يؤكّد برلمانيون في إقليم كردستان، ان الاقليم الذي يتمتّع بحكم ذاتي منذ العام 1992 ويمثل كياناً سياسياً وإدارياً دستورياً، يمر بواحدة من أسوأ مراحله في ظل الانتهاك المتكرر للشرعية القانونية، ومع الصراعات الداخلية على السلطة والامتيازات، التي منعت تشكيل الحكومة الجديدة وعطلت البرلمان، وحولت العديد من المؤسسات الى هياكل بلا عمل
صلاح حسن بابان:
بعكس زملائه، لم يبد مريوان كاروان (54 عاما) الموظف الحكومي في السليمانية، اهتماما بعودة اجتماعات الحزبين الكرديين الرئيسيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، منتصف أيلول/ سبتمبر 2026 لتشكيل الحكومة. يقول “حتى لو تشكلت الحكومة اليوم، فالاقليم لن يعود الى ماكان عليه من قوة وتأثير.. الفرصة التأريخية ضاعت ولن تعود”.
مرت سنتان على انتخابات البرلمان الكردي، دون ان يتمكن الحزبان اللذان حصدا أكبر عدد من المقاعد، من الاتفاق على تشكيل الحكومة في ظل سقف المطالب المرتفع، واصرار كل طرف على الفوز بمواقع في رأس هرم السلطة الى جانب الوزارات الأمنية.
ووفقا لمتابعين للشأن الكردي، لم يقتصر الفشل على تشكيل الحكومة، بل امتد الى وقف أعمال البرلمان الكردستاني المعطل منذ ثلاث سنوات.
يردد مريوان، وهو يهز برأسه:”يتحدثون عن فرصة جديدة لتشكيل الحكومة وكأنه إنجاز قومي، بعد ان تراكمت الأزمات وتعمقت الانقسامات، وبات الاقليم في أضعف حالاته، بلا برلمان حقيقي ولا مؤسسات جامعة، وبهيئات مستقلة معطلة لا تستطيع أداء واجباتها”.
يتابع بلهجة ساخرة:”لم يعقد البرلمانيون في الدورة الجديدة الا جلسة واحدة عام 2024 منحوا فيها الامتيازات والرواتب الضخمة لأنفسهم، وتركوا واجباتهم.. والحكومة تعمل اليوم بلا شرعية قانونية كاملة أو رقابة، وأغلب المؤسسات والهيئات المستقلة انقضت مواعيدها وباتت مجرد هياكل بلا قدرة عمل”.
ويرى مريوان، الذي يعمل في مؤسسة حكومية، براتب يبلغ 650 الف دينار، ان ذلك أدى الى “انتشار فساد جديد مسكوت عنه ومتفق عليه” ويضيف:”كل يوم هنالك نائب معارض يقدم أدلة على عدم وصول ايرادات معابر ودوائر الى الحكومة، يوميا يتساءلون عن مصير تلك الإيرادات، بينما مسؤولو الحكومة حتى لا يكلفون أنفسهم مشقة الرد.. ماذا يعني أن لا ترد على اتهامات الفساد.. غير ان الخراب وصل الى منتهاه؟”.
لا برلمان ولا موازنة ولا أجهزة رقابية
يؤكّد سياسيون وبرلمانيون في إقليم كردستان، ان الاقليم الذي يتمتّع بحكم ذاتي منذ العام 1992 ويمثل كياناً سياسياً وإدارياً دستورياً، يمر بواحدة من أسوأ مراحله، في ظل الانتهاك المتكرر للشرعية القانونية، ومع الصراعات الداخلية بين الأحزاب على السلطة والامتيازات، التي منعت تشكيل حكومة جديدة وعطلت البرلمان، وما يزيد التعقيد هو غياب العمل والقرار المؤسسي، وهو ما سمح بتغول القرار الحزبي وتحويل ادارة قطاعات حيوية الى شركات خاصة.
وجرت انتخابات برلمان اقليم كردستان، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024 ومنذ ذلك الوقت والاقليم بلا حكومة كاملة الصلاحيات، كما ان البرلمان معطل منذ العام 2023، ولم يعقد سوى جلسة واحدة بتاريخ 2/12/2024 أدى خلالها البرلمانيون القسم ثم أغلقوا أبواب البرلمان.
يقول جمال علي، وهو مدون يتابع الوضع السياسي:”الأحزاب وفق دعايتها الانتخابية رشحت أفضل ما لديها من كوادر حزبية فاعلة للبرلمان. لكن هذه النخب الحزبية فضلت الجلوس في منازلها بلا عمل أو موقف أو حراك، كأنهم عمال تحت الطلب، غير مكترثين للعواقب ولا لتعهداتهم الانتخابية”.
ويضيف: “كل ما يهم هؤلاء هو استمرار صرف رواتبهم ومخصصاتهم وامتيازاتهم من (حمايات، وسكن، وغيرها) دون تقديم أي منتج تشريعي أو رقابي، وهو ما يُصنف فقهياً وإدارياً كـ “هدر للمال العام”.
وأدت منهجية العمل السائدة في إقليم كردستان، إلى “ابقاء المشاكل دون حلول، وعدم اكتراث النخبة السياسية بالتداعيات” بحسب علي، الأمر الذي أفضى إلى “تهميش المؤسسات الكردية الجامعة وتغلييب النهج الحزبي في الإدارة على النظام المؤسساتي الحكومي”.
وتسبب تجميد البرلمان، في الغاء أولويات قصوى، على رأسها اقرار قانون الموازنة، فالاقليم بلا محددات انفاق منذ عشر سنوات، ما منع وضع إطار يضمن الشفافية في الايرادات والنفقات، الى جانب تعليق تشريع قوانين مهمة تتعلق بملايين المواطنين، فضلا عن توقف الرقابة على الحكومة.
ويرجع السبب الرئيسي وراء تعطل تشكيل الحكومة، الى تشبث الحزبين الكبيرين (الديمقراطي والاتحاد) بمطالبهما من مناصب عليا وحقائب وزارية، في حين لا يملك أي منهما نسبة الأصوات (50+1) التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا دون الطرف الآخر، فيما التزمت غالبية القوى السياسية الصغيرة التي تملك مقاعد برلمانية، الحياد، ورفضت المشاركة في أي حكومة مقبلة.
وألقت الخلافات السياسية بين الحزبين، بشأن توزيع السلطة واستحصال عائدات المعابر الحدودية، بتداعيات توصف بالثقيلة على اقتصاد الاقليم، مسببة في تعطل مئات المشاريع الحيوية بعضها بنحو كامل، كمشاريع الطرق بين المدن الكردية الرئيسية.
وما زاد من تعقيد الوضع الاقتصادي في ظل ظهور ما يشبه نظام الادارتين الحزبيتين، استحواذ الأحزاب على ايرادات بعض المعابر ونقاط العبور بوسائل مختلفة، وفقاً لاتهامات توجه اليها، ما أدى الى تراجع كبير في الأموال التي تصل الى وزارة المالية. ويقول برلمانيون ان ما تجنيه الأحزاب بات يصل الى ثلاثة أضعاف الإيرادات الرسمية.
فأنعكس ذلك سلباً على حركة الأسواق واطلاق المشاريع وفرص العمل، فارتفعت نسب البطالة خاصة بين الشباب، مع نزوح غير مُعلن لشركات الاستثمار المحلية والأجنبية إلى مناطق أخرى في العراق، وفق ما يؤكده باحثون اقتصاديون.
لكن الأثر الأكبر تمثل في تأخر صرف رواتب الموظفين، إذ لم يتلقوا آخر راتبين للعام 2025، وأكثر من 30 راتبا خلال السنوات العشر الماضية، والقى ذلك بتداعيات سلبية على مختلف القطاعات الأخرى، وعلى معيشة مئات آلاف العوائل بوجود مليون و250 ألف شخص يتلقون رواتب حكومية، من أصل ستة ملايين مواطن في كردستان.
ولم يقتصر أثر الخلافات السياسية الداخلية، على واقع اقليم كردستان الداخلي، بل امتد سلبا الى دور الاقليم في العراق. يقول الكاتب المراقب للشأن الكردستاني حسين اسكندر، ان انقسام الاقليم الى ما يشبه الادارتين، أضعف الكيان الفيدرالي الكردي وأثر على الدور السياسي للإقليم في العراق والمنطقة.
ويشير: “لم يعد الاقليم صانعا للحكومات كما كان قبل 2014 ولا مؤثرا بارزا في مسار اتخاذ القرارات، ولا حتى قادرا على اجبار حكومة بغداد على الالتزام بتعهداتها السياسية او تطبيق البنود الدستورية في القضايا الخلافية.”
انقسامات وشلل في المؤسسات
على الرغم من أن إقليم كردستان، يتمتع بحكم شبه مستقل ضمن الدولة الاتحادية منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلّا أن الكرد لم ينجحوا في الاتفاق على دستور خاص بالاقليم، يحدد هيكلية الحكم وصلاحية السلطات المختلفة، وهو ما أثر على الحياة السياسية وبناء المؤسسات الجامعة.
ومع غياب الدستور، لجأ الحزبان الكرديان الحاكمان، الى قوانين تمرر عبر البرلمان تحدد طبيعة النظام السياسي وتوزيع السلطات وتشكيل الحكومات وسبل تغييرها. وهذه القوانين فشلت بنصوصها الخاضعة للتغيير الدائم من قبل البرلمان، على علاج مشكلة تأخر تشكيل الحكومات وتعطل البرلمان وغيرها.
ومع الفشل في تشكيل الحكومة الكردية الجديدة، لما يصل الى العامين، وهو التأخير الأطول منذ تأسيس الاقليم بسلطتيه التشريعية والتنفيذية عام 1992، امتدت الانقسامات والتعطل إلى مفاصل المؤسسات التشريعية والرقابية والهيئات المستقلة، وأصابتها بحالة شلل مؤسساتي، ما يشكل انكفاءً للمسار الديمقراطي، ومع انكفاء أدوار تلك المؤسسات تعززت الهيمنة الحزبية، وامتدت حتى الى الجهاز القضائي، بحسب العديد من النشطاء والباحثين.
في ظل واقع “لا ميزانية، لا رقابة، لا مساءلة، ومع غياب خطط حكومية محددة بتواريخ انجاز معلنة، بدأت الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية وحتى الاجتماعية تتراكم” كما يقول الكاتب حسين اسكندر “حتى اعتاد الجميع على الأزمات، وباتت ملفات سوء الإدارة والفساد والمحسوبية، أمورا طبيعية، الى جانب ارتفاع الضرائب، وأسعار الوقود وفواتير المياه والكهرباء، والتجارة الحزبية عبر الحدود وعلى نقاط التفتيش الفاصلة بين مواقع سيطرة الاتحاد وسيطرة الديمقراطي”.
مؤسسات بلا رؤساء وقوانين معطلة
تحذر دراسة لمنظمة (ستوب) وهي احدى أبرز المنظمات المدنية في كردستان، من مخاطر تحول حكومة تصريف الأعمال في الاقليم والمستمرة منذ ثلاث سنوات، إلى “أمر واقع” ممتد، بما تحمله من تداعيات سلبية على المجالات السياسية والادارية والتشريعية والاقتصادية، وصولا الى فرض واقع الادارتين المنفصلتين وتهديد كيان الاقليم الدستوري.
ونبهت الى ان تمديد سلطة الأمر الواقع، التي تفتقد الشرعية القانونية، يشكل تهديدا مباشر للنظام المؤسساتي، فالبرلمان بات مغلقا وبغيابه أصبحت الحكومة غير خاضعة للمساءلة، وتعطل تشريع القوانين وتعديلها (أكثر من 30 قانونا تنتظر التعديل) وافتقدت القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية، وفقدت مؤسسات الاقليم مكانتها القانونية، وتحولت الأجهزة الرقابية إلى تابع للقرار السياسي.
ولفتت الى انتهاء الولايات القانونية للمسؤولين في مؤسسات مهمة مثل هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية، والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، الى جانب هيئة حماية البيئة. وأدى كل ذلك إلى تراجع المكانة الدولية للإقليم، وبات الحلفاء الدوليون ينظرون بريبة إلى سلطة تفتقر للشرعية الانتخابية، بالتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة ناتجة عن غياب قانون الموازنة، ما تسبب في ركود الأسواق وتجميد المشاريع التنموية، وفقا للدراسة.
يحدث كل ذلك في الوقت الذي يكافح فيه نحو مليون و250 الف موظف ومتقاعد، في كردستان لتلبية متطلباتهم المعيشية الأساسية، معتمدين على رواتبهم الحكومية.
بينما يعاني غير الموظفين ممن يعملون في قطاعات خدمية بنحو أكبر وهم يجدون أنفسهم في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، على حافة الفقر، كلما تأخرت عملية صرف الرواتب من قبل الحكومة الاتحادية والتي تؤثر على حركة السوق والأعمال.
في ظل غياب شبه تام للقطاعات الانتاجية في الاقليم، ومشاكل كبيرة في القطاع النفطي نتيجة سيطرة الشركات الاستثمارية عليه وايقافها للإنتاج مع كل توتر أمني، كما حصل خلال فترة الحرب بين امريكا وايران منذ شباط فبراير 2026، حيث تعطل الانتاج بنسبة تصل الى 70% ولم يعد الى الآن الى سابق مستواه.
وخلصت الدراسة الى ان الواقع السائد في كردستان، يهدد بعودة الإقليم إلى عهد “الإدارتين” التي سادت في منتصف تسعينات القرن الماضي، وتعميق الانقسام الجغرافي والإداري، فضلاً عن إجهاض العملية الديمقراطية، وصولاً إلى تهديد بقاء الإقليم ككيان دستوري معترف به اتحادياً.
وينقسم الاقليم الى “منطقة صفراء” نسبة إلى شعار الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يطغى عليه اللون الأصفر، تضم كامل محافظة دهوك الى جانب الجزء الاكبر من محافظة أربيل، حيث يبسط الديمقراطي نفوذه العسكري والأمني والاقتصادي عليها. و”منطقة خضراء”، نسبة إلى شعار الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يطغى عليه اللون الأخضر، وتضم كامل محافظة السليمانية الى جانب حلبجة وأجزاء من محافظتي أربيل وكركوك، وحيث القرار الأمني والاقتصادي الأول والأخير يعود للاتحاد.
ويحتفظ كل حزب بقوة بيشمركة خاصة به رغم الاعلام الرسمي عن توحيد كامل قوات البيشمركة تحت جناح وزارة البيشمركة، حيث تم توزيع البيشمركة من الحزبين كل في منطقة جغرافية محددة باسم (المنطقة الاولى والمنطقة الثانية) وهو ما يعني تلقي الضباط الذين جندوا منذ البداية على أساس حزبي، تعليماتهم من قيادات حزبية وان اختلفت الهيكلية.
348
ضحايا الانسداد السياسي!
تُعد الأجهزة الرقابية المعنية بتقييم الأداء العام وتثبيت قيم الشفافية والعدالة، الضحية الأكبر لحالة الانسداد السياسي. وعلى الرغم من تباين مهام هذه المؤسسات، إلا أنها تعاني من معضلتين رئيسيتين وهما: انتهاء المدة القانونية لولاية رؤسائها، والحاجة الملحة لتعديل قوانينها الخاصة عبر البرلمان من اجل تفعيل عملها. ومن تلك المؤسسات والأجهزة:
هيئة النزاهة: تأسست الهيئة بموجب القانون رقم (3) لسنة 2011 ككيان خاضع لرقابة البرلمان وبموازنة مستقلة مفترضة. واليوم تواجه شللاً تاماً يبرز في:
فراغ القيادة: انتهت الولاية القانونية لرئيس الهيئة منذ نيسان 2018، ورغم مطالبته الرسمية لثلاث مرات متتالية بحسم الملف، لم يتلقَ رداً.
احتجاز التقارير وتجميد التشريعات: بقيت التقارير الدورية حبيسة الأدراج لغياب اللجان البرلمانية، كما جُمدت مقترحات تعديل قانون الهيئة لفض اشتباك الصلاحيات.
العجز المالي والخططي: حُرِمت الهيئة من التخصيصات المستقلة لعدم إقرار الموازنة العامة، وتسبب الوضع في تعذر إقرار “الاستراتيجية الوطنية الجديدة لمكافحة الفساد”، والاعتماد على استراتيجية سابقة تعاني تباطؤاً حاداً في التنفيذ.
ديوان الرقابة المالية: يمارس الديوان مهامه بموجب القانون رقم (2) لسنة 2008، ويرتبط بالبرلمان مباشرة. وقد أدى الشلل السياسي إلى شل حركته من خلال:
شغور منصب الرئاسة: أُحيل رئيس الديوان إلى التقاعد في أيار 2023، وبما أن تعيين البديل حصري بالبرلمان، بات المنصب شاغراً.
تعطيل لجان التدقيق والتحقيق: نظراً لأن إيفاد لجان التدقيق وتشكيل لجان التحقيق في ملفات الفساد والهدر المالي يتطلب توقيعًا وأمراً مباشراً من رئيس الديوان حصراً، فإن المؤسسة عاجزة اليوم عن أداء مهامها قانونياً.
غياب الرقابة المالية: غدت المعاملات المالية لحكومة الإقليم (الإيرادات والمصروفات) تفتقر إلى التدقيق السنوي الشامل والغطاء القانوني السليم، مما خلق فجوة مؤسساتية مدمرة.
الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان: تأسست بموجب القانون رقم (4) لسنة 2010 لحماية الحريات، وتعاني حالياً من:
انتهاء الولاية: انتهت مدة رئيس الهيئة في تموز 2025، دون إمكانية لتجديد الثقة أو التصويت على بديل.
تجميد القوانين وفقدان التنسيق: جُمد تعديل قانون الهيئة وستة قوانين أخرى ذات صلة بحقوق الإنسان، وانقطع التنسيق مع اللجان البرلمانية المختصة، مما أفقد الهيئة القوة الرقابية اللازمة للحد من الانتهاكات ومساءلة الحكومة.
هيئة حماية وتحسين البيئة: تخضع مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء بموجب القانون رقم (3) لسنة 2010، وتعاني من:
الفجوة الإدارية: بعد إحالة رئيسها إلى التقاعد في آذار 2025، تُدار الهيئة “بالوكالة”، مما أوقف الاجتماعات الدورية لمجلس الإدارة وعطّل معاملات المواطنين الخاصة بالموافقات البيئية للمشاريع.
تراجع التنسيق وتجميد التعديلات: حُرمت الهيئة من إقرار مسودة تعديل قانونها لفك اشتباك الصلاحيات مع المؤسسات الأخرى، ممّا أدى إلى تراجع العمل المشترك محلياً ودولياً.
العودة إلى الإدارتين أمام المجتمع الدولي
يرى عضو برلمان إقليم كردستان عن حركة (الجيل الجديد) عدنان السيد حسين، إن الإقليم يعيش أزمة شرعية مؤسساتية يصفها بالخطيرة، مع انتهاء عُمر الحكومة الحالية منذ 2023، وتعطل البرلمان منذ نهاية العام 2024، وهو ما انعكس على عمل المؤسسات التي لم تعد تعمل ضمن الإطار الطبيعي للتفويض الديمقراطي، وهذه ليست مجرد مشكلة إدارية، بل أزمة في شرعية ممارسة السلطة.
ويشير إلى أن انتهاء مدد المؤسسات المستقلة والرقابية دون تجديدها، أضعف منظومة الرقابة والمساءلة، لافتا إلى أنه عندما تنتهي ولاية هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وهيئة حقوق الإنسان والبيئة وغيرها، ولا تُعاد شرعنتها وفق القانون، تصبح الرقابة على السلطة ضعيفة، ويصبح القانون انتقائياً، وهذا يفتح الباب أمام الفساد وسوء الإدارة وتغول السلطة التنفيذية، على حدّ قوله.
ولا يقتصر التأثير على ذلك، بل يمتد الى صورة اقليم كردستان أمام المجتمع الدولي. يقول السيد حسين أن “الصورة القانونية والمؤسساتية للإقليم تضررت بشكل كبير، خاصة ان الحلفاء من الدول الغربية ينظرون إلى استقرار المؤسسات وسيادة القانون باعتبارهما أساساً للشراكة، واستمرار تعطل المؤسسات يعطي انطباعاً بأن المسار الديمقراطي في الإقليم يعاني من انحراف وأزمة عميقة، وهذا يضعف الموقف السياسي والاقتصادي للإقليم”.
ويُحذر من تداعيات غياب المؤسسات الجامعة، بما فيها تراكم عوامل عودة كردستان إلى نموذج الإدارتين. ويضيف: “عندما تضعف مؤسسات الإقليم وتتعطل الرقابة والتشريع، تتعزز الإدارة الحزبية والمناطقية، ويزداد الانقسام السياسي والاقتصادي”.
من جانبه، يقول الكاتب والصحفي سرتيب جوهر، ان ما يشهده الاقليم هو حالة استثنائية وغير مسبوقة، تتمثل في استمرار حكومة انتهت ولايتها القانونية منذ العام 2023، لكنها تمارس مهامها، وهذه الحالة لا تجد توصيفًا دستوريًا أو قانونيًا واضحًا، لأنها تقع خارج الأطر الزمنية التي حددها القانون لتنظيم عمل السلطات.
والمثير للجدل، بحسب جوهر، أن الحكومة، رغم انتهاء ولايتها، لا تعمل بوصفها حكومة تصريف أعمال، بل تواصل ممارسة صلاحياتها التنفيذية بصورة تكاد تكون كاملة، وهو ما يثير نقاشا سياسيا وقانونيا واسعا حول حدود شرعيتها وآليات استمرارها.
ويرى أن انتهاء عُمر والمدد القانونية للمؤسسات المستقلة مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والأجهزة الرقابية الأخرى، انعكس سلباً على أداء مؤسسات الإقليم سواء التنفيذية منها أو التشريعية والرقابية وهو ما أثر على مستوى الأداء الحكومي بنحو عام.
ويشير إلى أن البرلمان الكردي معطل، ولا يستطيع ممارسة دوره الرقابي على التشكيلة الوزارية الحالية -التي لم تنل ثقته أصلا- كما أنه عاجز عن استئناف أعماله بسبب عدم استكمال انتخاب هيئة رئاسته وإنجاز الإجراءات القانونية اللازمة لبدء اعماله.
كما أن عدداً من الهيئات الرقابية المرتبطة قانونيا بالبرلمان، والتي تمثل العمود الفقري لمنظومة الرقابة في الاقليم انتهت ولاية رؤسائها منذ مدة طويلة، ولم يُنتخب بدلاء عنهم حتى الآن، وهذا الواقع حدّ من قدرة هذه المؤسسات على أداء مهامها.
وينبه جوهر الى ان استمرار الحكومة بدوائرها المختلفة في إدارة شؤون الإقليم في ظل غياب البرلمان وتعطل العديد من أدوات الرقابة، خلق حالة من الفراغ المؤسسي، وأضعف مبدأ التوازن بين السلطات والمساءلة، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة المواطنين بالمؤسسات.
من يربح من انقسام كردستان؟
يقول الباحث الاقتصادي د. كاروان حمه صالح، إن غياب المؤسسات والهيئات التشريعية والرقابية في كردستان، يضع الاقليم في وضع حرج ليس داخليا فقط بل أيضا إقليمياً ودولياً، فهو يُضعف مصداقيته لدى الآخرين، ليس السياسيين فقط بل أيضا المستثمرين الأجانب، بما يؤثر على فرص التنمية والتطور.
ويشير الى الضرر الاقتصادي الناجم عن عدم معرفة حجم الواردات الداخلية وحركة “الأموال غير الرسمية”، في ظل استحواذ أحزاب على جزء كبير منها، مبينا أن المستفيد الأول من تعطيل المؤسسات في كردستان هم أعداء الكرد وايضا “شبكات الفساد التي تتلاعب بأموال الإقليم وإيراداته وبالتالي مصيره، وفق مصالحها الخاصة”.
وبحسب وصف الأكاديمي الاقتصادي الكردي، فان ذلك يعد “أسوأ أنواع الفساد” حتى بالمقارنة مع الفساد المستشري في العراق، كونه “فساد منظم وممنهج” لا يخضع لعقود العمل الطبيعية في ظل غياب الرقابة المالية.
ويقول ان أجواء العمل هذه تشجع على استمرار “العقود غير الرسمية” التي تخدم مصالح أحزاب أو أشخاص، فضلاً عن إخضاع الوزارات والمؤسسات لسيطرتهم واستغلال إيراداتها، محققين أرباحاً طائلة.
اقليم دستوري لكن بهياكل معطوبة
تعلق د. سانا كمال عبدالله، وهي مستشارة قانونية في محاكم الاقليم، على “التوصيف القانوني” لواقع الاقليم، بالقول انه من الناحية الدستورية، يمكن التمييز بين وجود كردستان بوصفه كيانا دستوريا اتحاديا وبين انتظام المؤسسات في ممارسة سلطاتها داخله.
وتوضح ان إقليم كردستان “لا يستمد وجوده من استمرار حكومة معينة أو برلمان معين وإنما يستمد مركزه مباشرة من الدستور العراقي، لا سيما المادة 117 التي أقرت وجود إقليم كردستان، فضلا عن المادة 121 التي أقرت للإقليم سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية”.
ولذلك، وبحسب سانا، فإن انتهاء مدة الحكومة أو البرلمان أو رئاسات الهيئات المستقلة لا يؤدي بذاته إلى زوال الإقليم أو فقدانه صفته الدستورية، فالحكومة قد تنتهي ولايتها لكن الإقليم لا ينتهي، والبرلمان قد يدخل في مرحلة انتقالية لكن السلطة التشريعية لا تختفي.
وتستدرك :”لكن المسألة تصبح حساسة جدا عندما يطول عدم الانتظام المؤسسي، لأن الخلل هنا لا يصيب وجود الإقليم وإنما يصيب قدرته على ممارسة اختصاصاته الدستورية بصورة منتظمة ومشروعة.
وتشير إلى ان “الخطر القانوني الحقيقي يتمثل في استمرار حالة عدم الانتظام المؤسسي من دون معالجة قانونية واضحة، بما قد يؤدي إلى إضعاف ممارسة الاختصاصات الدستورية وإثارة إشكالات بشأن مشروعية بعض القرارات والتصرفات الصادرة من أشخاص انتهت ولاياتهم”.
وبشأن سبل تجاوز معضلة انتهاء المدد القانونية لرؤساء المؤسسات، تجيب سانا :”الحل القانوني لا يكون عبر تمديد ولايات رؤساء الهيئات الرقابية، وإنما يبدأ من مبدأ استمرارية عمل المرافق العامة وعدم جواز أن يؤدي الخلاف السياسي إلى فراغ مؤسسي”.
وتضيف :”يجب الرجوع إلى القوانين النافذة لكل هيئة، لمعرفة ما إذا كانت تتضمن آلية لاستمرار العمل أو انتقال الاختصاص إلى نائب الرئيس أو عضو آخر أو جهة محددة قانونا. فإذا كان هناك نص من هذا النوع، فيجب تطبيقه، من دون الحاجة إلى تمديد ولاية الرئيس”.
وتشير إلى أنه إذا “خلا القانون من مثل هذه الآلية، فلا يجوز ببساطة اختراع تمديد إداري غير موجود في القانون، لأن ذلك قد يصطدم بمبدأ المشروعية. وفي هذه الحالة يكون الاتجاه القانوني الأكثر سلامة هو تفسير النصوص القائمة بما يضمن استمرارية المرفق العام، مع حصر الأعمال في الحدود الضرورية التي تمنع تعطيل الهيئة، إلى حين عودة السلطة التشريعية إلى الانتظام وتمكينها من معالجة الوضع تشريعيا”.
وتقول د. سانا، ان هذا المنطق يجد دعما في اجتهاد المحكمة الاتحادية العليا التي أكدت، في سياق حكومة تصريف الأمور اليومية، أن “استمرار عمل المرافق العامة ومنع شلل الدولة غاية قانونية معتبرة، مع ضرورة تقييد السلطة الانتقالية بحدود الأعمال التي تقتضيها استمرارية المرافق العامة”.
وتنبه المستشارة القانونية، الى أهمية عدم تحول الفراغ التشريعي إلى فراغ مؤسسي “عدم قدرة البرلمان على ممارسة اختصاصه، لا يمنح السلطة التنفيذية صلاحية تعديل القوانين أو تمديد الولايات من تلقاء نفسها، لكنه في الوقت نفسه لا يبرر تعطيل الهيئات الرقابية”.
ولذلك ينبغي أن يستمر عمل الهيئة في الحدود التي يسمح بها قانونها مع تجنب القرارات التي تتجاوز الوظيفة الانتقالية، وهذا يحقق بحسب د.سانا، التوازن بين مبدأين: عدم السماح للخلاف السياسي بتعطيل مؤسسات الدولة، وعدم السماح للضرورة السياسية بأن تتحول إلى وسيلة لتجاوز القانون.
علي حاجي، وهو حقوقي من السليمانية، يرى إن “المعضلة الأكبر” التي تعيشها كردستان، لا تكمن في مجرد غياب الحكومة والبرلمان وتعطل المؤسسات، بسبب مصالح حزبية، ولا في نتائج تلك الغيابات من ضياع للإيرادات العامة وتعثر المشاريع وارتفاع تكاليف الخدمات والمحروقات وفواتير الكهرباء “بل في ضرب الشرعية القانونية والدستورية للمؤسسات والهيئات المستقلة، وبالتالي ثقة الناس بها”.
يقول:”طوال سنوات تم تغذية فكرة ان الشرعية القانونية يمكن انتهاكها دون عواقب، وان ايقاف عمل البرلمان أو تمديد مدته ليست مشكلة، وان تعطل المؤسسات التي يفترض أن تراقب وتحاسب أو تدافع عن الحقوق، ليس معضلة. وهكذا انتهت ولاية العديد من الهيئات دون أن يسأل أحد عن ما يعنيه ذلك؟”.
يصمت للحظات، قبل ان يتابع:”نجحوا في حصر حلم المواطن الكردي في مجرد تلقي راتبه الشهري، وبعض الخدمات الأساسية، مقابل التنازل والقبول بكل شيء آخر”.
يضيف وهو يرفع صوته:”صرنا نقبل بكل شيء، ونصمت عن الانهيار الحاصل.. تفريغ البرلمان والمؤسسات من وظيفتها.. ضياع المال العام، تضخم ثروات البعض دون حساب، تسليم قطاعات مهمة لشركات خاصة تجني الملايين، وتحويل المؤسسات الى مجرد هياكل بلا وظيفة فعلية!”.
#العراق #nirij #نيريج



