في السياسة ليست كل الهدايا كريمة ، وليست كل المنح دليلا على العدالة ، فأحيانا تُقدم الهدية لا لأنها استحقاق بل لأنها أسرع الطرق إلى إسكات السؤال ، ومن هنا تحديدا تأتي الإشارة إلى قرار ” توزيع مليون قطعة أرض” من قبل الحكومة العراقية للشعب ، حيث يبدو في ظاهره وعدا كبيرا يحمل شيئا من الأمل لملايين العراقيين الذين أثقلتهم أزمة السكن وضاقت بهم سبل العيش ، لكن في عمقه ومضمونه يبدو بأنه ” دعاية سياسية ” ليس إلا ، فالسياسة لا تُقرأ من ظاهرها بل من توقيتها ومن السياق الذي ولدت له ، فحين يصدر هكذا قرار في وقت تتعالى به الأصوات بالحديث عن ملفات فساد كبرى ، وتزدحم الساحات بأسئلة لم تجد جوابا لها ، يصبح من حق المواطن أن يتساءل : هل نحن أمام مشروع إصلاحي حقيقي ، أم أمام محاولة لامتصاص الغضب الشعبي؟
فلقد اعتادت السلطة في كثير من التجارب أن تبحث دوما عن ” إبرة فولتارين ” سياسية ، كجرعة مسكنة لتخفف الألم مؤقتا لا لتعالج المرض من جذوره ، تهدئ الشارع نعم لكنها لا تُصلح الدولة ، وتؤجل الانفجار لكنها لا تمنع أسبابه ، فالفساد ليس بأزمة إسكان تحسم بالتعداد ، كما أن العدالة ليست بثروة تفضى ببضعة أمتار ، لأن العدالة الحقيقية تبدأ حين يحاسب الفاسد ، ويستعاد المال العام ، وتبنى مؤسسات تحترم القانون قبل أن توزع المنح ، فقرار توزيع مليون قطعة أرض ليس مجرد قرار إداري بل مشروع هائل يحتاج إلى اقتصاد قادر على التمويل ، وبنية تحتية تستوعب مدنا جديدة ، وشبكات ماء وكهرباء وصرف صحي وطرق ومدارس ومستشفيات وفرص عمل ايظا ، وإلا فإن الأرض ستبقى مجرد حدود مرسومة على الورق فقط ، ولن تتحول إلى وطن صالح للحياة مهما تصدرت الوعود المشهد ومهما اعتلت الاصوات المنابر ، فالوطن لا يبنى بالوعود بل بالمؤسسات ، ولا يدار بردود الأفعال بل بالرؤى بعيدة المدى ، أما حين تصبح القرارات الكبرى مجرد أدوات لتهدئة المزاج العام ، فإن الدولة تتحول إلى صيدلية سياسية توزع المسكنات للتهدئة بينما يزداد المرض عمقا وفتكا
لذلك إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يقتنع الناس بالمنحة بل أن يعتادوا على فكرة استبدال الحقوق بالمبادرات ، والإصلاح بالهبات ، والمحاسبة بالإعلانات ، فالشعوب لا تطالب بالأرض لأنها تريد قطعة تراب اسوة بغيرها ، بل تطالب بدولة تجعل تلك الأرض قابلة للحياة ، وباقتصاد يحفظ كرامة الإنسان ، وبقانون يساوي بين الجميع ، وبحكومة لا تحتاج في كل أزمة إلى ” إبرة فولتارين ” جديدة لتؤجل مواجهة الحقيقة ، لان الحقيقة مهما تأخر الاعتراف بها تبقى أقوى من كل المسكنات .



