في ظل تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، أصبحت ظاهرة إصدار الأحكام السريعة على الآخرين سلوكاً شائعاً عند عدد غير قليل من الناس، وهي ممارسة قد لا يدرك من يقع فيها مدى خطورتها أو تأثيرها العميق، إذ تتسلل بصمت وتترك أثراً سلبياً في العلاقات الاجتماعية، وتضعفها و تخل بتوازنها، مخلفة آثاراً تمس ترابط النسيج المجتمعي.
لقد أصبح مألوفاً أن نجد بعض الأفراد في المجتمع يتدخلون في شؤون غيرهم بشكل مبطن، ويتناولون خصوصياتهم دون وجه حق، وكأنهم مخولون لتقمص دور القاضي الذي يصدر أحكاماً بالإدانة، سواء عبر تشويه السمعة أو المساس بكرامة أشخاص قد لا تربطهم أي معرفة حقيقية سواء بشخصهم او حقيقة ما يتناولوه ، متصرفين في ذلك سراً أو علناً. وكان الأجدر بهم قبل إصدار أحكامهم أن يتواصلوا مع الشخص المعني، مباشرة أو تلميحاً، بما سمعوه أو علموه، ليعلموه بحقيقه الامد إذا كانوا صادقين ليمنحوه بهذا فرصة عرض حقيقة الأمر أو توضيح وجهة نظره لنفي ما يثار حوله من أقوال وافتراءات ، كي يريحوا ضمائرهم ، قبل إطلاق احكامهم التي هي بالاساس ليس من واجبهم ، ليأتي تطفلهم في خصوصيات غيرهم عملا غير مقبول انسانيا ومجتمعيا ، مع ان سلوكيات كهذه مرفوضة اساسا وفق كل الاعراف والقيم ، وسرعان ما يشير الناس الى امثال هؤلاء كاشخاص منبوذين غير مرغوبين وان جاء ذلك بعد حين.
أن التصرف بخلاف ذلك، فهو غالباً إسقاط لعيوبهم على غيرهم، واختزالهم في موقف واحد يجعلون منه بطاقة هوية أبدية لهم، وهو أمر لا يسر أحداً. وما يزيد من خطورة هذا السلوك أنه يتم في كثير من الأحيان في غياب المعني بالحكم، وفي سياقات يغلب عليها الظن والتأويل لا الحقائق والوقائع، مما يؤدي إلى تشويه صورة الآخرين، وزعزعة الثقة داخل المجتمع، وإضعاف قيم الإنصاف والاحترام المتبادل، إضافة إلى تفشي ظواهر سلبية أخرى، خصوصاً مع استغلال التطورات التقنية الحديثة ووسائل الاتصال في نشر هذه الأحكام.
كم من علاقة جميلة أفسدت بحكم متسرع؟ وكم من إنسان ظلم بين الناس لمجرد أنهم سمعوا عنه من طرف واحد، أو شاهدوه في موقف عابر قد يحمل عدة تفسيرات، لكنهم اختاروا أسوأها عمداً أو بلا ترو؟
إن الحكم السريع يريح هذا النمط من الناس، لأنه يوفر عليهم عناء البحث، ويمنحهم شعوراً زائفاً بالفطنة أو التظاهر بالنقاء، لكن الحقيقة المؤلمة أن معظم هذه الأحكام ليست سوى مرآة لضعفهم الداخلي أو مخاوفهم، وقد تكون ناجمة عن جراح قديمة في أعماقهم لم تلتئم بعد.
إن الحكم السريع على الآخرين ليس مجرد رأي عابر أو وجهة نظر شخصية، بل قد يكون مؤشراً على اضطراب أعمق في التفكير، أو آلية دفاعية يختبئ خلفها العقل لتجنب مواجهة الذات. فغالباً ما يكون هدف من يحكم على الآخرين أن يشعر بأنه أفضل، لأنه لا يتحمل رؤية ما يكرهه في نفسه منعكساً في نظرة الآخرين، فيسقط عيوبه عليهم أو يختزلهم في موقف واحد، ويجعل منه بطاقة هوية أبدية غير مرغوب فيها، وهو ما يحمل الكثير من سوء الظن، مع أن سوء الظن في مثل هذه الحالات إثم. ولعل اختصار الموقف يكمن في العبارة الحكيمة التي تقول: لسانك لا تذكر به عورة امرئ، فكلك عورات وللناس ألسن.
تقول البروفسورة في علم النفس كريمة الشامي، في مقال لها تناول نفس هذا الموضوع: إن من يسارع في إصدار الأحكام يفتقر غالباً إلى مهارة التقييم الموضوعي، ويكتفي بانطباعات سطحية تحجب عنه حقيقة المواقف والأشخاص. وتضيف أن هذا السلوك قد يرتبط بعدة أنماط فكرية وسلوكية، منها:
الإسقاط، عبر نقل الصفات أو النواقص الشخصية إلى الآخرين، في محاولة للهروب من مواجهتها داخلياً.
التعميم المفرط، بتوسيع تجربة فردية أو حادثة واحدة لتشمل الجميع دون استثناء.
التفكير الثنائي، بتقسيم الناس إلى فئات مطلقة: خير أو شر، صواب أو خطأ، دون مساحة للحياد.
وهم السيطرة، باستخدام الحكم المسبق كأداة تمنح شعوراً بالتفوق أو الأمان النفسي، حتى لو كان ذلك الشعور زائفاً.
هذا الميل المتكرر للحكم على الآخرين قد يكشف عن شعور عميق بعدم الأمان، أو ضعف في تقدير الذات، أو أثر لخبرات سابقة ولدت حذراً مفرطاً ونقداً دائماً. إن الحكم العادل على الناس يحتاج إلى صبر، وإلى قلب يتسع لسماع القصة كاملة لا نصفها، ويحتاج إلى كبح الاندفاع وتذكر أن كل إنسان يحمل على كتفيه تاريخاً لا نعرفه، وأن وراء كل سلوك حكاية قد تغير وجهة نظرنا لو عرفناها.
لنتخيل لو أن هؤلاء، بدل أن يحكموا على غيرهم، اختاروا أن يسألوا، وبدلاً من أن ينتقدوا، حاولوا أن يفهموا. كم من القلوب كانت ستشفى، وكم من الجسور كانت ستبنى أو تبقى قائمة بينهم. إن الحياة أقصر من أن نضيعها في توزيع الأحكام، وأغلى من أن نلوثها بظنون لا نملك لها دليلاً. فليجرب هؤلاء أن يكونوا أكثر صمتاً وإنصافاً، ليكونوا أكثر رحمة وقبولاً وانتماءً للإنسانية بضمير حي.
ولكي يتحرر المرء من الأحكام المتسرعة، تقترح البروفسورة كريمة الشامي ما يلي:
التأمل الذاتي: قبل الحكم، اسأل نفسك هل أملك كل الحقائق؟ وهل يمكن أن أكون مخطئاً؟
توسيع منظورك: استمع بإنصاف لوجهات النظر المخالفة.
التعاطف: ضع نفسك مكان الطرف الآخر وفكر في دوافعه قبل أفعاله.
الصمت الواعي: أحياناً، الامتناع عن الحكم هو القرار الأكثر نضجاً.
طلب الدعم النفسي: إذا كان هذا السلوك يسيطر على حياتك وعلاقاتك، فقد يكون التدخل العلاجي السبيل لإعادة التوازن الفكري والعاطفي.
كمثال على ما اشرت له ، أتذكر ذلك اليوم حين أخبرني أحد أصدقائي عن ندمه لأنه أسرع في الحكم على زميل قديم له في العمل ارتقى في منصبه، فظن مع الزمن أنه تغير وأصبح إنساناً مغروراً لا تطاق زمالته. حكم عليه بهذا الانطباع دون ترو ودون أن يسأله عن حاله، وابتعد عنه لسنوات، وبدأ يتعامل معه بشكل رسمي. وذات مساء، التقيا صدفة في مكان عام، وكان الزميل يبتسم بلطف ويسأل عن أحواله، ويحمل في عينيه حزناً عميقاً. جلسا قليلاً، فحكى له عن مرض ابنه الوحيد وعن السنوات الصعبة التي جعلته متفرغاً له، لا يخالط الناس. حينها شعر بالخجل، ليس منه، بل من نفسه، لأنه حكم على إنسان بصورة ناقصة، وأصدر عليه حكماً غيابياً دون أن يمنحه فرصة لقول الحقيقة أو طلب المساعدة. وهي مسألة بسيطة مقارنة بأحكام أخرى قد تؤدي إلى دمار عائلات وربما مجتمعات بأكملها.
كم هو جميل أن لا يحاول الإنسان كشف المستور أو البحث عن الوجه الآخر لأي شخص، حتى لو كان متأكداً من سوءه، فلكل منا جانب سيئ يتحاشاه حتى مع نفسه. والانشغال بسرائر الناس يفتح باب سوء الظن والظلم على مصراعيه. ومن الأفضل أن يزرع كل منا في نفوس الآخرين شيئاً جميلاً يخصه، إن لم يكن حباً فليكن احتراماً. فمهما كانت نيتك صافية، لن تنجو من ظنون الناس السيئة، وما دمت لم تخطئ بحق أحد، دع الناس يرونك كما يريدون، ولا تهتم.
ليس كل ما يقال عنك يستحق الرد، ولا تعط قيمة لمن لا قيمة لهم. ومن يؤذي الآخرين بالأكاذيب سيأتي من يؤذيه بالحقائق. لا ترهق نفسك بالوفاء، فالجميع يريدك حسب حاجته. ولا تحرق نفسك من أجل الآخرين، فالشمس أحرقت نفسها من أجلنا وما زلنا نحب القمر. ولا تثق بمودة أحد حتى ترى موقفه منك في أيام الشدة.
عجباً لهذه الدنيا، يدفع الناس المال لتجميل أشكالهم، ويعجزون عن تجميل أخلاقهم رغم أن ذلك بالمجان. لا شيء يعادل النية الطيبة، إفعل ما تشاء واتركهم يفهمونك كما يريدون. ولا تحاول البحث عن الوجه الآخر لأي شخص، فلكل منا جانب سيئ يخفيه حتى عن نفسه، ويبقى الانشغال بسرائر الناس باباً لسوء الظن والظلم . واعلم أنه لا قيمة لآراء الناس ما دامت أفعالك تمنحك ضميراً مرتاحاً. أن تكون نيتك بيضاء لا يعني أن يراك الآخرون نقياً، فالبعض يرى كل الألوان عدا الأبيض.
طوبى لمن يتركون لنا وردة على أبواب قلوبنا بكلمة أو همسة أو لمسة أو ابتسامة. طوبى للقلوب الرائعة التي تدفعنا للتفاؤل دائماً، ولمن تسعدنا كلماتهم وتدخل القلب فتريح النفس وتملأ الروح بهجة. إن ظروف بعض البشر مدفونة في أعماقهم، فإن لم تعرفها، فأكرمهم بحسن الظن.
يقول الأديب الروسي أنطون تشيخوف: عليك أن تعلم يقيناً أن المرء يخوض صراعاً بينه وبين نفسه كل يوم، مع ألف هم وألف حزن ومئة ضعف، ليخرج أمامك بكل هذا الثبات. إن القوة التي تراها فيه لم تهد له بالمجان، بل كلفته اختبارات صعبة ومعارك دامية صنعت منه إنساناً لا يستسلم لتحديات الحياة. فليس من الحكمة أن يأتي أحدهم ليهدم كل ما بناه هذا الشخص بسوء ظنه، رغم كل ما بذله من جهد وسط ظروفه التي آثر أن لا يخبر الناس عنها.



