إصلاح شأننا المجتمعي، والحوار الإيزيدي مسار رؤيوي لكيانٍ حيوي 16: دلشاد نعمان فرحان

إن تحديات العصر المعقدة التي تواجه الأيزيديين، تستدعي إعادة بناء منظومته القيادية بما يتوافق مع تعقيدات الحداثة ومفاهيم المدنية، والتطور والتقدم الحضاري بصورة عامة، لإن استمرار القيادات التقليدية لم يعد كافياً، بل أصبح يشكل، في كثير من الأحيان، عائقاً أمام بناء مؤسسات تمثيلية عقلانية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تأسيس قيادة دنيوية جديدة، مدنية، منتخبة، تعبّر عن تطلعات فئات المجتمع كافة، وتضمن الشفافية، والكفاءة، والتمثيل العادل لعموم مناطق تواجد الأيزيديين.

ويستلهم هذا المشروع من أطروحات المفكر الألماني ماكس فيبر في التمييز بين (السلطة التقليدية والسلطة العقلانية القانونية)، حيث يرى:
“أن المجتمعات الحديثة تحتاج إلى انتقال من أنماط الحكم الوراثية والرمزية إلى نظم تستند إلى المشروعية القانونية والمؤسسية”، والقيادة الإيزيدية الراهنة، وهي ذات طابع روحي محافظ، لا تزال تتموضع ضمن النموذج الأول، ما يُضعف مرونتها في الاستجابة لتحديات العصر مثل: الهجرة، العولمة، والتمثيل العادل، وتحديات العولمة .. وأن تأسيس القيادة المدنية المقترحة قد تساعدها في الكثير من مجالات حياة الأيزيديين.
تواجد الأيزيديين الجغرافي عبر بلدان متعددة في العراق، سوريا، جورجيا، أرمينيا، أوكرانيا، روسيا، ألمانيا، السويد وأستراليا.. والخ. أفرز حالة من (الهوية المركّبة) التي يصعب اختزالها ضمن مرجعية رؤية واحدة، لأن الإيزيدي اليوم هو في آنٍ واحد مواطن في دولة متقدمة وعضو في ديانة شرقية؛ وهو ما يتطلب بنية قيادية، تستطيع أن توازن بين الخصوصية الدينية والانتماء الوطني للدول الجديدة، وبناء (مجلس دنيوي عالمي) موازٍ، سيسمح بتمثيل هذه الهويات دون التورط في تعارضاتها أو الانغلاق في سرديات الماضي.
إذ يُذكر الفيلسوف الأمريكي جون رولز في كتابه (نظرية في العدالة):
“العدالة ليست مجرد فضيلة من فضائل النظام الاجتماعي، بل هي أولى تلك الفضائل”، ومن هذا المنطلق فإن بناء قيادة مدنية إيزيدية يجب أن ينطلق من مفهوم العدالة التمثيلية لا من تراتبية المقدس، ولهذا فإن المشروع المدني يجب أن يكون حاملاً لذاكرة الأيزيديين وتاريخ معاناتهم، لكنه في ذات الوقت لا يتورط في التقديس السلطوي.
ويمكن الاستفادة من تجربة الشتات اليهودي في بناء لوبي عالمي فعّال يرتكز إلى العمل المؤسسي والعقلانية السياسية، بعيداً عن الارتهان للمقدسات، وتشكل الجاليات الإيزيدية في أوروبا، لا سيما في ألمانيا والسويد وهولندا وبلجيكا، وأيضا في أمريكا وأستراليا، حواضن خصبة لهذا المشروع، لما تمتلكه من إمكانيات تنظيمية ومجتمعية، وكخطوة أولية فإن تأسيس مجلس دنيوي ممثل لهذه الجاليات، برئاسة دورية وهيكلية ديمقراطية، سيكون بمثابة اللبنة الأولى نحو خلق خطاب إيزيدي حديث، مستنير، ومتماهٍ مع روح العصر، ويتيح له الالتحاق بالركب العالمي.
فقد آن الأوان ليتجاوز المجتمع الإيزيدي البنية الكهنوتية المغلقة التي تحصر السلطة بيد قيادات متشتتة، نحو فضاء مدني تعددي، ومن المهم إعادة تعريف “القيادة” باعتبارها وظيفة تعاقدية لا رمزية أو عملية وراثية، لإن تشكيل قيادة دنيوية موازية لا ينفي أهمية المرجعية الروحية، بل يضعها في سياقها الطبيعي كحاضنة روحية، وعليه فإن هذا المشروع، إن تحقق، سيكون منعطفاً تاريخياً في مسار الأيزيديين، ويؤسس لأول مرة وعي جمعي عقلاني قادر على التفاوض باسمهم، دون أن يكون أسير توجه معين.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت