العراق بعد الانسحاب الأميركي: هل تملك الدولة قرارها أم أن السلاح يملك الدولة؟ : منى سالم الجبوري

لم يكن خروج آخر جندي أميركي من العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026 مجرد نهاية لوجود عسكري استمر أكثر من عقدين؛ بل كان لحظة كاشفة انتقل فيها العراق من مرحلة كان فيها الوجود الأجنبي جزءا من معادلة الردع إلى مرحلة أصبحفيها السؤال أكثر صعوبة وإلحاحا: من يملك القرار الأمنيوالعسكري في العراق؟ الدولة أم القوى المسلحة التي تمتلكالسلاح والنفوذ والقدرة على فرض شروطها؟

المشكلة العراقية لم تكن في يوم من الأيام مجرد مشكلة أمنية. إنها أزمة دولة مكتملة الأبعاد، تتداخل فيها الانقسامات السياسية والطائفية، وضعف المؤسسات، والفساد، والتنافس الإقليمي، لكن العامل الأكثر حساسية يبقى ذلك النفوذ الذي تمارسه الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل المشهدين السياسي والأمني.

لقد أعلنت بغداد مشروعا لحصر السلاح بيد الدولة، وربطت ذلكعمليا بمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. غير أن الفصائلالأقوى والأكثر ارتباطا بطهران لم تتعامل مع القرار باعتباره شأناعراقيا داخليا ينبغي الامتثال له، بل وضعت شروطا لنزعسلاحها، بينما أعلنت كتائب حزب الله وحركة النجباء تمسكهمابما تسميانه “سلاح المقاومة“.

وهنا تكمن عقدة العراق الحقيقية: كيف يمكن لدولة أن تحتكر قرار الحرب والسلم بينما توجد داخلها قوى مسلحة تمتلك قرارامستقلا، وتستطيع رفض قرارات الحكومة أو إعادة تفسيرها وفقمصالحها؟

إن الحديث عن “الحشد الشعبي“ بوصفه مؤسسة قانونية لا يحسم المشكلة. فالمسألة ليست في الاسم القانوني، وإنما في حقيقة القيادة والقرار. هل السلاح خاضع فعلا للقائد العام للقواتالمسلحة، أم أن بعض التشكيلات تحتفظ بقيادة مستقلة، وشبكاتتمويل، ومخازن أسلحة، وقدرة على اتخاذ قرار عسكري لا يمرعبر مؤسسات الدولة؟

وتشير التقارير الأخيرة إلى أن الحكومة العراقية لم تتمكن حتى الآن من تحويل شعار حصر السلاح إلى واقع كامل، وأن موعد 30 أيلول لم يتحول إلى عملية نزع شاملة، بل إلى بداية لمسار تفاوضي ممتد. كما أن بعض الفصائل التي أعلنت استعدادها للتسليم قدمت جزءا من أسلحتها فقط، بينما بقيت ترساناتأخرى خارج سيطرة الدولة.

ولا يمكن فصل هذه المعضلة عن إيران. فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى وجود قوات إيرانية داخل العراق لكي تمارس نفوذاواسعا؛ يكفيها وجود قوى عراقية مسلحة تمتلك روابط سياسيةوأمنية وعقائدية معها. وهذا هو جوهر المشكلة: حين تصبحالفصائل المسلحة جزءا من المعادلة الإقليمية الإيرانية، يصبح قرارنزع سلاحها أكثر من قرار عراقي داخلي.

ولهذا فإن الانسحاب الأميركي قد يكون قد أنهى الوجود العسكري المباشر، لكنه لم ينه الصراع على العراق. بل ربما نقلهذا الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدا. فواشنطن غادرت عسكريا،لكنها أبقت على علاقات وشراكات أمنية واقتصادية، بينما تجدإيران نفسها أمام عراق يفترض أن يصبح أكثر اعتمادا علىمؤسساته الوطنية في إدارة أمنه.

وفي المقابل، لا يجوز اختزال الأزمة العراقية كلها في إيران والفصائل وحدها. فضعف الدولة وتعدد مراكز القرار والفساد والانقسام السياسي عوامل ساهمت في إنتاج البيئة التي سمحت بنمو القوى المسلحة. النفوذ الخارجي يجد دائما طريقهعندما تكون المؤسسات الوطنية ضعيفة، ولذلك فإن مواجهة النفوذالإيراني لا يمكن أن تتم بالشعارات، وإنما ببناء دولة قادرة علىفرض القانون على الجميع دون استثناء.

وفي هذا السياق تبرز أهمية توحيد قوات البيشمركة في إقليم كردستان، ليس بوصفها قوة في مواجهة مكون عراقي آخر، وإنماباعتبار بناء المؤسسات الأمنية الموحدة جزءا من مشكلة الدولةالعراقية نفسها. وقد دعمت واشنطن لسنوات إصلاح البيشمركةوتوحيدها، خصوصا في إطار الحرب على تنظيم داعش، فيماتستمر الشراكة الأمنية الأميركية مع العراق بصيغ مختلفة بعدالانسحاب العسكري.

لكن الاختبار الحقيقي ليس في قدرة العراق على استبدال القوات الأجنبية بقوات عراقية فحسب، بل في قدرته على استعادة المعنى الحقيقي للدولة. الدولة ليست حكومة تجلس في بغداد وتصدر القرارات؛ الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحدد من يحمل السلاح، ومتى يستخدم، وضد من، وتحت أي قانون.

 

ولهذا فإن معركة العراق المقبلة ليست معركة ضد فصيل بعينه، ولا ينبغي أن تتحول إلى صراع أهلي أو طائفي. إنها معركة على مفهوم الدولة نفسه. فإذا تمكنت بغداد من تحويل حصر السلاح بيد الدولة إلى واقع تدريجي يحظى بغطاء قانوني وسياسي، فإنها تكون قد بدأت باستعادة جزء أساسي من سيادتها. أما إذا بقيت القرارات الأمنية رهينة تفاهمات الفصائل أو الحسابات الإقليمية، فإن الانسحاب الأميركي لن يكون نهاية الأزمة العراقية، بل بداية مرحلة جديدة منها.

فالسؤال الذي يواجه العراق اليوم ليس: من غادر العراق؟ بل: من بقي فيه قادرا على حمل السلاح، ومن يملك قرار استخدامه؟

وهنا تحديدا يبدأ الامتحان الحقيقي للدولة العراقية.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت