العراق والفساد الذي يختبى خلف المواسم حين يصبح الماء والثلج بوابة لابتلاع المليارات : دعاء هزاع الجابري

دعاء هزاع الجابري - اليمن

في تاريخ الأمم لا يكون الفساد مجرد ظاهرة عابرة بل يتحول أحيانا إلى منظومة حية تمتلك قدرة عجيبة على التكيف والبقاء ، تتغير وجوهها وتبدل خطابها لكنها تحتفظ بجوهرها القائم على استنزاف الدولة وإضعاف ثقة المواطن ، فالفساد حين لا يجتث من جذوره لا يموت بل يدخل في دورة جديدة من التحول ، حيث يعيد ترتيب صفوفه ويظهر في كل مرة بثوب مختلف وكأنه يتعلم من حملات المطاردة كيف يختبئ أكثر مما يتعلم كيف يرحل

 

وفي ” العراق ” حيث تتعاقب الوعود بالإصلاح وتتكرر العناوين الكبرى لمواجهة الفساد ، نرى بأن تلك المواجهة لم تعد مجرد ملف يحتاج إلى معالجة بل أصبح معركة طويلة بين دولة تحاول استعادة هيبتها ومنظومات مصالح تمتلك قدرة هائلة على إعادة إنتاج نفسها ، ف “صولة الفجر” التي أُعلنت من أجل مكافحة الفساد لم تعد في نظر كثير من العراقيين سوى “صولة الدهر” التي منحت ذلك الفساد فرصة أخرى ليزداد تعتيقا وتغلغلا حتى أصبح يعاد تدويره بين الثانية والأخرى ، وكأن الزمن لا يمر عليه إلا ليمنحه مزيدا من الخبرة والقدرة على الاختباء ، فالمشكلة ليست في إعلان الحملات ولا في كثرة الشعارات بل في السؤال الأعمق : لماذا يبقى الفساد قادرا على العودة بعد كل محاولة لمواجهته ؟ ولماذا تتحول بعض مشاريع الإصلاح إلى مشاهد متكررة لا تغير جوهر الواقع ؟ فالدول لا تقاس بعدد الصولات التي تعلنها ضد الفساد بل بقدرتها على بناء مؤسسات لا تسمح له بالعودة من الأساس

 

فالإعلان عن تخصيص مبالغ ضخمة ” 25 مليار دينار ” من قبل وزارة الاتصالات وبالتنسيق مع وزير المالية لتغطية خدمات ” الماء والثلج ” المرتبطة بمواسم الزيارات الدينية ، يفتح بابا واسعا للنقاش حول العلاقة بين الواجب الخدمي للدولة وبين ضرورة الشفافية في إدارة المال العام ، فخدمة المواطنين والزائرين مسؤولية إنسانية وحكومية ، لكن القداسة لا ينبغي أن تكون ستارا يحجب الأسئلة المشروعة حول آليات الصرف والرقابة وضمان وصول الأموال إلى أهدافها الحقيقية لاسيما وأن كانت حدودها ” الماء والثلج ” ،

فأبشع صور الفساد ليست فقط حين تسرق الأموال بل حين يمنح النهب غطاء أخلاقيا أو دينيا ، وحين تتحول الرموز المقدسة إلى مساحة يستغلها البعض لتبرير مصالح ضيقة بينما يبقى المواطن البسيط يدفع ثمن الفشل من خبزه ودوائه ومستقبله ، فالدين في جوهره قيمة للعدل والرحمة وصيانة حقوق الناس وليس جدارا يختبئ خلفه العابثون بثروات الشعوب

 

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وجود الفساد بمعناه بل الاعتياد على ذلك الفساد كمشهدا مألوفا لا يثير الدهشة ، يتجول أمام أعين الناس بثقة مرتديا لغة الشعارات ومستخدما مفردات الوطنية أو المقدسات ليحمي وجوده ، عندها لا يعود الفساد مجرد سلوك منحرف بل يتحول إلى ثقافة تتغذى على الصمت والخوف وغياب المحاسبة ، لذلك العراق اليوم لا يحتاج إلى صولات إعلامية بقدر حاجته إلى زلزال مؤسسي يعيد بناء مفهوم الدولة ، حيث لا حصانة لفاسد ولا قداسة لصفقة ولا حماية لمصلحة تتعارض مع حق الشعب ، فالطالما أثبت التاريخ أن الدول لا تهزم بالحروب بل تهزم حين يصبح الظلم نظاما والفساد عرفا والمساءلة استثناء ، أما الشعوب فإنها قد تصبر طويلا لكنها لا تنسى من جعلوا من موتها جسرا لعبور مصالحهم الخاصة ، لتأتي الحقيقة المطلقة في هذا الحدث وهو أن صولات مكافحة الفساد التي أقيمت ليست بداية عصر جديد بل هي تحول إلى فصل آخر في كتاب طويل عنوانه ” إعادة تدوير الفساد ” ، وعلى الرغم من عدم اخفاء هذه الحقيقة عن المواطن ، الا انه لن يصرح بها في الخطب ولن يهتف بها من أعلى المنابر ، لان الدولة ستعمل جاهدة على حجبها بشتى السبل لإقصاء العدل واستنزاف روح المواطن وقمع أحقيته في الحياة .

IMG-20260721-WA0000xiueuHy

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت