أين أنتِ يا نعيمة؟ مقال في زمن الغنيمة

أين أنتِ يا نعيمة؟

مقال في زمن الغنيمة
لا تبحثوا عن نعيمة العسكري في أرشيف الثريات ولا في صور القصور. ابحثوا عنها في بيت صغير، في الشورجة، في كيلو موز وتفاح.
السيدة نعيمة…
زوجة الرجل الذي حكم العراق ثماني مرات. زوجة الباشا نوري السعيد.
شقيقة جعفر العسكري وزير الدفاع، ونائبة رئيسة أول نادٍ نسائي في العراق سنة 1923، سيدة من نخبة بغداد.
ومع ذلك، تعود ذات مساء من بيت الخضيري، تلك العائلة البغدادية العريقة المعروفة بأتيكيتها ودعواتها الراقية، تعود ووجهها “مگلوب”.
يسألها الباشا ممازحاً: “ها نعيمه وجهج شبيه مگلوب؟”
فتجيبه بوجع كل امرأة عراقية أصيلة تستحي من قلة حيلتها: “باشا والله عيب، كل مرة يعزموني الناس واني ولا مرة عازمتهم ببيتي. نشتري كم كيلو موز وتفاح وبرتقال، وبطريقك جيب من الشورجة كرزات ومن السما وبقلاوة”.
هنا يقهقه الباشا… ليس سخرية، بل وجع.
يقول لها جملته التي يجب أن تُكتب بماء الذهب على أبواب الخضراء اليوم:
“نعيمة أني رئيس وزراء، مسؤوليتي خدمة البلد، مو باشا بگعدات النسوان! راتبي 90 دينار أنطيه للعزايم؟ عندي التزامات والمفروض يكفيني لراس الشهر.”
90 دينار.
راتب من كان يوقع معاهدات مع بريطانيا، ويقابل الملوك، ويرسم خرائط الشرق الأوسط، كان لا يكفي لرد عزيمة نسوان.
أتعلمون ماذا وجدوا في بيته بعد أن قُتل وسُحل في شوارع بغداد في 15 تموز 1958؟
لم يجدوا قصوراً في دبي، ولا أرصدة في سويسرا، ولا شركات بأسماء أولاد أخته.
وجدوا داراً واحدة. وحتى تلك الدار، اكتشفت لجنة الجرد أن أرضها مسجلة باسم زوجته نعيمة العسكري، ولا يمكن مصادرتها قانوناً.
مات نوري السعيد ولم يترك لأهله ديناراً واحداً. حتى أن الحكومة البريطانية هي من خصصت مبلغاً زهيداً لأرملته في لندن لا يكاد يسد رمقها. كانت تنتظره على عشاء بغدادي في لندن يوم الانقلاب، ولم يصل.
أرملة الباشا التي كانت تعاني أساساً، ماتت في لندن متألمة جسدياً ونفسياً، وابنته سعاد عاشت في دار للمسنين، لم تحصل حتى على راتب تقاعدي لأن أباها “لا يملك بيتاً”.
هذه هي الحكاية بكل بساطتها وكل فجيعتها.
واليوم؟
ليتك ترى يا باشا ماذا يصنعون بنا اليوم.
اليوم من يزعمون أنهم وطنيون، ميزانياتهم انفجارية، بالمليارات. موازنة عام واحد تكفي لبناء عراق جديد، فإذا بها تتبخر بين مولات لندن وعقارات إسطنبول وحسابات وهمية.
نصف الشعب تحت خط الفقر. لا صيف للفقير ولا شتاء. كهرباء تقطع، وماء مالح، وشباب يبيع كلاويته ليهاجر، وامهات تبحث في القمامة.
90 ديناراً كانت تخجل أن تشتري بقلاوة…
واليوم 90 ملياراً لا تخجل أن تسرق علناً.
كانوا يخافون أن لا يكفي الراتب لرأس الشهر، واليوم يخافون أن لا تكفي الدولة لسرقاتهم لآخر العمر.
أين أنتِ يا نعيمة لتنظري؟
أين أنتِ لتخبرينا كيف كان الحياء أكبر من المنصب؟ كيف كان رئيس الوزراء يعتذر لزوجته لأنه لا يستطيع رد عزيمة؟
لسنا نبكي على الملكية، ولا نلمع صورة الباشا بلا عيوب، فقد كان له أخطاؤه السياسية الكبيرة. لكننا نبكي على شرف الكلمة.
نبكي على زمن كان فيه الحاكم موظفاً عند الشعب، لا الشعب غنيمة عند الحاكم.
نبكي لأننا اشتقنا لكلمة “عيب”.
عيب يا باشا… هذه الكلمة التي قتلتها الحكومات المتعاقبة.
فيا كل نعيمة عراقية اليوم تريد أن تستر بيتها بكيلو فاكهة ولا تستطيع، لكِ الله.
ويا كل باشا اليوم يشتري القصور من قوت الفقراء، ليتك تتعلم درس الـ 90 دينار.

2 تعليقات

الاشتراك
نبّهني عن
2 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
احمد خليل اسماعيل
1 يوم

 هي مقالة أدبية وسياسية ذائعة الصيت للكاتب والإعلامي العراقي عصام البرّام.
فما علاقة المحامي ايهاب الكبيسي بها ؟؟
شرف المهنة تقتضي ان تنسبوا المقالات لأصحابها