ـ اليمن
هناك لحظات لا تقاس بحجم الأزمة بل بالطريقة التي يتحدث بها عنها ، فالكلمة التي تخرج من فم المسؤول ليست مجرد صوت يعبر الهواء ، وإنما قدر نفسي يسقط على قلوب الملايين ، وحين يصبح الحديث عن رواتب الناس أمرا عابرا في المؤتمرات والتصريحات تتكشف أزمة أعمق من عجز الموازنات ، أزمة تمس علاقة الدولة بمواطنيها وتفضح المسافة التي اتسعت بين من يدير السلطة ومن ينتظر آخر الشهر ليؤمّن قوت أطفاله ، ففي ” العراق ” لم يعد المواطن يخشى الغد بسبب تقلبات الاقتصاد وحدها بل بسبب خطاب رسمي اعتاد أن يجعل لقمة العيش رهينة الاحتمالات ، وكأن الصبر الذي حمله العراقيون لعقود لم يعد كافيا إلا ليختبر مرة أخرى
إن التصريحات التي علت مؤخرا من أفواه مسؤولي العراق تتحدث عن “صعوبة توفير الرواتب” لم تعد مجرد أخبار عابرة بل أصبحت جزءا من المشهد السياسي اليومي ، وكأن المسؤولين اعتادوا أن يجعلوا لقمة المواطن مادة للنقاش الإعلامي لا قضية ينبغي أن تبقى بعيدة عن التلاعب والتصريحات المرتجلة ، فالوزير الذي يقف أمام الكاميرات ليعلن أن الحكومة قد تواجه مشكلة في دفع الرواتب ، لا ينطق بأرقام جامدة بل يهز استقرار ملايين الأسر التي تبني حياتها على موعد راتب آخر الشهر ، لذلك فإن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد وإنما أيضا بقدرتها على إدارة الكلمة ، فالكلمة الرسمية ليست رأيا شخصيا وإنما قرار نفسي ينعكس مباشرة على المجتمع والأسواق وثقة الناس بمؤسساتهم
ولهذا تبدو بعض التصريحات وكأنها تكشف استخفافا بالغا بثقل المسؤولية حتى صار المواطن العراقي يستيقظ كل فترة على مسؤول يعلن أزمة جديدة ، دون أن يقدم في المقابل رؤية واضحة أو حلولا حقيقية ، والأشد مرارة من ذلك أن هذه اللغة أصبحت ” مألوفة ” فلم يعد العراقي يفاجأ عندما يسمع وزيرا يتحدث عن احتمالات تعثر الرواتب ، كما لو أن حقه المعيشي قابل للتفاوض في كل أزمة سياسية أو اقتصادية ، وكأن الدولة تريد من المواطن أن يعيش دائما في حالة انتظار وقلق لا في حالة استقرار واطمئنان ، ومن ذلك يستنزف المواطن العراقي الذي أنهكته الحروب ثم أنهكته العقوبات ثم الفساد ثم الانقسامات السياسية ، وها هو اليوم يستنزف ايظا بالخوف على أبسط حقوقهم ، فالموظف لا ينتظر راتبه ليكدسه في المصارف بل ليدفع إيجار منزله ويشتري دواء والديه ويوفر غذاء أطفاله ويسدد ما تراكم عليه من ديون ، لذلك فإن الحديث عن الرواتب ليس حديثا عن أموال بل عن حياة كاملة معلقة بخيط رفيع
واللافت في الأمر أن العراق لا يقف فوق أرض فقيرة بل فوق واحدة من أغنى الأراضي بالنفط والثروات الطبيعية ، غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن ثراء الأرض لم ينجح في حماية الإنسان من فقر الطمأنينة ، فحين يشعر المواطن أن مستقبله المالي يمكن أن يهتز بكلمة عابرة في مؤتمر صحفي فإن الخلل لم يعد اقتصاديا بحثا بل أصبح خللا في فلسفة إدارة الدولة نفسها ، واخطر ما تصنعه هذه التصريحات أنها لا تقتل الأمل دفعة واحدة بل تستنزفه تدريجيا ، فمع كل تصريح جديد يفقد المواطن جزءا آخر من ثقته حتى يصل إلى مرحلة لا يصدق فيها وعود الإصلاح ولا يطمئن إلى البيانات الرسمية ولا يرى في المسؤول إلا صوتا يضيف إلى همومه هما جديدا
فلقد أثبت لنا التاريخ دائما بأن الشعوب تنفجر عندما تشعر بالاهانة ، والإهانة لا تبدأ الا حين يصبح الإنسان مجرد رقم في خطاب سياسي ، وحين تتحول معاناته اليومية إلى مادة سهلة للتصريحات الإعلامية ، فالكرامة الإنسانية تبدأ من احترام احتياجات الناس لا من إخافتهم بها ، ولذلك فإن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى موازنات مالية متوازنة بل يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة تدرك أن الكلمة مسؤولية وأن أمن المواطن النفسي جزء من الأمن الوطني
ليبقى السؤال الأكثر وجعا من كل ذلك : إلى متى سيظل المواطن العراقي يدفع ثمن أخطاء لم يصنعها ، ويعيش أسير تصريحات تجعل من حقه في الحياة الكريمة خبرا قابلا للنقاش بدل أن يكون حقا لا يقبل المساومة؟ .




