورق المعاد تدويره أكثر فائدة من بعض القصائد التي تنشر كل يوم باسم الإبداع.
نعم، كان خاني محقاً؛ فالمجوهرات المزيفة أكثر لمعاناً أحياناً، لكن لمعانها مؤقت. أما الذهب الحقيقي فلا يحتاج إلى ضجيج السوق، لأن قيمته تبقى حتى بعد أن ينفض الباعة ويغادر الزبائن.
عندما يملك القارئ الكردي الجرأة على رفض التبعية اللغوية ويرفض الرداءة ايضا، وعندما يستعيد النقد دوره في الغربلة والتمييز بين الذهب والزيف، عندها فقط سنعيد الاعتبار لأدب كردي حقيقي، وسنعيد الاعتبار للغتنا الكردية التي تستحق أكثر من هذا الكم من الركاكة والاستسهال.
قد يكون غياب النقد الحقيقي أحد أسباب هذه الظاهرة، النقد ليس من النقاد وحدهم، بل من الشعراء أيضا، لأن الشاعر الحقيقي يجب أن يغربل النصوص المنشوره ويبدي رأيه، على الأقل عدم استحسان الشعر الرديء وتوجيه الشاعر إلى الطريق الصواب.
الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت