النظام الإيراني وأزمة البقاء: الهروب إلى الأمام وتهميش العامل الداخلي : منى سالم الجبوري

في ظل التهديدات الخارجية والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتفاقمة، يسعى النظام الإيراني إلى اجتياز المرحلة الراهنة والحفاظ على استمراره، لكنه يواجه معضلة تتجاوز الضغوط الدولية والصراعات الإقليمية؛ إذ إن جانبا أساسيا منأزمته يرتبط بطبيعة سياساته الداخلية، وباتساع الفجوة بينالسلطة وتطلعات قطاعات من المجتمع الإيراني.

وتكمن المفارقة في أن النظام يحاول احتواء تداعيات سياساته من دون مراجعة جوهرية للنهج الذي أسهم في إنتاجها. فالتضييق على الحريات، وقمع الاحتجاجات، والأعباء الاقتصادية، والتدخلات الإقليمية المثيرة للجدل، ليست ملفات منفصلة، بل عوامل تتفاعل فيما بينها وتزيد صعوبة تحقيق استقرار مستدام.

مجاهدو خلق وتحدي احتكار السلطة

في هذه المعادلة، تبرز منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، باعتبارها أحد أقدم التنظيمات المعارضة للجمهورية الإسلامية وأكثرها تنظيما على مستوى النشاط السياسي في الخارج. فمن خلالشبكتها التنظيمية، ونشاطها الإعلامي، وعلاقاتها مع شخصياتسياسية وبرلمانية غربية، تسعى المنظمة إلى إبقاء قضية التغييرالسياسي في إيران حاضرة في النقاش الدولي، وتقديم نفسها،عبر المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، بوصفها جزءا من البديلالمطروح للنظام القائم.

ولا يقتصر دور مجاهدي خلق على معارضة سياسات السلطة، بل يشمل محاولة نقل صورة عن الأوضاع الداخلية، وتسليط الضوء على الإعدامات والانتهاكات، وكشف معلومات تتعلق بملفات أمنية ونووية، فضلا عن الدعوة إلى تغيير سياسي تقوده قوى إيرانيةمن الداخل. وقد اكتسبت المنظمة اهتماما دوليا إضافيا بعدإعلانها عام 2002 عن وجود منشآت نووية إيرانية لم تكن معلنةآنذاك.

وتكمن أهمية هذا الحضور في أن النظام يواجه معارضة منظمة تمتلك أدوات للتواصل خارج الحدود، ولا يقتصر نشاطها على الاحتجاجات العفوية أو ردود الفعل المؤقتة. فالتنظيم والاستمرارية والقدرة على إيصال الرسائل إلى المؤسسات الدولية تمنح المعارضة مساحة من التأثير السياسي والإعلامي يصعب تجاهلها.

 

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين القدرة التنظيمية والنفوذ الخارجي وبين حجم التأييد الشعبي داخل إيران، وهو أمر يصعب قياسه بصورة مستقلة في ظل القمع وغياب المنافسة السياسية الحرة. كما أن التاريخ المثير للجدل للمنظمة، والانقسامات داخل المعارضة الإيرانية، يظلان عاملين مؤثرين في تقييم مدى قدرتها على تمثيل قطاعات واسعة من المجتمع.

لماذا يظل العامل الداخلي حاسما؟

إن محاولة حصر مستقبل إيران في المواجهة بين النظام وخصومه الخارجيين تتجاهل حقيقة أساسية: الشعب الإيراني هو الذي يتحمل التبعات المباشرة للسياسات الاقتصادية والأمنية والإقليمية. ومن هنا، فإن تغييب دوره أو اختزال مستقبله في نتائج المفاوضات الدولية لا يعالج جذور الأزمة.

ويبدو أن أحد التحديات التي تواجه السلطة يتمثل في وجود تنظيمات معارضة تسعى إلى تحويل الاستياء الشعبي من حالة متفرقة إلى مشروع سياسي منظم. وفي هذا السياق، تحاول مجاهدي خلق توظيف حضورها التنظيمي والإعلامي لتقديم نفسها باعتبارها قوة قادرة على المساهمة في تغيير المعادلة القائمة.

لكن نجاح أي مشروع بديل لا يتوقف على معارضة النظام وحدها؛ بل يتطلب القدرة على كسب ثقة المواطنين، واحترام التعددية، وتقديم ضمانات واضحة للحريات والحقوق، وإثبات أن القرار السياسي المستقبلي سيكون للشعب عبر آليات ديمقراطية حقيقية.

الخروج من الأزمة أم إعادة إنتاجها؟

إن استمرار النظام في التمسك بسياساته، مع محاولة احتواء نتائجها، قد يخفف بعض الضغوط مؤقتا، لكنه لا يضمن معالجةأسباب الاحتقان. وفي المقابل، فإن دور مجاهدي خلق وغيره منقوى المعارضة ينبغي أن يقاس بقدرته على تحويل النشاطالسياسي والإعلامي إلى مشاركة شعبية فعلية ومشروع يحظىبالقبول، لا بمجرد حجم حضوره في الخارج.

إن أزمة النظام الإيراني ليست خارجية فقط، بل هي أزمة علاقة بين السلطة والمجتمع. ومجاهدو خلق تمثل أحد الأطراف المنظمة الساعية إلى تغيير هذه المعادلة، لكن مستقبل إيران لا يمكن أن يحسم بقدرات أي تنظيم منفرد، ولا بتفاهمات القوى الدوليةوحدها؛ بل بمدى قدرة الإيرانيين على ممارسة حقهم في اختيارنظامهم السياسي بحرية، وبناء دولة تحترم حقوقهم وتضعمصالحهم فوق حسابات بقاء السلطة.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت