قبل ان تعرف البشرية قوانين السلام والمحبة وقبل ان تدون المنظمات الدولية مواثيق حقوق الانسان كان اجدادنا قد جعلوا منهما اسلوب الحياة وطريقا اساسه ان الانسان لاخيه الانسان فقد كانت فلسفتنا تقوم على ان القريب هو من قربه الوفاء لا من قربه الدم وحده.
نحن بكل فخر اول شعب في التاريخ عمل بمبدأ التعايش السلمي بالفطرة والصدق ولم تكن هذه مجرد كلمات تقال في المناسبات او شعارات ترفع في الهواء بل كانت افعالا حقيقية تطبق في تفاصيل الحياة اليومية داخل البيوت وفي عمق المزارع وفي زحام الاسواق.
وبقية الشعوب والمكونات من حولنا عندما رأوا جمال هذه الحياة عندنا تعلموا منا هذا الشيء وعرفوا ان القوة ليست في السلاح بل في كيف تكسب قلوب الناس وتجعل الغريب قريبا منك.
والدليل القاطع الذي لا يمكن لاحد ان ينكره هو الكرافة فمبدأ الكرافة هو التعايش بكل جوانبه هو تلك الرابطة العميقة التي تجعل شخصا من طائفة او قومية معينة يصبح اخا لشخص من مكون اخر بمجرد عهد الكرافة هذه العلاقة لم تكن تمثيلا ولا مجاملة بل كانت اقوى من رابطة الدم نفسها فعندما يكرف شخص عند عائلة يصبح واحدا منهم يحميهم بدمه ويشاركونه خبزهم وملحهم وتصبح مصيبتهم مصيبته وفرحهم فرحه.
لكن الحزن الذي يعتصر قلوبنا اليوم هو اننا بدأنا ننسى هذه المعاني العظيمة بالامس كان اجدادنا لا يعرفون معنى الطائفية او العنصرية لان الكريف كان يحمي كريفه ويخاف عليه اكثر من اخيه كانت الكرافة هي الصمام الذي يمنع المشاكل قبل وقوعها فاذا اختلف الناس تدخلت الكرافة بكلمة واحدة فتحل اكبر القضايا كان ذلك زمنا نعيش فيه بقلوب بيضاء واليوم تباعدنا بفعل من خان الزاد والملح.
وفي 3 اب عام 2014 حدث ما لم يتخيله عقل وما لم يقرأه اجدادنا في كتب الوفاء بعد جينوسايد الايزيديين تلك الكارثة التي هزت ضمير الانسانية رأينا اقسى اشكال الخيانة حين طعن الكريف كريفه الايزيدي.
في لحظة غدر سوداء تراجعت هذه العادة الاصيلة الى النسيان بل ذبحت الثقة في مهدها رأينا الويل والدمار على ايدي من كنا معهم على عهد الوفاء لمئات السنين في لحظة واحدة تغير كل شيء وتحول الاخ الى عدو لا يعرف الرحمة وبدلا من ان يكون صدرا يحمي صار يدا تظلم وتنهب وتقتل.
واليوم تمتلئ القاعات بالضجيج وتنعقد الجلسات والندوات والمؤتمرات حول التعايش السلمي توضع النقاط وتصاغ القوانين ويتحدث المتكلمون كأنهم اصحاب الفكرة وكأنهم من اخترعوا السلام والمؤلم انهم يدعون الايزيديين للحضور والمشاركة كأننا بحاجة لنتعلم منهم معنى التعايش وهم لا يدركون اننا اصل الفكرة ومنبعها واننا لم نتخل عنها رغم كل ما مر بنا.
وانتم يا من تنظمون هذه المؤتمرات وتدعون بالتعايش انتم انفسكم لا تأكلون زادنا ولا تشترون بيضنا ولا تأكلون لبننا ولا تقبلون بنا كجزء حقيقي من واقعكم وان كنتم لا تصدقون ذلك فقولوا لنا هل يوجد مطعم ايزيدي واحد في مناطقكم وهل يوجد مخبز ايزيدي او قصاب ايزيدي تترددون عليه بالطبع لا يوجد.
اذن فمن منا الذي يجب عليه ان يلتزم بالتعايش انتم ام نحن ابدأوا بتصليح انفسكم اولا وطهروا قلوبكم من هذه الحواجز ثم ادعونا بالمشاركة في مؤتمراتكم التي اصبحت شعاراتها للتعايش السلمي مجرد ديكور للاعلام فقط بينما في الواقع لا تلتزمون به .
كان الاجدر بهؤلاء ان يقفوا مع انفسهم وقفة صدق وان يقولوا علينا ان نتعلم من الايزيديين كيف صانوا العهود ولم يخونوها كان عليهم ان يعترفوا بانهم لم يقبلوا التعايش يوما وانهم طعنوا عهد الكرافة اما الايزيديون فلا يحتاجون لهذه القوانين لانهم متفقون مع الانسان منذ البداية وهم اصحاب فكرة التعايش الحقيقي عبر التاريخ.
الايزيدي لا يحتاج لندوة ليتعلم كيف يحب جاره او كيف يصون الكرافة فهذه القيم مغروسة في وجدانه منذ الاف السنين نحن من علم الاخرين ان التعايش ليس كلاما يكتب بل قلبا يفتح ورغم الحزن العميق والجراح التي تركها الخائنون في جسد الكرافة سنبقى نفتخر باننا المعلمون الاوائل في فن المحبة حتى لو انكر المنكرون وتناسوا الحقيقة.
نحن اليوم نأمل ان تعود الثقة من جديد لا لاننا نسينا الوجع بل لاننا اصحاب هذا المبدأ العظيم نتمنى ان يدرك الجميع ان الغدر لا يبني وطنا وان خيانة العهد خيانة للانسانية سيبقى مبدأ الكرافة شاهدا علينا ودرسا نحتاجه اليوم لعل الضمائر تستيقظ ولعل الجميع يدرك ان السلام لا يصنع بالورق بل بالعودة الى اصالة القلوب التي عرفها اجدادنا ولم يفرطوا بها يوما.



