تجاوزت الخلافات السياسية في إقليم كردستان العراق بشأن تأخر تشكيل الحكومة الكردية العاشرة واحياء البرلمان المعطل، حدود الصراع الحزبي الى التدمير الذاتي للاقليم، نتيجة استمرار تمسك الأطراف الرئيسية بمصالحها الخاصة وقائمة مطالبها من المواقع القيادية.
بعد عام وثمانية أشهر من الفشل في تشكيل الحكومة الكردية وفق نتائج انتخابات تشرين الأول اكتوبر 2024، ومع غياب الموازنات المالية منذ سنوات، وتعطل مئات المشاريع وتأثر الخدمات وارتفاع أسعار السلع الأساسية في ظل تعدد مصادر جباية الرسوم، ارتفعت بشكل غير مسبوق كلف المعيشة، وبات المواطن الكردي يدفع مباشرة فاتورة الصراع الحزبي على “كعكة السلطة” وسط انقسام واضح يعيشه الاقليم الى ادارتين على أساس السلطة الحزبية.
ودخل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، اللذين يستحوذان على السلطة والمال والمشاريع، وحصدا أعلى المقاعد في انتخابات برلمان كردستان 2024، عدة جولات تفاوض لتشكيل الحكومة دون التوصل الى اتفاق على توزيع المناصب الرئيسية، خاصة مواقع رئيس الاقليم ورئيس الحكومة ورئيس مجلس أمن كردستان ووزارة الداخلية.
ويرى مراقبون أن أزمة تأخر تشكيل حكومة كردستان، وعدم اكتراث الحزبين بالواقع السياسي والاقتصادي في كردستان، واصرارهما على مصالحهما وان جاءت على حساب كيان الاقليم ووحدته وتنميته، تجاوز كل الحدود، ومعه بات “واقع التقسيم” إلى منطقتين مختلفتين من حيث النفوذ والإدارة، حاضرا بقوة، مع تخلي الحزبين عن العمل على اي برامج لاعادة توحيد المؤسسات الرسمية أو وضع رؤية استراتيجية للادارة المشتركة الرشيدة وانعاش الحياة السياسية والاقتصادية في الإقليم.
المواطن أمام معادلة الأزمة السياسية
ساهمت الخلافات المحتدمة، بين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، بشأن تشكيل الحكومة، في تعميق الأزمة الاقتصادية التي بدأت منذ سنوات نتيجة تعثر توزيع الرواتب، لتحمل آثار مباشرة على حياة المواطنين، خاصة مع ارتفاع أسعار (البنزين) مسجلة أرقاما توازي المسجلة في بعض الدول الأوربية، دون أي حلولٍ من السلطات الحكومية المحلية. وتسبب ذلك في ركودٍ بحركة الأسواق، ألحق أضرارا بأصحاب الأعمال والتجار.
ويرى مراقبون أن أزمة تأخر تشكيل حكومة كردستان، وعدم اكتراث الحزبين المستحوذين على السلطة والمال والمشاريع، بواقع الاقليم، واصرارهما على مصالحهما وان جاءت على حساب كيان الاقليم ووحدته وتنميته، تجاوز كل الحدود، ومعه بات “واقع التقسيم” إلى منطقتين مختلفتين من حيث النفوذ والإدارة، حاضرا فعليا، مع تخلي الحزبين عن العمل في اي برامج لتوحيد المؤسسات الرسمية ووضع رؤية استراتيجية للادارة المشتركة الرشيدة وانعاش الحياة السياسية والاقتصادية في الإقليم الكردي.
بالتزامن مع الأزمة السياسية والركود الاقتصادي والتجاري في كردستان، ماتزال أسعار الكهرباء تسجل أرقاما مرتفعة تتجاوز القدرة المالية للمواطن الكردي، خاصةً من فئة الموظفين والعمال.
كما تستمر سياسة الاستيراد والتصدير خارج المعابر الحدودية الرسمية، وجباية الضرائب خارج نطاق سلطة الحكومة، ومن خلال سلطة وسيطرة الأحزاب.
ونتيجةً لذلك، يواجه الإقليم الكردي صعوبة في تحقيق ربع الإيرادات المالية الشهرية التي كان يجنيها قبل عامين، وهو ما أثر على انجاز مئات المشاريع في قطاعات مختلفة من التربية الى الصحة والطرق والمياه.
انتخابات على الورق وجلسة لمنح الامتيازات
كان الإقليم الكردي، أجرى انتخابات الدورة السادسة لبرلمانه في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، ولكن منذ ذلك الحين لم يعقد البرلمان سوى جلسة واحدة- في نهاية عام 2024- تضمنت أداء الأعضاء اليمين الدستورية ومنح انفسهم رواتب وامتيازات عالية، دون عقد أي جلسة لاحقة.
في حين لا تزال القوى السياسية النافذة (التي لا تملك اي منها نصف زائد واحد) ترفض التنازل عن سقوف مطالبها لتشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان المعطل، وتصر على الفوز بمواقع أمنية وسياسية في أعلى هرم السلطة، وهو ما أوقف الحوارات وعمليات التفاوض منذ أشهر، وسط غياب أي مؤشرات على قرب انتهاء الأزمة.
وزادت الأزمة تعقيدا بعد توقيع اتفاق بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة الجيل الجديد، في تموز يوليو، تحت مسمى “الازدهار والتوازن” بهدف توحيد مواقف الطرفين داخل الإقليم وأمام البرلمان الاتحادي. وهو ما جعل مقاعد الطرفين (38 مقعدا من أصل 100) تقارب مقاعد الديمقراطي الكردستاني (39 مقعدا).
وتضمن الاتفاق عدة بنود سياسية وإدارية، لكن الأهم فيه هو تمكينهما بالعمل ككتلة سياسية واحدة وللتفاوض “كطرف واحد” مع الديمقراطي الكردستاني حول المناصب والاستحقاقات.
الاتفاق وضع الديمقراطي الكردستاني، في زاوية حرجة حيث فقد فرصة التفاوض تحت سقف عدد مقاعده الكبيرة، وأعلن رفضه التفاوض مع مطالب الجانبين في حزمة واحدة، ووصف تحالفهما بأنه مبني على أساس “معاداة” الديمقراطي فقط، وبدعم من أطراف داخل بغداد وأخرى إقليمية.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تعميقا للأزمة السياسية مع تحركات لقوى كردية معارضة في بغداد، لسحب صلاحيات اقتصادية من حكومة اقليم كردستان، ومع اعلان الجيل الجديد عن سعيه لاسقاط الحكومة الحالية لافتقاد شرعية استمرارها.
تصريحات.. تعثر حوارات.. ومواقف تصعيدية
– بعد تبادل رسائل ومفاوضات غير مباشرة امتدت لأسابيع، لم تثمر جهود قوى كردية معارضة للتوسط وتقريب وجهات النظر بين الحزبين الحاكمين، عن اتفاق او حتى توافق على عقد جلسة قريبة تضم كل القوى الكردية.
– الديمقراطي الكردستاني، رفض المطالب التي قدمها الاتحاد الوطني، بوصفها تعجيزية. والاتحاد الوطني رفض الشروط التي حددها الديمقراطي،
رئيس حراك الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد:
– ليس لدينا وقت للحديث بالطريقة التي تتحدث بها أحزاب تدعي أنها معارضة.. الحل الوحيد للخروج من الوضع الراهن هو الإطاحة بالحكومة الحالية. يمكن تحقيق ذلك من خلال العمل المشترك مع باقي القوى السياسية.
– حركتنا مع الأطراف الكردية الأخرى تملك 60 مقعدا في برلمان الإقليم، لذا ندعو أي قوة ترغب في انهاء الوضع الحالي وتحسين واقع كردستان، ان تنضم إلينا في إسقاط الحكومة عمليا.
– لن نجتمع مع الحزب الديمقراطي ما لم يعترف بالتحالف المبرم ما بين الجيل الجديد والاتحاد الوطني.
– لولا التحالف والاتفاق بين الجيل الجديد والاتحاد الوطني، لتمكن الديمقراطي من السيطرة على جميع المناصب المهمة، وفعل ما يريد.
المحلل السياسي بلال خياط:
– أزمة تأخر تشكيل حكومة كردستان تجاوزت جميع الحدود، وتداعيات الخلافات بين الحزبين، لم تقتصر على الانسداد السياسي، بل أثرت على الواقع الاقتصادي والمعيشي.
– الحكومات المتعاقبة، منذ تأسيس نظام الحكم في الاقليم لم تُشكّل بهدف خدمة المواطنين أو تحقيق التنمية، بل قامت على أساس تقاسم النفوذ والمصالح الحزبية.
– الصراع بين الحزبين، لا يرتبط بخدمة المواطنين، وإنما لأجل تقاسم السلطة والمكاسب، الأمر الذي أدى إلى تقسيم الإقليم فعلياً إلى منطقتي نفوذ، وخلق رؤيتين وإدارتين مختلفتين.
– أي من الحزبين لا يستطيع تشكيل الحكومة بمفرده، والحل يتمثل في حل برلمان الإقليم وإجراء انتخابات مبكرة. أدعو أعضاء البرلمان إلى تقديم “استقالة جماعية” تمهيداً لذلك.
لجنة العمل المشترك ليسار كردستان:
تضمّ (الحزب الشيوعي الكردستاني، حزب الكادحين الكردستاني، الحركة الديمقراطية الشعبية الكردستانية)
– الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، استحوذا على السلطة من خلال انتخابات شكلية، والحكومة بدلاً من أن تخدم الجماهير، استخدمت لخدمة الحزبين والنافذين فيهما.
– طوال حكم الحزبين، كانت الأزمات تعالج من خلال اثارة أزمة جديدة.
– نقص وارتفاع سعر الوقود، بسبب سياسات الحزبين، أحدث شللا في حركة السوق. والناس تدفع الثمن.. إذا لم يتم تصحيح الاوضاع سنلجأ إلى تحريك الشارع.
السياسي المعارض إسلام زيباري:
– الأوضاع المعيشية لمواطني كردستان تدهورت بنحو غير مسبوق، نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار البنزين والغاز والكهرباء، ومع استمرار مشكلة الرواتب، وتفشي البطالة، إلى جانب هيمنة الشركات الحزبية على مفاصل الاقتصاد، وارتفاع الضرائب والرسوم.
– فشلت الحكومة في تأمين رواتب موظفيها بشكل منتظم منذ العام 2014، وفشلت في إدارة ملف النفط، الذي أغرق الإقليم بديون بمليارات الدولارات، اضافة إلى سوء إدارة المنافذ الحدودية التي لم تعد تذهب وارداتها للحكومة وخدمة الشعب، بل لمصلحة شركات وجهات حزبية.
– هذا التدهور المعيشي، يترافق مع شلل سياسي يتمثل في تعطّل البرلمان وتأخر تشكيل الحكومة، رغم مرور نحو عامين على الانتخابات.
– وصل الوضع في كردستان الى مستوى، بات كثيرون يتمنون أن تلحق رواتبهم ببغداد، وأن تكون ادارة ملف النفط وحتى المنافذ الحدودية مرتبطة ببغداد لا أربيل.
نيريج



