الاتفاق مجرد مسکن ألم للنظام الايراني : منى سالم الجبوري

يبدو أن النظام الإيراني ينظر إلى أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية بوصفه فرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية التي يواجهها. غير أن الرهان على الاتفاق باعتباره مخرجا نهائيا من أزمات النظام المتراكمة قدلا يكون واقعيا، لأن جذور الأزمة الإيرانية تتجاوز بكثير مسألةالعقوبات أو الخلافات المتعلقة بالملف النووي.

لا شك أن أي اتفاق قد يوفر للنظام الإيراني مكاسب اقتصادية محدودة، سواء عبر تخفيف بعض العقوبات أو تسهيل حركة التجارة والوصول إلى جزء من الموارد المالية المجمدة. كما يمكن أن يساهم في تهدئة التوترات الخارجية ومنح الحكومة هامشا أوسعلإدارة الأوضاع الاقتصادية. لكن هذه المكاسب، مهما كانتأهميتها، لا تعني أن النظام حصل على “تذكرة الخلاص” التيتنهي أزماته البنيوية.

فالمشكلة الأساسية التي تواجه إيران لا تتمثل فقط في العقوبات، وإنما في وجود اختلالات اقتصادية عميقة تراكمت على مدى عقود. فالتضخم المرتفع، والبطالة، وتراجع الاستثمارات، والفساد الإداري، وضعف الإنتاجية، وتوسع دور المؤسسات غير الخاضعة للرقابة الاقتصادية، كلها عوامل تجعل أي تحسن ناتج عن الاتفاق محدود الأثر إذا لم ترافقه إصلاحات جوهرية.

وعلى الصعيد السياسي، لا يبدو أن الاتفاق قادر على معالجة حالة الاحتقان المتزايدة داخل المجتمع الإيراني. فقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الاحتجاجات التي رفعت شعارات تتجاوز المطالب المعيشية إلى انتقادات مباشرة لبنية الحكم وآليات إدارة الدولة، ولاسيما وإن الذي يثير مخاوف النظام هو تزايد دور المقاومة المنظمة والمتمثلة في وحدات المقاومة التابعة لمجاهدي خلق حيث تمارس نشاطات تعبوية وثورية على حد سواء، وهذه القضايا لا يمكن حلها من خلال اتفاق خارجي مهما بلغت أهميته.

كما أن الاتفاق لن يضع حدا للصراعات والتنافسات داخل أجنحةالسلطة نفسها. فالتباينات حول السياسة الخارجية، وطريقة إدارةالاقتصاد، ومستقبل النظام في مرحلة ما بعد المرشد الحالي،كلها ملفات مرشحة لأن تبقى مصدر خلاف وتجاذب بين مراكزالقوى المختلفة.

ومن جهة أخرى، فإن أي اتفاق سيكون عرضة للتأثر بالمتغيرات الدولية والإقليمية. فالعلاقات بين إيران والغرب لا تزال محكومة بدرجة عالية من عدم الثقة، كما أن أي تغيير في موازين القوى أو في الإدارات السياسية للدول المعنية قد يؤدي إلى إعادة النظر في التفاهمات القائمة أو تقليص آثارها الإيجابية.

إن التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تقدم دليلا واضحا علىأن الاتفاقات الخارجية قد تمنح النظام فرصة لتخفيف الضغوط،لكنها لم تنجح في إنهاء الأزمات الداخلية أو إزالة أسباب التوتربين الدولة والمجتمع. ولذلك فإن التعويل على الاتفاق باعتباره نقطةتحول حاسمة قد يكون مبالغا فيه، خصوصا إذا لم يقترنبمعالجة حقيقية للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعيةالتي تعاني منها البلاد.

وفي المحصلة، قد يمنح الاتفاق النظام الإيراني وقتا إضافياوهامشا أوسع للحركة، لكنه لا يمنحه تذكرة الخلاص من أزماتهالمتراكمة. فمستقبل الاستقرار في إيران لن يتحدد بقدر ما تحققهالاتفاقات الخارجية من مكاسب مؤقتة، بل بمدى قدرة النظام علىالتعامل مع التحديات الداخلية العميقة التي أصبحت العاملالأكثر تأثيرا في تحديد مساره خلال السنوات المقبلة.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت