مدخل: من مشكلة عمرانية إلى قضية أمن غذائي
إن ما يجري في قضاء الشيخان ليس سوء تخطيط عابراً، بل سياسة إدارية متواصلة تتحمل مسؤوليتها سلطات إقليم كردستان العراق التي تدير القضاء فعلياً منذ عام 2003. وهذه المقالة تعليق موسّع على مقال الأخ العزيز جهور سليمان «اغتيال الأراضي الزراعية في قضاء الشيخان: نتاج التخطيط العمراني الفاشل»، تحاول أن تنقل النقاش من دائرة الشكوى إلى دائرة المساءلة.
أشدّ على يدك يا أخي جهور، فقد فتحت ملفاً يمسّ حاضر أهالي الشيخان ومستقبل أجيالهم. غير أن الإنصاف للحقيقة يقتضي أن نسمّي الجهة المسؤولة باسمها: فالقرار التخطيطي والإداري والمالي في القضاء منذ أكثر من عشرين عاماً بيد سلطات الإقليم ومؤسساتها، ومن يملك القرار يتحمل نتائجه.
أنطلق في هذه الورقة من موقعي كأحد ابناء القضاء، لأقول إن خسارة التربة الخصبة ليست خسارة عقارية، بل خسارة في قدرة المجتمع على إطعام نفسه، وهي خسارة لا تُسترد.
أولاً: الشيخان سلة قمح لا قطع سكنية
تقدّر إدارة القضاء نفسها إنتاج الشيخان من القمح بأكثر من 60 ألف طن في الموسم الواحد، بحسب تصريح قائمقام القضاء لشبكة رووداو. هذا الرقم وحده يكفي لإثبات أن ما يُقتطع من سهول الشيخان ليس أرضاً فائضة، بل جزء من القاعدة الإنتاجية للمنطقة كلها.
تقع أراضي القضاء ضمن نطاق الزراعة الديمية المضمونة الأمطار في شمال العراق، وهي من أخصب ترب سهل نينوى. ولم يكن الإقليم ككل هامشياً في إنتاج الحبوب: ففي عام 1980 كانت هذه المنطقة توفر نحو نصف قمح العراق، بحسب تقرير لوكالة بلومبرغ عام 2017.
التربة الزراعية الخصبة تتكوّن عبر قرون وآلاف السنين، بينما يكفي قرار إداري واحد وجرّافة واحدة لإنهائها. لذلك يُعدّ تحويلها إلى كتل إسمنتية خسارة دائمة لا يعوّضها أي استصلاح لاحق.
ثانياً: مسؤولية سلطات إقليم كردستان منذ 2003
الشيخان قضاء تابع رسمياً لمحافظة نينوى، ومشمول بالمادة 140 من الدستور العراقي بوصفه من المناطق المتنازع عليها، لكنه يُدار فعلياً من محافظة دهوك وحكومة الإقليم منذ 2003. وهذه الإدارة الفعلية ليست امتيازاً سياسياً فحسب، بل التزام قانوني وأخلاقي بحماية موارد القضاء وسكانه.
تتجلى هذه المسؤولية في أربعة مستويات:
لا يُعفي الوضع القانوني المعلّق للمناطق المتنازع عليها سلطات الإقليم من هذه المسؤولية، بل يضاعفها: فمن يطالب بإدارة منطقة ما، عليه أن يثبت أنه أحرص الناس على أرضها وأهلها.
ثالثاً: الأمن الغذائي على المحك
يعتمد إقليم كردستان على الاستيراد في معظم غذائه، وكل دونم خصب يُفقد في الشيخان يعمّق هذا الاعتماد. والأرقام الرسمية للإقليم نفسه تكشف حجم الهشاشة:
|
المؤشر |
القيمة |
المصدر والسنة |
|
نسبة الغذاء المستورد من الاستهلاك |
أكثر من 90% |
وزارة زراعة الإقليم، 2015 |
|
قيمة الفواكه والخضر المستوردة |
7.1 مليار دولار |
وزارة الزراعة، 2004–2014 |
|
تغطية الإنتاج المحلي للطلب |
20% من الفواكه، 50% من الخضر |
وزارة الزراعة، 2017 |
|
حصة الزراعة من الموازنة |
أقل من 2% |
وزارة الزراعة، 2015 |
بمفهوم منظمة الأغذية والزراعة، يقوم الأمن الغذائي على أربع ركائز: التوافر، وإمكانية الوصول، والاستخدام، والاستقرار. وتحويل الأراضي الخصبة يضرب الركائز الأربع معاً:
إن منطقة تستورد معظم غذائها لا تملك ترف التفريط بأخصب أراضيها. والأمن الغذائي جزء من الأمن القومي، لا ملفاً خدمياً ثانوياً.
رابعاً: الكلفة البيئية والمائية والاجتماعية
الخسارة لا تتوقف عند المحصول. فالإسمنت يغلق التربة أمام مياه الأمطار، فتقلّ تغذية المياه الجوفية ويزداد خطر السيول في المنخفضات، وترتفع درجات الحرارة المحلية بزوال الغطاء النباتي.
ويزداد هذا الخطر في قضاء يعاني أصلاً من شح المياه: فقد أفاد سكان قرى في الشيخان بأنهم اضطروا إلى ترك قراهم لعجزهم عن مواصلة الزراعة بسبب نقص المياه، بينما كانت مديرية ماء القضاء تحتاج إلى عشرة آبار إضافية لمعالجة المشكلة. والتوسع السكني الكبير يضيف طلباً جديداً على مياه جوفية مستنزفة.
وللقضية بعد اجتماعي لا يجوز تجاهله. فالشيخان مركز روحي للإيزيديين ومنطقة تعايش تاريخي بين مكونات متعددة، والأرض فيه جزء من الهوية والذاكرة. وقد أثارت حملات توزيع الأراضي في مناطق دهوك قلق ممثلي المكونات من أن تتحول إلى أداة لتغيير التركيبة السكانية، واستُشهد بالشيخان في هذا السياق مثالاً تحذيرياً. وحماية الأرض الزراعية هنا حماية للنسيج الاجتماعي أيضاً.
خامساً: ما نطالب به سلطات الإقليم
المطلوب من حكومة الإقليم ومحافظة دهوك وإدارة القضاء خطوات محددة قابلة للمحاسبة، لا وعود عامة:
وعلى أهالي الشيخان ومثقفيه ومهندسيه ومنظماته المدنية دور مكمّل: توثيق الحالات، ومخاطبة برلمان الإقليم ومجلس محافظة نينوى، والمطالبة بجلسة علنية لمساءلة الجهات المعنية.
مناشدة إلى السيد رئيس مجلس وزراء إقليم كردستان
أتوجه من خلال هذا المكتوب بمناشدة صريحة إلى السيد رئيس مجلس وزراء إقليم كردستان، بوصفه صاحب القرار التنفيذي الأعلى في الإقليم، للتدخل العاجل من أجل وقف السياسات التي تستنزف الأراضي الزراعية في قضاء الشيخان، والحفاظ على ما تبقى منها قبل فوات الأوان.
إن قرار توزيع الأراضي على الموظفين يحمل نية حسنة في معالجة أزمة السكن، لكن تنفيذه على حساب أخصب السهول يحوّل الحل إلى مشكلة أكبر. ولذلك نرجو من سيادته إصدار توجيه واضح بتجميد تحويل الأراضي الزراعية الخصبة في القضاء، وتوجيه التوزيع نحو أراضٍ بديلة غير زراعية، وتشكيل لجنة مستقلة لمراجعة جميع قرارات تغيير جنس الأراضي فيه.
كما نناشده التصدي بحزم لشبكات المضاربة والمافيات المتخصصة في ابتلاع الأراضي الزراعية، التي تستغل الثغرات الإدارية وضعف الرقابة لتحويل الأرض العامة والخاصة إلى أرباح عقارية سريعة. وحماية هذه الأراضي اليوم هي امتحان حقيقي لمصداقية أي حديث رسمي عن الأمن الغذائي والتنمية الزراعية في الإقليم.
خاتمة: الأرض لا تُبنى مرتين
يمكن بناء المساكن في مواقع بديلة، لكن لا يمكن إعادة تربة خصبة تكوّنت عبر آلاف السنين. وسلطات إقليم كردستان، بوصفها الجهة التي أدارت الشيخان منذ 2003 وما تزال، مسؤولة أمام أهله وأمام التاريخ عن وقف هذا النزيف قبل أن يصبح لا رجعة فيه.
شكراً لك يا أخي جهور سليمان على إثارة هذه القضية. وأتمنى أن تتحول من منشور على مواقع التواصل إلى مبادرة مدنية منظمة تطالب بالأرقام والوثائق والقرارات.
والسؤال الذي أضعه أمام كل مسؤول في الإقليم: ماذا ستقولون لأحفاد الشيخان حين يسألون أين ذهبت سهول القمح التي ورثها آباؤهم؟
· 26 تشرين الأول 2026




