إنّ المشاريع الاستراتيجية الكبرى لا تُبنى بالأموال والإمكانات المادية وحدها، بل تحتاج إلى عقولٍ مؤمنة بأهمية العلم، وقياداتٍ تمتلك الرؤية والإرادة، وشخصياتٍ تحظى بثقة المجتمع واحترامه، فتستطيع أن تجمع حولها أصحاب الكفاءات والقدرات المختلفة للمساهمة في تحقيق أهدافها.
ولعلّ تجربة تأسيس جامعة دهوك في بداية التسعينيات من القرن الماضي خير شاهدٍ على ذلك، حين بادر الدكتور عصمت محمد حجي خالد إلى حمل مسؤولية تأسيس هذا الصرح العلمي الكبير، في مرحلةٍ كانت فيها المنطقة تمرّ بظروف أمنية وعسكرية وسياسية ودولية بالغة التعقيد، وتواجه تحدياتٍ صعبة على مختلف المستويات.
لقد استطاع الدكتور عصمت، بما امتلكه من خلفية علمية رصينة، وقدرات قيادية متميزة، ومشاعر إنسانية وأخلاقية عالية، أن يحوّل فكرةً طموحة إلى مشروعٍ علمي واستراتيجي، وأن يستقطب حولها أصحاب الكفاءات والقدرات المالية والعلمية والاجتماعية والدينية والعسكرية، الذين آمنوا بأهمية هذه المهمة، وشاركوا في تحمّل أعبائها المادية والمعنوية، وأسهموا في إنجاحها بكل ما استطاعوا تقديمه من دعمٍ ومساعدة.
واليوم، وبعد مرور عقودٍ على تلك الجهود، نجني ثمار ذلك المشروع الكبير، من خلال آلاف الخريجين الذين يحملون الشهادات الجامعية بمختلف الدرجات والاختصاصات، ويسهمون في بناء المجتمع وخدمة مؤسساته. وهكذا أصبحت جامعة دهوك شاهداً حياً على أنّ الأفكار الصادقة، حين تقترن بالإرادة والعمل المخلص، تتحول إلى إنجازاتٍ تستفيد منها أجيالٌ متعاقبة.
ولا يقتصر دور الدكتور عصمت على تأسيس هذا الصرح العلمي، بل امتدّ إلى مجالاتٍ أخرى ذات أهمية استراتيجية، من بينها إسهاماته العلمية والاستشارية والهندسية في مشروع إيصال مياه الشرب الصافية إلى محافظة دهوك وقضاء سميل ومجمع خانك، انطلاقاً من موقع جم بركات، وهو مشروعٌ يمسّ حياة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية، ويؤكد أهمية توظيف العلم والخبرة في خدمة الإنسان.
كما لا يمكننا، نحن الإيزيديين، أن ننسى موقفه الإنساني والوطني حين فتح أبواب جامعة دهوك أمام الطلبة الإيزيديين الذين تعذّر عليهم مواصلة دراستهم في جامعة الموصل وغيرها من الجامعات العراقية، نتيجة الأحداث المأساوية والجرائم الإرهابية التي ارتكبتها عصابات داعش بحق شعبنا. لقد كان ذلك موقفاً يعكس الإحساس بالمسؤولية الإنسانية، والإيمان بحق الإنسان في التعليم، بعيداً عن أي تمييز.
واليوم، يأتي إطلاق اسم «مكتبة الدكتور عصمت» على إحدى المكتبات العلمية تكريماً مستحقاً لهذه المسيرة الحافلة بالعطاء، وتقديراً لجهوده التي تركت بصمات واضحة في ميادين العلم والتنمية وخدمة المجتمع.
وبهذه المناسبة، نتقدم إليه بأحرّ التهاني والتبريكات، متمنين له دوام الصحة والعطاء، ومؤكدين أنّ تكريم أصحاب الإنجازات ليس مجرد احتفاءٍ بشخصياتهم، بل هو اعترافٌ بقيمة العمل المخلص، ورسالةٌ للأجيال القادمة بأنّ العلم والإخلاص وخدمة الإنسان هي الطريق الحقيقي إلى المجد والخلود.
فالألقاب قد تنتهي، والمناصب قد تزول، لكن الإنجازات التي تُبنى لخدمة الإنسان والوطن تبقى شواهد حيّة في ذاكرة الشعوب وضمائر المخلصين.
ألف مبروك للدكتور عصمت محمد حجي خالد هذا التكريم المستحق، وكل التقدير والاحترام لكل من أسهم في تأسيس جامعة دهوك، ودعم مسيرتها العلمية، وترك بصمةً مشرقة في تاريخ المنطقة ومستقبل أجيالها.





