إيران تحت الرماد… حين يصبح القمع عاجزا عن منع الانفجار : منى سالم الجبوري

لم تعد الأوضاع في إيران تقف عند حدود أزمة اقتصادية خانقة أو احتقان اجتماعي متراكم، بل تبدو البلاد أمام مشهد تتداخل فيه عناصر الانفجار السياسي بصورة غير مسبوقة. فحين يعيش عشرات الملايين تحت خط الفقر، ويتآكل الدخل أمام التضخم، وتتراجع القدرة على تأمين أبسط ضرورات الحياة، فإن المجتمع لا يعود قادرا على احتمال المزيد من الضغط إلى ما لا نهاية.

لكن الأخطر أن النظام، بدلا من معالجة أسباب السخط، يواصلالتعامل مع الأزمة بمنطق أمني صرف. وتصاعد الإعدامات فيهذه المرحلة ليس مجرد ممارسة عقابية، وإنما يكشف عن اعتمادمتزايد على الترهيب باعتباره وسيلة لإبقاء المجتمع تحت السيطرة. غير أن الإعدام قد يزرع الخوف، لكنه لا يستطيع إلغاء الفقر، ولاإعادة قيمة العملة، ولا توفير فرص العمل، ولا إقناع المواطن بأنثروات بلاده تدار لمصلحته.

والأكثر دلالة أن تصاعد القمع يترافق، بحسب التقارير الواردة من داخل إيران، مع تصاعد ملموس في عمليات وحدات المقاومة ضد مؤسسات النظام وأجهزته. وهذه المعادلة تكتسب أهميتها من أن الاحتجاج الشعبي، حين يلتقي مع نشاط مقاوم منظم، يمكن أن ينتقل من حالة الغضب الكامن إلى حالة أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير.

وهنا تتضح إحدى أخطر معضلات النظام: كلما رفع مستوى القمع، كشف في الوقت نفسه عن حجم خوفه من المجتمع. فالإعدامات المتصاعدة لا تدل بالضرورة على استقرار السلطة، بل قد تكون مؤشرا على شعورها بأن أدوات السيطرة التقليدية لم تعدكافية.

وتزداد قتامة الصورة مع أزمة القيادة وغياب المرشد الجديد عن الظهور العلني، في وقت تحتاج فيه السلطة إلى إظهار أقصى درجات التماسك. إن اجتماع غياب القيادة مع الانهيار المعيشي، وتصاعد الإعدامات، واتساع نشاط المقاومة، يخلق بيئة سياسية شديدة الهشاشة؛ إذ يمكن لأي حادث كبير أو شرارة اجتماعية أن تدفع الغضب المتراكم إلى الشوارع.

 

لقد استطاع النظام، طوال سنوات، تأجيل لحظة المواجهة الشاملة باستخدام القمع والاعتقال والإعدام والدعاية. لكنه لم يستطع معالجة الأسباب التي تنتج الغضب.

واليوم تبدو إيران وكأنها تقف فوق بركان سياسي واجتماعي: الفقر يوسع قاعدة الساخطين، والقمع يزيد الاحتقان، والإعدامات تعمق النقمة، وأزمة القيادة تضعف صورة السلطة، بينما يمنحنشاط المقاومة للغضب الشعبي بعدا أكثر تنظيما.

لذلك فإن السؤال لم يعد: هل توجد أزمة في إيران؟ بل أصبح: متى تصل الأزمات المتراكمة إلى النقطة التي يعجز فيها النظام عن احتوائها؟

قد لا يكون الانفجار وشيكا بالضرورة وفق حسابات الزمن، لكنهبات أقرب سياسيا من أي وقت مضى. وما يخشاه النظام اليومليس احتجاجا جديدا فحسب، وإنما أن تأتي لحظة يلتقي فيهاالغضب الشعبي الواسع مع ضعف السلطة وقدرة المقاومة علىاستثمار اللحظة.

وعندها قد يكتشف النظام أن سنوات القمع لم تطفئ النار، وإنما دفنتها تحت الرماد.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت