إيران بين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات: صراع على بقاء النظام : منى سالم الجبوري

تواجه إيران مرحلة بالغة التعقيد، تتشابك فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن قدرة النظام على الحفاظ على تماسكه ومواجهة أزماته المتراكمة. وما يبدو ظاهريا خلافا بين تيارات سياسية حول إدارة المرحلةالراهنة، قد يعكس في جوهره صراعا أعمق على مستقبل السلطة،وحدود التنازلات الممكنة، والكلفة السياسية لكل من المواجهةوالتفاوض.

وتكشف المطالبات بمحاكمة الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وفقا للتقرير، عن اتساعدائرة الصراع بين أجنحة الحكم. فبدلا من التوافق علىاستراتيجية لمواجهة التحديات، تتبادل الأطراف الاتهامات،ويحاول كل منها تحميل الآخر مسؤولية الإخفاقات. وهذه الظاهرةلا تعني بالضرورة اقتراب انهيار النظام، لكنها تشير إلى تصاعدالتوتر داخل مراكز القرار وصعوبة التوفيق بين المصالحالمتعارضة.

الحرب والتفاوض: مأزق الخيارات الصعبة

يقف النظام الإيراني أمام خيارين محفوفين بالمخاطر. فاستمرار المواجهة العسكرية قد يفاقم الاستنزاف الاقتصادي والأمني، ويزيد الضغوط على مجتمع يعاني من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية. أما التفاوض، فقد يفرض تنازلات استراتيجية لا تتقبلها جميع مراكز النفوذ، خصوصا القوى التي بنت جانبا من مكانتهاعلى نهج المواجهة الإقليمية.

ولا تقتصر المعضلة على تحديد الخيار الأقل كلفة، بل تتصل بقدرة النظام على اتخاذ قرار موحد وتحمل نتائجه. فالتسوية قد تفتح الباب أمام خلافات بشأن حدود التنازل، فيما قد تؤدي مواصلة المواجهة إلى تعميق الأعباء الداخلية. وفي الحالتين، يصبح التحدي الأساسي هو التوفيق بين متطلبات الدولة ومصالح القوى المتنافسة داخلها.

“الجمهورية الثالثة“: إصلاح أم إعادة إنتاج للأزمة؟

في هذا السياق، تبرز دعوات إلى إقامة “الجمهورية الثالثة“وإجراء استفتاء لتعديل بنية السلطة. غير أن أهمية هذه الطروحات تتوقف على مضمونها، لا على تسمياتها. فهل يتعلق الأمر بإعادة ترتيب المؤسسات القائمة، أم بمراجعة حقيقية لطبيعة النظام وحدود صلاحيات الولي الفقيه، وضمان حق المواطنين في اختيار حكامهم ومحاسبتهم؟

إن تغيير العناوين لا يكفي لمعالجة أزمة سياسية تتصل بتوزيع السلطة وغياب المساءلة الفعالة. كما أن أي استفتاء لا يمكن اعتباره تعبيرا حقيقيا عن الإرادة الشعبية ما لم تتوافر له شروطالحرية والنزاهة، وتضمن للمواطنين إمكانية الاختيار بين بدائلسياسية حقيقية.

ومن هنا، فإن مستقبل هذه المبادرات يرتبط بمدى استعداد أصحاب القرار لقبول تغيير فعلي، لا بمجرد تقديم صيغ جديدة لاحتواء الضغوط والمحافظة على التوازنات القائمة.

أزمة الشرعية وحدود القمع

على الجبهة الداخلية، تثير تقارير تصاعد الإعدامات وتضييق المجال السياسي أسئلة جدية بشأن قدرة النظام على معالجة أسباب السخط الاجتماعي. فالإجراءات القمعية قد تحد من الاحتجاجات في ظروف معينة، لكنها لا تعالج جذور الأزمات الاقتصادية والسياسية، ولا تعوض غياب الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين اتساع الاستياء الشعبي وبين وجود إجماع وطني على بديل سياسي محدد. فالمعارضة للنظام لا تعني بالضرورة الاتفاق على برنامج موحد أو قيادة مشتركة، كما أن التغيير السياسي لا يصبح حتميا لمجرد تصاعد الانقساماتداخل السلطة.

لكن استمرار الضغوط المعيشية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الخلافات بين مراكز النفوذ، يمكن أن يهيئ ظروفا أكثرتعقيدا أمام النظام، خصوصا إذا عجز عن تقديم حلول ملموسةأو فتح المجال أمام إصلاحات جدية.

وفي هذا الإطار، يعبر شعار “لا لنظام الشاه ولا لنظام الوليالفقيه“ عن رفض إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ مختلفة، وعنتطلع إلى نظام سياسي يقوم على التعددية وسيادة الشعب. غيرأن تحويل هذا المطلب إلى واقع يتطلب مشروعا سياسيا واضحايضمن الحقوق والحريات، ويمنع احتكار السلطة، ويؤسسلمؤسسات خاضعة للمساءلة.

مستقبل مفتوح على الاحتمالات

إن الأزمة الإيرانية الراهنة لا تختزل في الصراع بين المتشددينوالإصلاحيين، ولا في المفاضلة بين الحرب والمفاوضات؛ إنها تتعلقبقدرة النظام على التكيف مع ضغوط خارجية متزايدة وتناقضاتداخلية متراكمة.

وقد تنجح السلطة في احتواء جانب من أزماتها عبر تسوية خارجية أو إعادة ترتيب مراكز النفوذ، لكن ذلك لن يضمن معالجة أسباب السخط إذا بقيت المشكلات البنيوية من دون حل. وفي المقابل، فإن اتساع المعارضة لا يضمن وحده انتقالا سياسيا، مالم تتوافر الظروف اللازمة لبناء بديل قادر على كسب الثقة وإدارةمرحلة التغيير.

في المحصلة، تقف إيران أمام اختبار يتجاوز بقاء حكومة أو جناح سياسي بعينه. فبين مطرقة الحرب وسندان المفاوضات، تتحدد قدرة النظام على المناورة، بينما يتوقف مستقبل البلاد على تفاعل القرارات السياسية مع التحولات الاجتماعية ومطالب المواطنين.

والسؤال الحاسم ليس ما إذا كان النظام قادرا على تجاوز أزمتهالراهنة فحسب، بل ما إذا كان مستعدا لمراجعة الأسس التيأنتجت هذه الأزمات. فاستمرار النهج القائم قد يؤجل المواجهة،لكنه لا يضمن إنهاء أسبابها؛ أما الاستقرار المستدام، فلا يمكنأن يقوم من دون سيادة القانون، والمساءلة، واحترام إرادة الشعبوحقه في تقرير مستقبله.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت