المسؤولية القانونية للدول والأفراد أمام القضاء المدني الأمريكي ج 2 : د.سعيد بير مراد

تمهيد: من التوثيق إلى العدالة

تطرح الوقائع الموثقة في الجزء الأول من هذه الدراسة سؤالًا قانونيًا محوريًا: هل يمكن محاسبة الدول، الجمعيات، والأفراد المتورطين في تمويل الإرهاب وارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب أمام القضاء المدني الأمريكي؟
هذا الجزء من الدراسة يُعالج الأطر القانونية الممكنة، والوقائع السابقة، ومدى قابلية مساءلة المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، ودولة الكويت – إلى جانب الجمعيات والأفراد المرتبطين بها – بموجب القانون الأمريكي والدولي.

أولاً: الإطار القانوني للمساءلة أمام القضاء الأمريكي

.1 قانون تعويض ضحايا التعذيب (TVPA) لعام 1991

يسمح هذا القانون للمواطنين الأمريكيين، وكذلك لغير الأمريكيين في حالات محددة، بمقاضاة الأفراد الأجانب في المحاكم الفيدرالية الأمريكية إذا ارتكبوا التعذيب أو القتل خارج نطاق القانون، طالما أن الجاني موجود داخل الولايات المتحدة.

.2 قانون دعاوى الضرر للأجانب (Alien Tort Statute – ATS)

يعود هذا النص إلى عام 1789، وتم إحياؤه في الثمانينات لمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الكبرى (جرائم ضد الإنسانية، جرائم حرب، إبادة جماعية) من غير الأمريكيين.
توسّع استخدام هذا القانون لمقاضاة شركات وأفراد متورطين في دعم أنظمة أو تنظيمات إرهابية أو ارتكاب جرائم حرب في الخارج، شرط وجود “صلة كافية” بالولايات المتحدة.

.3 قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (JASTA) لعام 2016

وُضع هذا القانون تحديدًا لمحاسبة الدول الأجنبية المتورطة في دعم الإرهاب، وألغى الحصانة السيادية التي كانت تحميها في حالات معينة. أتى هذا القانون كرد فعل على هجمات 11 سبتمبر، وسمح لعائلات الضحايا بمقاضاة السعودية.
أبرز ما يسمح به JASTA:

• رفع دعاوى ضد الدول التي تدعم أو تمول بشكل مباشر أو غير مباشر أعمال الإرهاب.
• قبول دعاوى من غير الأمريكيين، إذا نتج عن العمل الإرهابي ضرر لشخص أو ممتلكات داخل الولايات المتحدة

ثانيًا: السوابق القضائية والدروس المستخلصة

.1 قضية نادية مراد ضد شركة “لافارج” الفرنسية (2023)

رفعت الناجية الإيزيدية نادية مراد دعوى قضائية ضد شركة لافارجالفرنسية أمام محكمة في واشنطن بتهمة تمويل تنظيم داعش، ما ساعد في تنفيذ جرائم إبادة جماعية بحق الإيزيديين في سنجار.
تم قبول الدعوى بموجب قانون ATS، بناء على:

• وجود مقر الشركة في الولايات المتحدة (عبر فرعها Lafarge North America).
• تورّطها في دفع أموال مباشرة لداعش واستمرار عملها في مناطق تحت سيطرة التنظيم.

أهمية هذه السابقة:

• فتحت الباب أمام الناجين من الفظائع الإرهابية لمقاضاة ممولي الإرهاب من خارج الولايات المتحدة.
• دعّمت فرضية أن التمويل غير المباشر لأعمال الإبادة يمكن أن يشكل مشاركة فعلية في الجريمة.

.2 قضية عائلات ضحايا 11 سبتمبر ضد المملكة العربية السعودية (In re Terrorist Attacks, 2003–الحاضر)

رُفعت أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك، وتشكل إحدى أكبر القضايا ضد دولة أجنبية بتهمة تمويل الإرهاب.
بفضل قانون JASTA، استُبعدت الحصانة السيادية وسمح بمتابعة القضية، رغم عدم صدور حكم نهائي حتى الآن.

دروس هذه القضية:

• تثبيت مبدأ محاسبة الدول الأجنبية على الدعم المالي غير المباشر لتنظيمات إرهابية.
• توسيع نطاق الأدلة المقبولة لتشمل النشاطات المالية والارتباطات الاستخباراتية.

ثالثًا: مسؤولية الدول الثلاث (السعودية – قطر – الكويت)

.1 المملكة العربية السعودية

• الجمعيات مثل الحرمين الخيرية ومسلمة بلا حدود متورطة في تمويل القاعدة وداعش، بحسب تقارير أمريكية وأممية.
• أفراد مثل سعد الشهراني وعبد الرحمن العواجي لعبوا أدوارًا مالية مباشرة في تمويل جماعات مسلحة.

الإمكانية القانونية:

• يمكن رفع دعاوى بموجب JASTA على خلفية دعم مباشر أو غض الطرف عن نشاطات الجمعيات الممولة.
• مسؤولية الدولة قد تُستند إلى تساهلها مع النشاطات المالية للجمعيات وعدم اتخاذ تدابير كافية لوقف التمويل.

.2 دولة قطر

• الاتهامات موثقة أكثر من غيرها، خصوصًا في تمويل جبهة النصرةوداعش عبر مؤسسة راف وشخصيات مثل عبد الرحمن النعيمي.
• شهادات علنية وتقارير استخباراتية أمريكية تشير إلى علم الدولة بهذه التحويلات.

الإمكانية القانونية:

• استخدام قانون ATS في حال تم تحويل أموال عبر مصارف أمريكية أو شركاء أمريكيين.
• تحميل المسؤولية للحكومة القطرية أو لمسؤولين فيها بموجب JASTAلتمويل تنظيمات مسؤولة عن الإبادة الجماعية.

.3 دولة الكويت

• تقرير الكونغرس عام 2015 وصف الجمعيات الخيرية بأنها “الأكثر فاعلية” في تمويل الإرهاب.
• تورط أفراد مثل حجاج العجمي، وجمعيات مثل إحياء التراث.

الإمكانية القانونية:

• الكويت قد تُقاضى بسبب فشلها في فرض رقابة فعالة.
• الأدلة المتعلقة بتمويل التنظيمات المسؤولة عن مجازر في سنجاروسبايكر تسمح بربط التمويل بجرائم حرب.

رابعًا: جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب – الصلة القانونية

.1 الإبادة الجماعية في سنجار (2014)

• ارتكب تنظيم داعش مجازر ممنهجة ضد الأقلية الإيزيدية.
• تُصنف هذه المجازر من قبل الأمم المتحدة والكونغرس الأمريكي على أنها جريمة إبادة جماعية.

.2 مجزرة معسكر سبايكر (2014)

• ذبح داعش قرابة 1700 جندي شيعي أعزل.
• تُعد وفق القانون الدولي جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

الربط القانوني:

• إذا ثبت أن الأموال التي مولت داعش جاءت من جهات معلومة (مثل الجمعيات الخليجية)، فإن الممول شريك فعلي في الجريمة.
• القانون الأمريكي (خصوصًا في قضايا ATS وTVPA) لا يطلب أن يكون الفاعل موجودًا في مسرح الجريمة، بل يكفي تقديم دعم مادي أدى إلى ارتكابها.

خامسًا: التحديات والإجراءات المقترحة

التحديات:

• إثبات العلاقة السببية بين التحويلات المالية والجريمة (ولكن ليس من الضروري إثبات النية الجنائية الكاملة).
• مقاومة الدول المدعى عليها وتذرعها بالحصانة السيادية.

المقترحات:

1. الاستفادة من قانون JASTA واستثناء الحصانة عند تمويل الإرهاب.
2. جمع شهادات الناجين والوثائق المصرفية بمساعدة المنظمات الحقوقية.
3. التعاون مع محامين أمريكيين متخصصين في القانون الدولي المدني (مثل مركز العدالة للمساءلة CJA).
4. رفع دعاوى موازية ضد الشركات والبنوك المتورطة في تمرير التمويل.

خاتمة: نحو عدالة ممكنة – من المحاسبة الرمزية إلى الفعلية

لم يعد التمويل الخيري للإرهاب في الخليج مجرد شبهة سياسية أو إعلامية، بل أصبح محورًا لمسؤولية قانونية حقيقية يمكن أن تقود إلى ملاحقات قضائية دولية.
تُظهر القوانين الأمريكية، وخاصة JASTA وATS، أن العدالة عبر القضاء المدني الأمريكي لم تعد مستحيلة – بل باتت أداة فعالة، إذا ما توفرت الإرادة القانونية والأدلة المنظمة.

المرحلة القادمة يجب أن تكون قضائية: من التوثيق إلى التقاضي.