الغضب الذي يسبق التحولات : بين ضيق المعيشة وأزمات الحكم .. من باريس الى واشنطن الشعوب في مواجهة سياسة الانهاك: دعاء هزاع الجابري

على مر الأزمان والسنوات الطوال ، لطالما كانت الشعوب كائنات تتقن الصمت طويلا وتمنح السلطة فرصة بعد أخرى حتى يبدو صبرها موافقة واحتمالها رضوخا وانشغالها بلقمة العيش انصرافا عن السياسة ، الا ان السلطة التي تخلط بين صمت الناس ورضاهم ترتكب خطأها الأكبر في ذلك ، حيث هناك مسافة خفية بين شعب يحتمل أعباء الحياة وشعب بدأ يفقد ثقته بجدوى الاحتمال

فمن فرنسا إلى إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا والبرتغال ، وصولا إلى الولايات المتحدة ، تتعدد اليوم أشكال الاحتجاج وتختلف دوافعها ، لكنها في ذات الوقت تفتح سؤالا مشتركا حول ” علاقة المواطن بالدولة ” وحدود قدرته على تحمل الأزمات ومدى استجابة المؤسسات لصوت الشارع ، ففي أوروبا تتداخل أزمات المعيشة والسكن والأجور والتعليم والخدمات العامة مع مطالب سياسية ونقابية ، بينما تحمل التحركات الأمريكية أبعادا سياسية مرتبطة بالسياسات الداخلية وحقوق المواطنين ومستقبل المؤسسات ، نعم هذه الاحتجاجات ليست بحركة عالمية موحدة لكنها تكشف كيف يمكن لأزمات متزامنة أن تنتج مشهدا متشابها ، حين يشعر الناس بأن المسافة بين وعود السياسة وواقع الحياة أصبحت أكبر من قدرتهم على الاحتمال ، فالضغط على الشعوب لا يقاس بالأرقام الاقتصادية وحدها بل بالفجوة بين ما تعلنه الحكومات وما يعيشه المواطن ، حيث قد تتحدث الدولة عن النمو والاستقرار بينما يجد الإنسان أن راتبه يتآكل ، ومسكنه يبتعد ، والخدمات تتراجع ، والمستقبل يصبح أكثر غموضا ، وعند هذه النقطة بالتحديد تتحول الأسعار إلى سؤال عن العدالة ، والسكن إلى قضية كرامة ، والتعليم إلى اختبار لتكافؤ الفرص ، وتصبح المطالب المعيشية مدخلا لمساءلة السلطة ذاتها

إن ساعة نفاد صبر الشعوب من ضغط السياسات وتراكماتها لا موعد محدد لها ، فقد يحتمل المجتمع أزمات طويلة إذا شعر بعدالة توزيع الأعباء ووجود أفق للتغيير ، وقد ينفجر الغضب حين يجتمع الحرمان مع الإحساس بالتهميش وانسداد الطرق أمام المستقبل ، لأن الأزمة لا تكمن دائما في قسوة الظروف على اختلافها بل في شعور الإنسان بأنه يتحمل ثمن القرارات دون أن يمتلك القدرة على التأثير فيها ، لذلك فعلى المدى القريب تستطيع الاحتجاجات الواسعة دفع الحكومات إلى مراجعة الضرائب والإنفاق الاجتماعي وسياسات السكن والأجور ، وقد تقود إلى استقالات وزارية أو انتخابات مبكرة أو تراجع أحزاب حاكمة ، لكن هذه النتائج ليست حتمية ، إذ تتوقف على حجم المشاركة وتماسك المطالب وطبيعة المؤسسات وقدرة المعارضة على تقديم بدائل مقنعة ، أما على المدى البعيد فقد تتجاوز آثار الاحتجاجات تغيير الوجوه إلى مراجعة قواعد الحكم ذاتها ، فحين تتكرر أزمة الثقة تبرز مطالب بإصلاح القوانين الانتخابية وتعزيز استقلال القضاء وتوسيع الرقابة البرلمانية وحماية الحق في التظاهر ، بالإضافة لتطوير آليات المساءلة والشفافية ، ليصبح من هنا الشارع قوة تدفع نحو التغيير الدستوري ، شرط أن تتحول مطالبه إلى برامج ومؤسسات ، لا أن تبقى مجرد موجات غضب عابرة

وبالنظر إلى النظام الدولي ، فأن آثار هذه الاحتجاجات لا تقف عند الحدود الوطنية ، فأوروبا مترابطة اقتصاديا وسياسيا وأي تحولات انتخابية داخل دولها تنعكس بشكل مباشر على سياسات الهجرة والطاقة والإنفاق الدفاعي والعلاقات الخارجية ، كما أن الاحتجاجات في الولايات المتحدة بما تحمله من دلالات سياسية داخلية ستؤثر في موازين الانتخابات وتوجهات المؤسسات ، ومن ثم في أولويات واشنطن الدولية إذا ترجمت إلى تغييرات في الحكم والسياسات ، ليبقى التحدي الأكبر أمام الشعوب في أن تحول غضبها إلى إصلاح منظم وسلمي ، وامام الحكومات أن تدرك أن الأمن لا يتحقق بالقوة والقمع وأن تجاهل المطالب قد يجعل الأزمة أكثر تعقيدا

فالتاريخ لا يتغير كلما امتلأت الساحات ، لكنه يبدأ بالتغير حين يصبح تجاهل صوت الناس أكثر كلفة من الاستماع إليه ، لأن الشعوب لا تطلب دائما المعجزات بل تريد عدالة في توزيع الأعباء وكرامة في الحياة وأملا يستطيع أبناؤها البناء عليه ، لذلك حين تنتهي الاحتجاجات من الشوارع ، ستستمر آثارها في صناديق الاقتراع ، وقاعات البرلمانات ، ومكاتب الحكومات ، وصفحات الدساتير ، وهناك تتحدد المسافة بين غضب عابر وتحول تاريخي ، وبين سلطة تتعلم الإصغاء وأخرى تكتشف متأخرة أن صبر الشعوب ليس شيكا مفتوحا إلى الأبد .

IMG-20260903-WA00001

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت