الأموال العراقية : زهير كاظم عبود

اخذت الحروب العبثية التي ادخلنا فيها النظام الدكتاتوري من العراقيين الكثير ، وبعثرت المال العراقي الذي كان يفترض ان تضمن موارده المتنوعة مستقبل البلاد ، وان تتوجه لتشجيع الاستثمار ودعم القطاعات المختلفة ، وان ينعم العراقي بتلك الأموال متنوعة المصادر التي حباها الله لأرض العراق ، وعبثا ذهبت تلك الأموال مع ذهاب تلك السنوات العجاف ، تاركة لنا ملفات تعويض دولية بين من تضرر من تلك الحقبة أو بين من يطالب العراق بالديون التي ترتبت بذمته مع الفوائد ، وكان البلد ولم يزل يعتمد اعتمادا كليا على الإيرادات المتأتية من بيع النفط حسب أسعار السوق الدولية .
وبعد العام ٢٠٠٣ واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية ، قرر الحاكم المدني المعين من قبل الحكومة الامريكية وضع جميع إيرادات الأموال العراقية تحت الوصاية الامريكية ، وان تخضع جميع طلبات الصرف لتدقيق وموافقة الجهات المالية الامريكية ، وكان المبرر الأساسي حماية المال العراقي من التعويضات والفوائد المترتبة بذمته ماليا جراء سياساته السابقة ، ومنذ العام ٢٠٠٣ وحتى حلول عام ٢٠١١، حيث انسحبت قوات الاحتلال الأمريكي ، كانت الأموال العراقية طيلة الفترة الماضية تحت سيطرة البنك الفيدرالي الأمريكي ، وفي تشرين الثاني من العام ٢٠٠٤ اتفقت الدول الدائنة في نادي باريس الغاء ٨٠٪ من ديون العراق المستحقة ، وبلغت ٢٩ مليار دولار ، ونفذ القرار على مراحل ، كما تم تسديد كامل مبلغ تعويضات الكويت ، ولم يتبق سوى المتراكم من الديون والفوائد خصوصا بعد العام ٢٠١٤ وهي مبالغ يمكن تسديدها وتحرير العراق من فوائدها والتزاماته المتعلقة بها ، ويفترض انه بعد العام ٢٠١١ حيث عقدت معاهدة أمنية مشتركة تؤكد على أساس الاحترام الكامل للسيادة لكلا البلدين ، ويصار الى تعاون مشترك وتفاهم دون المساس بسيادة العراق ارضا ومياها واجواء ، وان تلتزم الحكومة الامريكية بالقوانين والأعراف والتقاليد العراقية ، ونصت المعاهدة في المادة السادسة والعشرون الخاصة بالأصول العراقية على مايلي :
١- لتمكين العراق من الاستمرار في تنمية اقتصاده الوطني عن طريق إعادة تأهيل البنى التحتية الاقتصادية العراقية، وكذلك توفير الخدمات الحيوية الأساسية للشعب العراقي، وللاستمرار في الحفاظ على موارد العراق من البترول والغاز وموارده الأخرى والحفاظ كذلك على أصوله المالية والاقتصادية في الخارج، بما في ذلك صندوق التنمية للعراق، تضمن الولايات المتحدة الأميركية بذل أقصى الجهود في سبيل:
(أ)- دعم العراق لإعفائه من الديون الدولية الناتجة عن سياسات نظام الحكم السابق.
(ب)- دعم العراق للتوصل إلى قرار شامل ونهائي بشأن مطالبات التعويض التي ورثها العراق عن نظام الحكم السابق ولم يتم البت فيها بعد، بما في ذلك متطلبات التعويض المفروضة على العراق من قبل مجلس الأمن الدولي.
٢- اعترافاً بالقلق الذي يبديه العراق للمطالبات القائمة على أفعال ارتكبها نظام الحكم السابق، وتفهما لهذا الأمر، يمارس رئيس الولايات المتحدة سلطاته لتوفير الحماية لصندوق تنمية العراق ولممتلكات أخرى معينة يملك العراق نصيبا فيها من العمليات القضائية الأميركية.
وستبقى الولايات المتحدة ملتزمة بشكل كامل وفعّال مع الحكومة العراقية فيما يتعلق باستمرار هذه الحماية وبخصوص تلك المطالبات.
وبهذا النص يتم تحويل جميع عائدات النفط العراقي بالدولار الى وزارة الخزانة الامريكية، وللعراق ان يتقدم في أي صرف مالي بطلب موافقة الوزارة بذلك حسب الحاجة، ونسمع تبريرات عديدة لبقاء هذا الحال منها تفاديا لغسيل الأموال او لمنع تهريب العملة، ولان العراق بلد مستورد يعتمد في اغلب احتياجاته الأساسية على ما يستورده من السلع والبضائع فهو بحاجة ماسة لمثل هذه الأموال لتطبيق خطط التنمية والتطورات العلمية الحاصلة.
اما ان يتم الإبقاء على هذا النص بشكل دائم وبعيد عن التدقيق بالرغم من تغير الظروف وضمانا أكيدا لسيادة العراق على ماله وايراداته، وحتى لا ينظر للأمر كأنه استمرار للهيمنة الامريكية على المال العراقي والاستفادة منه، وحتى لا يتم استغلال هذا المال سياسيا، نجد ان إعادة النظر للتخلص من السيطرة المالية أمر يخدم السيادة العراقية ويشكل ضمانة لوضع الإيرادات ضمن الخطة المالية التي ترفعها الحكومة سنويا الى مجلس النواب.
ووفقا للمعاهدة المبرمة بين العراق والولايات المتحدة ، وامام الوضع الاستثنائي الذي يمر به الاقتصاد العراقي المعتمد بالدرجة الأولى على تصدير النفط ، والذي توقف او تمت عرقلة تصديره لإغلاق مضيق هرمز ودخول المنطقة في حالة من النزاع ، كشف السيد رئيس الوزراء الأسباب التي دعته لرفع سعر بيع الدولار امام الدينار العراقي ، وهذا الوضع يضع الولايات المتحدة امام مسؤوليتها القانونية والدولية ، حيث ان بإمكان الولايات المتحدة الامريكية بما تملك من وسائل ان تمارس سياستها المالية دون التعكز على الأموال العراقية ، وان تقوم بالتنسيق مع البنك المركزي العراقي وفقا لاتفاقية تضمن مصالح مشتركة للطرفين دون تغليب طرف على الاخر ، وان الجهود المبذولة سواء من الحكومة الاتحادية أو من وزارة الخارجية العراقية ينبغي ان تثمر بالاستجابة التي تحقق الدور المهم لسيطرة الحكومة على المال العراقي لتحقيق تطبيق خطط الاستثمار وكفالة الحياة الكريمة التي تليق بالعراقيين ، وفقا لموارده التي تحقق له ذلك ، وتنفيذ جميع فقرات الموازنة العامة ، وانه يمكن تطبيق نص المعاهدة الامريكية العراقية بضمان المال العراقي وحمايته بتحريره من استمرار هيمنة وزارة الخزانة والاشراف وطنيا على ماله حرصا على سيادة العراق كليا دون التفريط بالعلاقة والمصالح المشتركة بين الطرفين .

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت