في الأيام الأخيرة من أيلول/سبتمبر، خرجت نحو مئة وثلاثين عائلة إيزيدية من مخيم شاريا جنوب دهوك، عائدةً إلى قراها في قضاء سنجار. اثنا عشر عاماً قضتها هذه العائلات تحت الخيام والكرفانات منذ أن اجتاح تنظيم “داعش” أرضها في آب/أغسطس 2014. لكن العودة هذه المرة جاءت بلا وعود كبيرة: منحة نقدية تعادل نحو ألف ومئة دولار للعائلة، ونقل للأثاث، ولا شيء لإعادة بناء البيوت المهدّمة. فبرامج الدعم التي كانت تشمل الترميم في السنوات السابقة تقلّصت.
تبدو هذه الصورة الصغيرة كأنها تفصيل محلي في بلد اعتاد الأخبار الكبيرة. لكنها في الحقيقة تختصر المعادلة كلها: أقليات أنهكتها الإبادة والتهجير، تحاول أن تستعيد موطئ قدم في أرضها، بينما تتجمّع في الأفق غيوم حرب إقليمية قد تكون أشد فتكاً من كل ما سبق، ويستعد العالم البعيد لمواجهة بين حلف الناتو وروسيا قد تسحب ما تبقى من اهتمام دولي بهذه الزاوية المنسية من الشرق الأوسط.
السؤال الذي يتجنّبه كثيرون في بغداد وأربيل والعواصم الغربية بسيط وقاسٍ: إذا انفجرت المنطقة، من يحمي آخر المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين في العراق؟ وهل تملك هذه المجتمعات خطة، أم أنها تنتظر، مرة أخرى، نجدةً تصل بعد فوات الأوان؟
حربٌ لم تعد احتمالاً
لم يعد الحديث عن حرب إقليمية تحذيراً نظرياً. ففي 28 شباط/فبراير 2026 بدأت الضربات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة على إيران، وسرعان ما تحوّل العراق إلى ساحة ثانوية للمواجهة. الفصائل المسلحة المنضوية تحت ما يسمى “المقاومة الإسلامية في العراق” تبنّت مئات الهجمات بالصواريخ والمسيّرات على أهداف أمريكية وإقليمية، فيما ردّت إيران وحلفاؤها بضربات مكثفة على إقليم كوردستان، استهدفت القواعد الأمريكية ومقرات المعارضة الكوردية الإيرانية.
الأرقام وحدها تكشف حجم التحول. فقد رصد مشروع بيانات النزاعات المسلحة (ACLED) بين مطلع العام ومنتصف نيسان/أبريل أكثر من ستمئة حادثة عنف في العراق، قُتل فيها ما يزيد على مئتين وأربعين شخصاً، مع قفزة واضحة بعد اندلاع الحرب. وأُغلقت المطارات، واصطفّت قوافل العراقيين على المعابر الحدودية مع الأردن. ثم جاء وقف لإطلاق النار في مطلع نيسان/أبريل، وتوقفت الحرب الشاملة لاحقاً، لكن الضربات المتقطعة لم تنتهِ، وظلّ احتمال العودة إلى القتال المفتوح قائماً، مع مؤشرات على أن دولاً خليجية قد تجد نفسها هذه المرة طرفاً مباشراً لا مجرد ساحة.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الدولة العراقية أمام خيار مستحيل: أن تصطدم بالفصائل المسلحة وتتحمّل كلفة اقتتال داخلي، أو أن تترك أراضيها مسرحاً لتبادل الضربات بين واشنطن وطهران وحلفائهما. ويتفق كثير من المختصين بالشأن العراقي على أن حلّ هيئة الحشد الشعبي، التي يقترب عدد منتسبيها من ربع مليون، أو دمجها فعلياً في الجيش، يكاد يكون مستحيلاً في الظروف الراهنة.
لماذا الأقليات أولاً؟
ليس في القول إن الأقليات ستكون أول من يدفع الثمن مبالغة عاطفية، بل خلاصة عقدين من التجربة الموثقة. فهذه المجتمعات لا تقع على هامش الصراع، بل في قلبه الجغرافي تماماً: سهل نينوى وسنجار وأطراف كركوك هي بالضبط المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، والممرات التي تتقاطع فيها خطوط النفوذ الإقليمي، والأرض التي تمر عبرها طرق السلاح بين إيران وسوريا.
والمفارقة القاسية أن هذه المجتمعات لا تملك ما تملكه المكونات الكبرى: لا ميليشيا قوية ترهب خصومها، ولا دولة جارة ترعاها، ولا ثقل انتخابياً يفرض حضورها على طاولة القرار. وحين يغيب القانون، تصبح أرضها وبيوتها وأجساد نسائها غنيمة لمن يحمل السلاح. هذا ما حدث في 2014، ولا شيء في البنية الأمنية والسياسية القائمة اليوم يضمن ألّا يتكرر.
سنجار: خريطة بثلاثة رؤوس
بعد ست سنوات من توقيع اتفاق سنجار بين بغداد وأربيل في تشرين الأول/أكتوبر 2020، برعاية أممية، ما زال الاتفاق حبراً على ورق في معظم بنوده. فالقضاء يُدار عملياً عبر إدارتين محليتين متنافستين، إحداهما معيّنة من الحكومة الاتحادية والأخرى تعمل من محافظة دهوك. وإلى جانبهما تنتشر “وحدات مقاومة سنجار” المرتبطة بحزب العمال الكوردستاني، والتي تتلقى تمويلاً حكومياً عراقياً ضمن الحشد الشعبي، فضلاً عن فصائل أخرى. وترى حكومة إقليم كوردستان أن وجود هذه القوى هو العائق الأكبر أمام عودة النازحين.
النتيجة أن أقل من ثلث سكان سنجار قبل 2014، وفق بيانات تتبّع النزوح، عادوا إلى ديارهم. ولا يزال قرابة ألفين وتسعمئة إيزيدي في عداد المفقودين حتى اليوم. وبالنسبة لكثير من العائلات، لم تعد العودة مسألة حنين إلى الأرض، بل سؤالاً عن إمكانية الحياة فيها أصلاً. وهنا تكمن الخطورة: إن مجتمعاً موزعاً بين مخيمات منهكة وقرى مدمّرة وإدارات متنازعة، في منطقة حدودية مع سوريا تتقاطع فيها مصالح أنقرة وطهران وبغداد وأربيل وحزب العمال، هو مجتمع مكشوف تماماً أمام أي انهيار أمني جديد.
سهل نينوى: النزيف الذي لا يُرى
إذا كانت سنجار عنوان الإبادة، فإن سهل نينوى عنوان النزيف البطيء. فالمسيحيون الذين قُدّرت أعدادهم بنحو مليون أو أكثر قبل حرب الخليج الأولى، يُقدَّر عددهم اليوم في عموم العراق بما بين مئة وخمسين ومئتي ألف فقط. وكان البطريرك الكلداني السابق قد تحدث عن هجرة نحو مئة عائلة مسيحية شهرياً.
والأخطر أن هذا النزيف لا تحرّكه الحرب وحدها. ففي مسح أجرته منظمة “عون الكنيسة المتألمة” بين المسيحيين في المناطق التي احتلها “داعش”، قال أكثر من نصف المستطلَعين إنهم فكّروا في الهجرة، وجاءت البطالة والفساد والتمييز الديني في مقدمة الأسباب، إلى جانب القلق الأمني من فصائل مسلحة مدعومة من إيران تنتشر في المنطقة، أبرزها كتائب بابليون وما يُعرف بلواء الشبك. وفي آب/أغسطس الماضي، أقرّ البطريرك الكلداني الجديد بأن عدم عودة جميع المسيحيين إلى سهل نينوى ما زال التحدي الأكبر، مشيراً إلى تراجع ملحوظ في أعداد الزيجات لأن الشباب إما يخططون للرحيل أو يرون مستقبلهم أكثر غموضاً من أن يؤسسوا عائلة في العراق، ومبدياً قلقه من الانعكاسات الاقتصادية للتوتر الأمريكي الإيراني.
هذه هي المعادلة التي يجب أن تُقرأ بعناية: الأقليات في العراق قد لا تُباد هذه المرة بالسيف، لكنها قد تختفي بجواز السفر. وأي حرب إقليمية جديدة ستكون العامل الذي يحوّل الهجرة التدريجية إلى نزوح جماعي نهائي.
ما بعد الشرق الأوسط: حين ينشغل العالم
ثمة بُعد آخر غائب عن معظم النقاشات المحلية. فالقادة العسكريون وأجهزة الاستخبارات في أوروبا لم يعودوا يتحدثون عن مواجهة مع روسيا بوصفها سيناريو بعيداً. وزير الدفاع الألماني تحدث عن حرب محتملة بين روسيا والناتو قد تبدأ في 2029، ونقل أن بعض المحللين يرونها ممكنة في 2028. ومراجعة أجراها مركز بيلفر في جامعة هارفارد لتوقعات المسؤولين الغربيين وجدت أن عامَي 2027 و2028 هما الأكثر تكراراً في هذه التقديرات، مع التذكير بأن هناك من يشكك علناً في أن روسيا ستقدم على ذلك أصلاً.
سواء صدقت هذه التوقعات أم لا، فإن مجرد الاستعداد لها يعني إعادة توجيه الموارد العسكرية والدبلوماسية والمالية الغربية نحو أوروبا الشرقية. وقد حذّرت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية في تقريرها لعام 2026 من أن انشغال واشنطن بالحرب مع إيران قد يُضعف قدرتها على حماية التقدم الهش الذي تحقق للأقليات في العراق، في اللحظة التي تحتاجه فيها هذه المجتمعات أكثر من أي وقت. وإذا انتقل مركز الثقل الغربي إلى البلطيق وبولندا، فإن سهل نينوى وسنجار سيصبحان، بلغة السياسة الباردة، ملفاً ثانوياً في أدراج ثانوية.
هل التقسيم قدرٌ محتوم؟
من الأمانة المهنية أن نقول: الحرب الأهلية في العراق ليست قدراً، والتقسيم ليس نتيجة حتمية. فالعراق تجاوز بعد 2003 وبعد 2014 أزمات بدت في حينها كفيلة بتفكيكه. وهناك قوى داخلية وإقليمية ودولية لا مصلحة لها في انهياره، ومنها دول الجوار نفسها التي تخشى انتقال العدوى إلى أراضيها. كما أن كثيراً من التقديرات الجادة تصف المواجهة الإقليمية بأنها “ممكنة” لا “حتمية”، وتتوقع، إن وقعت، أن تبقى محدودة في نطاقها ومدتها.
لكن هذه الحجة، على وجاهتها، لا تُطمئن الأقليات بشيء. فحتى في السيناريو الأقل سوءاً، أي حرب محدودة واضطراب أمني متوسط وتراجع اقتصادي، ستكون هذه المجتمعات الأكثر تضرراً لأنها الأقل قدرة على الامتصاص. وإذا تحقق السيناريو الأسوأ وعادت خرائط التقسيم إلى التداول، فإن الجماعات الصغيرة المتناثرة جغرافياً لن تحصل على كيان خاص بها، بل ستجد نفسها أقلية داخل كل كيان جديد، وورقة تفاوض بين الكيانات المتنازعة. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: هل ستقع الكارثة؟ بل: هل نحن مستعدون إن وقعت؟
من الخوف إلى الخطة: ما الذي يجب فعله الآن
الاستعداد لا يعني التسلح العشوائي، ولا الارتماء في أحضان محور ضد آخر. التجربة أثبتت أن الحماية المستعارة سرعان ما تتحول إلى هيمنة، وأن الفصائل التي تدّعي حماية الأقليات كثيراً ما تصبح جزءاً من مشكلتها. المطلوب بناء قدرة جماعية على الصمود والتنظيم والمطالبة، على أربعة مستويات:
أولاً: على مستوى المجتمعات نفسها
صوت واحد بدل أصوات متنافرة. آن الأوان لمجلس تنسيقي دائم يضم ممثلي المسيحيين بكنائسهم المختلفة، والإيزيديين، والصابئة المندائيين، والشبك، والكاكائيين، والبهائيين والزرادشتيين، يتجاوز الخلافات الحزبية والطائفية والعشائرية، ويتحدث بلغة مشتركة أمام بغداد وأربيل والعالم.
خطط طوارئ حقيقية لا شعارات. لكل بلدة ومجتمع خطة مكتوبة ومعروفة: نقاط تجمّع، طرق إخلاء آمنة، قوائم بالفئات الأكثر هشاشة من مسنين ومرضى وذوي إعاقة، وسائل اتصال بديلة لا تعتمد على الإنترنت، ومخزون أساسي من الغذاء والدواء والوقود.
الوثيقة قبل البيت. من أكثر ما خسرته الأقليات في الحروب السابقة القدرة على إثبات ملكيتها لأرضها. يجب أرشفة سندات الملكية والوثائق الشخصية والسجلات الكنسية والدينية رقمياً، وحفظ نسخ منها خارج البلاد لدى جهات موثوقة.
صون الذاكرة. الأديرة والمعابد والمخطوطات والمزارات هي هوية هذه الشعوب. توثيقها الرقمي الشامل اليوم قد يكون السبيل الوحيد لإنقاذها غداً، كما تعلّمنا من نهب الموصل وتدمير مزارات سنجار.
اقتصاد البقاء. الهجرة الصامتة أخطر من الحرب. المشاريع الصغيرة، ودعم الزراعة، وفرص التعليم والعمل للشباب، هي أدوات أمن بالمعنى الحرفي، لأن الأرض التي تفرغ من أهلها لا تعود إليهم.
ثانياً: على مستوى المهجر
تمتلك الأقليات العراقية جاليات كبيرة في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لكن حضورها السياسي ما زال أقل بكثير من حجمها. المطلوب تحويل هذه الجاليات من متعاطفة إلى منظمة: صناديق طوارئ جاهزة للتمويل الفوري، ولوبيات ضغط على البرلمانات والحكومات، وشبكات استقبال وإيواء معدّة مسبقاً، وأرشيف موازٍ للوثائق والذاكرة.
ثالثاً: على مستوى الدولة العراقية وإقليم كوردستان
تنفيذ اتفاق سنجار. إدارة موحدة، وقوة أمنية محلية من أبناء القضاء تحت سلطة الدولة، وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة الخارجة عن هذه السلطة.
أمن محلي ضمن مؤسسات الدولة. تمكين أبناء سهل نينوى وسنجار من حماية مناطقهم عبر الشرطة المحلية والمؤسسات الرسمية، بدل ترك الأمن بيد فصائل من خارج هذه المجتمعات أو تابعة لأجندات حزبية وإقليمية.
إصلاح التمثيل السياسي. ضمان أن تذهب مقاعد الكوتا إلى من تختاره الأقليات فعلاً، لا إلى مرشحين تدعمهم قوى كبرى عبر أصوات من خارج هذه المكونات.
خطة طوارئ وطنية للأقليات. تُعدّ بالتنسيق مع الإقليم والمنظمات الدولية، وتحدد مسؤوليات الحماية والإخلاء والإغاثة قبل وقوع الأزمة لا بعدها.
رابعاً: على مستوى المجتمع الدولي
على العواصم الغربية والأمم المتحدة ألّا تكرر خطأ 2014، حين جاءت الاستجابة بعد أن كان كل شيء قد حدث. المطلوب آليات إنذار مبكر ورصد مستقلة في مناطق الأقليات، وربط أي دعم أمني أو اقتصادي للعراق بضمانات واضحة لحمايتها، وإدراجها صراحة في أي ترتيبات سياسية أو أمنية لمرحلة ما بعد الحرب، وعدم السماح لانشغالات أوروبا الشرقية بأن تُسقط هذا الملف من جدول الأعمال.
وأخيراً: الحياد الاستراتيجي. على القيادات الدينية والسياسية للأقليات أن تتجنب الاصطفاف العلني مع أي طرف في الحرب الإقليمية. فالانخراط في صراع المحاور خطأ قاتل لجماعات صغيرة، والطريق الأسلم أن تقدّم هذه المجتمعات نفسها بوصفها مكوناً عراقياً أصيلاً، لا ورقة بيد أحد.
خاتمة:
لا أحد سيأتي في اللحظة الأخيرة
في آب/أغسطس 2014، صعد آلاف الإيزيديين إلى جبل سنجار وانتظروا. وفي الليلة نفسها تقريباً، غادر عشرات الآلاف من المسيحيين بلدات سهل نينوى سيراً على الأقدام نحو أربيل وانتظروا. جاءت النجدة في النهاية، لكنها جاءت بعد المقابر الجماعية، وبعد أسواق السبايا، وبعد أن فرغت البلدات من أهلها.
الدرس الأقسى من تلك التجربة أن الأقليات لا تستطيع أن تبني أمنها على وعود الآخرين وحدها. العالم اليوم منشغل بحروبه الكبرى، والدولة العراقية مثقلة بصراعات النفوذ، والمحاور الإقليمية لا ترى في هذه المجتمعات إلا أدوات أو عقبات.
ما تحتاجه الأقليات الدينية في العراق اليوم ليس الذعر، بل التنظيم. ليس الرحيل، بل الاستعداد. والوقت المتاح لذلك يضيق. فإما أن تبدأ هذه المجتمعات الآن بكتابة خطتها لحماية وجودها، أو أن تجد نفسها مرة أخرى عنواناً عابراً في نشرات الأخبار، ورقماً في تقارير المنظمات الدولية، وفصلاً جديداً في كتاب طويل من المآسي، قد يكون هذه المرة فصله الأخير.



