إذن الشيخ آدي بن مسافر وعائلته وجميع الذين صاحبوه من (بيت فار) إلى لالش، لم يكونوا أناساً طارئين على المنطقة التي قدموا اليها، ولا لاجئين ولا فارين من سلطة العباسيين ليتركوا بعلبك في أرض الشام إلى (الملاذ) لالش!! كما أن الادعاء بأن هؤلاء دعوا إلى إحياء الدولة الأموية، ادعاء عار عن الصحة، فلم نسمع في التاريخ بأن متصوفين كبار، ومن ضمنهم (الشيخ آدي)، قادوا ثورات ودعوا إلى احياء دول بقدر نظرتهم الخاصة إلى الكون والخليقة وموقفهم من العالم وعلاقتهم مع الخالق!! أما بشأن ما يطرح من بعض الكتبة بالإنتماء الأموي أو العربي لهذه العائلة، نود أن نناقش ذلك بالمنهج العلمي، أي بالدليل والحجة التي لا تقبل الشك مقابل التعصب والنظرة القومية الضيقة والعاطفة الوجدانية. وهنا ألتجأ إلى أحدث الاكتشافات العلمية وهو علم الجينات، وإلى مؤسس علم جينولوجيا الحمض النووي (DNA) البروفيسور أناتولي كليوسوف (Anatoly Klesov) في كتابه (الإنسان بين العلم والاسطورة/ شجرة النسب/والتاريخ الجيني للإنسان، ترجمة عبد الله أحمد) وكذلك في مقابلة معه من قبل الاعلامي (خالد رشد) في برنامج من الذاكرة. وفي معرض حديثه إلى الآريين، نلخص ما يهم موضوعنا:
يقول بأن الآريين سلالة قديمة جاءوا إلى شمال الهند قبل (3500 ق.م) وذلك من خلال استناد المؤرخين إلى معطيات علم الآثار ودراسة وتحليل الحمض النووي (DNA) لرفات المجموعة الفردانية (R1A) المكتشفة عند البشر القدماء في أراضي السهل الروسي التي تمتد من بحر البلطيق غرباً حتى جبال الأورال شرقاً، ومن البحر الأسود شمالاً إلى بحر قزوين جنوباً، تبين أنه ثمة سلالة ما في قديم الزمان حمل أبنائها المجموعة الفردانية (R1A). ومن المعروف أن هذه المجموعة الفردانية هي طفرة من المجموعة الفردانية (R1)، وهي بدورها مجموعة متفرعة من المجموعة (R). اما المجموعة الأقدم (R) فقد اكتشفت في رفات صبي عاش في جنوب سيبيريا قبل 24000 أربعة وعشرون ألف سنة قبل الميلاد. هذه اللقية عثر عليها أثناء التنقيب في واحدة من أقدم أماكن تواجد الانسان تقع عند مقربة من قرية مالتا إلى الغرب من بحيرة بايكال. وفرع (R1A) بدأ من هناك وكذلك (R1B) أتيا من هناك إلى أوروبا بطرق مختلفة. الفرعان وصلا في نهاية المطاف الى أوروبا وسلك حاملو المجموعة الفردانية (R1B) عبر سيبيريا، كازاخستان وجنوب جبال اورال وعبر نهر الفولغا، ثم غادروا الى الشرق الأوسط ومنها إلى أوروبا عبر شبه جزيرة ايبريا (شبة الجزيرة العربية)، يبدو أن الطريق كان مجرباً من قديم الزمان، لأن العرب الأمويين قد مضوا إلى هناك أيضاً ربما بالطرق نفسها. وأن الآريين شكلوا العرق الأوروبي الجنوبي، أي أولئك الذين يعيشون على جانبي البحر الأبيض المتوسط ويشكلون المجموعتين الفردانيتين (R1A) و (R1B). إن حاملو المجموعة الفردانية (R1A) قبل أن تصل المجموعة الفردانية (R1B) بكثير، وللمجموعة (R1A) أكثر من 700 مجموعة فرعية؛ واحدة منها على درجة كبيرة من الأهمية هي المجموعة (R1AZ645)، وبحسب جميع التعريفات فان حاملي تلك المجموعات كانوا آريين. لقد ظهرت تلك المجموعة قبل 6000 ستة لآف سنة من الآن، وهذا ما يتطابق مع ما يفترضه علماء الليسانيات ويقولون ان اللغات الهندوأوروبية السلف راحت تنقسم قبل ستة آلاف سنة تقريباً إلى فروع مختلفة، لذلك يمكن الإفتراض أن أولئك هم الآريون الحقيقيون ثم كفرضية مثيرة للجدل عن استيطان المجموعتين الفردانيتين (R1A) و (R1B) في أوروبا.
ويضيف البروفيسور كليوسوف أن حاملو المجموعة الفردانية (R1B) وفق الفرضية التي طرحتها عالمة الآثار والمختصة بالدراسات الثقافية (ماريا غيمبوتس)، راحو قبل حوالي 5000 آلاف سنة يشنون غارات على الأماكن التي تعيش فيها المجموعة الفردانية (R1A) وصاروا يعملون على افناء السكان المحليين، وكانت في الواقع إبادة جماعية. وإستمرت الإبادة التدريجية التي قامت بها المجموعة الفردانية (R1B) ألف سنة تقريباً، وعلى هذا النحو طرد حاملو المجموعة الفردانية (R1A) ومن يقوا من تلك المجموعة على قيد الحياة إلى حيث شاءت له الأقدار، رحلو إلى أراضي الجزر البريطانية وما عرف لاحقاً باسكندنافية، وآسيا الصغرى والسهل الروسي، بذلك حافظ حاملو المجموعة على وجودهم، وأنقذوا رصيدهم الجيني قبل خمسة آلاف سنة، فاستمرت ذريتهم وانقسمت إلى بضعة فروع. مضى جزء من ذريتهم جنوباً نحو الهند هناك قبل حوالي 3500 ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة وصل أولئك الآريون أنفسهم إلى الهند، وعند وصولهم إلى هناك، حسب إحدى الفرضيات، إنعزلوا فوراً عن السكان المحليين، وبذلك شكلوا منها الطبقة النخبوية (كاستا)، ومنذ ذلك الحين وإلى الآن نجد أغلبية ممثلي الطبقة العليا في الهند يمثلون المجموعة الفردانية R1A. (تصل النسبة 75%). إنهم أحفاء أولئك الآريين الذين جاءوا إلى الهند من جنوب الأورال (وهنالك مصادر تقول انهم جاءوا من إيران)، وتلك المجموعة من الآريين وصلوا حتى إلى أراضي طاجكستان الحالية، وعاشوا هناك على مدى بضعة قرون ثم مضت إلى إيران.
كلمة آري كانت تعني: الحر، النبيل، كريم النسب. وهذه الكلمة لم تكن تعني العرق بالضرورة. وكلمة (آري) تعني أيضاً: “الإنعزال عن الغرباء”. (لحد الآن تستخدم كلمة “آيرى” في لهجة الايزيديين بمعنى الإنعزال) ان الآريين القدماء كانت تغلب عليهم مجموعة الفردانية R1A، أما المجموعات الفرعية، وخاصة المجموعة R1AZ645 فكانت تعود فقط لمجموعة معينة من الآريين، ومن كل من هذه المجموعات الفرعية ظهرت ذريات وجدوا في أحماضهم النووية علامات وأسماء مختلفة لمجموعة فردانية واحدة R1A، وهؤلاء هم: السلاف، الإيرانيون، الهندوس، الباكستانيون المعاصرون، وأخيراً العرب. ويذكر البروفيسور كليوسوف أناتولي في كتابه: يتفق علماء الآثار واللغيون على أن الآريين الأوائل أو آريي العصر الباكر، أو الهندوآريين، بلغوا أراضي مملكة ميتاني في سوريا الحالية قبل 3600 ق.م. من الآن، وكقاعدة عامة يخلص الباحثون اللغيون وعلماء الآثار إلى أن هؤلاء كانوا من النخبة، أي أن عدد من موروثات ذلك الزمن المكتشفة قد كتبت باللغة الحّرانية وضمناً المبحث الشهير هكذا تكلم كيكولي مدرب الخيول من بلاد ميتاني.) (الإنسان بين العلم والاسطورة/ شجرة النسب/والتاريخ الجيني للإنسان، ترجمة عبد الله أحمد، ص236) ، ويقول لو تحدثنا بدقة وفي زمننا الحالي تشكل المجموعة الفردانية R1A بين العرب 9% بين الذكور بما في ذلك القبائل الشهيرة مثل قريش). وأن مصطح “Aribi” الدال على الجماعة، والمستخدم في كتابات الملك الآشوري “سرجون الثاني” والذي صيغ من المفرد بصوره المتنوعة “Arubu, Arab, Arabu” لا يعني “عرب” أو “عربي” إنما كان يقصد به سكان الصحراء الشرقية، أي القبائل الإيرانية الفارسية الشرقية. والوحدة الصوتية الأخيرة في الكلمة نفسها في اللغة العيلامية هي “pe” بدلاً من “be” لتدل على الجمع، فكانت “Aripe” تدل على ” الآريين” (المصدر: دياكونوف، إ.م.: ميديا، ترجمة: وهبية شوكت محمد، رام للطباعة والتوزيع، دمشق، دون تاريخ، ص210. وكذلك أنظر إلى كتاب: آفيستا/الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، إعداد: د. خليل عبد الرحمن، مطبعة دار الحياة/دمشق، الطبعة الأولى 2007، ص 20).. بهذا فأن العرب لا تعني العرق بالضرورة بل فرع/مجموعة نزلت من السهل الأوروبي الشرقي إلى أن استقروا في الجزيرة وسميت باسمهم بعد ذلك.
لاحظ الجدول الجيني المثبت أدناه مع المقال، لأثنين من شيوخ الشيخ حسن الذين ينتمون إلى المجموعة الفردانية (R1A) وأثنين من شيوخ الشمسانيين الذين ينتمون إلى المجموعة الفردانية (R1B) وكلاهما ينتميان إلى الآريين، وكلاهما نشأ أوروبا الشرقية وشمال شرق آسيا. وليس اعتباطاً المقولة الواردة في التراث الديني الايزيدي “مالا ئاديا كوليت داركينه= سلالة آديان أزهار شجرة واحدة”، وليس كما يدعيه دعاة زرع الطائفية وقصارى النظر وأقلام الأزمات بأن فلان سلالة أقدم من فلانه، وتلك تنتمي إلى القومية الفلانية! ولنا في الحلقات القادمة تفاصيل أكثر.
كوتنكن في 26/10/2020
تتبع الحلقة الثالثة




