الوطن بين “ابناء السفارات” وابناء السفارة : زكي رضا

تعتبر أنتفاضة تشرين 2019 من أخطر الازمات التي مر بها ما يسمى بالنظام السياسي بالعراق، بعد الاحتلال لليوم. وكانت الانتفاضة وجل من شارك فيها من الشابات والشباب ترجمة حقيقية وواقعية لفشل عملية بناء الدولة من قبل أحزاب المحاصصة المهيمنة على مقاليد السلطة، واستمرار هذا الفشل لليوم يعني أن أستكمال ما فشلت الانتفاضة في تحقيقه قادم لا محالة، فهذه السلطة منتجة للازمات، وهذه الازمات هي من ستحرك الجماهير للنزول الى الشوارع، ان لم يكن اليوم فغدا. ان احد اهم اسباب فشل المنتفضين ناهيك عن القمع الذي مارسته السلطة وميليشياتها ، هو غياب القيادة الواضحة لها التي ان وجدت وقتها، لكانت فرص نجاحها تعززت.

 

بعد الاحداث الاخيرة في فرنسا وبعض الدول الاوربية كايطاليا وغيرها، وما تعرضت لها اسواق ومحال وبنايات تلك المدن من عمليات نهب وحرق، وكوننا نعيش في العراق الذكرى السابعة لانتفاضة تشرين/ اكتوبر، نرى ولنكون شاهد على التاريخ، ان نقارن بين انتفاضة شعبنا وما رافقها من احداث، وما افرزه الحراك الجماهيري في الغرب من احداث.

 

على الرغم من الخراب الهائل والصدمة التي اصابت صناع القرار في فرنسا، وعلى الرغم من ان غالبية المشاركين بعمليات النهب والحرق وكما نقلته الفضائيات كانوا فرنسيين من اصول غير فرنسية، الا ان الحكومة وساسة البلاد وحتى اليمينيين منهم، لم يتهموهم على انهم “ابناء سفارات”، بل اعادوا ما جرى لاسباب عدة منها سوء الاوضاع الاقتصادية وانحسار بعض الخدمات عن مستوياتها المعروفة، وخصوصا في قطاع التعليم، التي انطلقت منها الشرارة الاولى.

 

بغض النظر عن فشل الانتفاضة في تحقيق اهدافها، الا انها افرزت معادلة لم تكن معروفة على المشهد السياسي، وهي أن النقمة الجماهيرية انظلقت من مدن شيعية، بل وحتى في بغداد حيث التداخل السكاني ، رأيناها تنطلق من مناطق شيعية كانت ولا زالت تعاني من سوء الخدمات والبطالة وغيرها من المشاكل، وهذا بحد ذاته يسحب البساط من تحت اقدام من يتاجرون بمظلومية الشيعة.

 

حاولت الاحزاب الشيعية ومعها ميليشياتها ورجال دين شيعة وذبابهم الالكتروني، من شيطنة المنتفضين. فالاحزاب الشيعية وهي على رأس السلطة اعطت القرار السياسي في مواجهة المنتفضين، كما تدخلت قواتها الامنية في ضرب طوق على الساحات والشوارع في المدن الرئيسية كبغداد والبصرة والناصرية وغيرها من مدن وبلدات البلاد، كما قامت قوات مكافحة الشغب باستخدام الرصاص الحي وخراطيم المياه، والعصي الكهربائية وقنابل الغاز التي كانت توجه مباشرة لرؤوس المنتفضين، كما قامت الميليشيات بنفس الافعال ، واختطاف الناشطات والناشطين، والذين لم يعد العديد منهم الى ساحات التظاهر نتيجة تهديدهم بأمور غير اخلاقية!! فيما قام رجال دين بتكفير المتظاهرين على انهم خطر على المذهب، اما الذباب الالكتروني فقد ملأ صفحات التواصل الاجتماعي ولليوم، متهما وبأوامر مباشرة من جهات معروفة للشارع العراقي، باتهام المنتفضين كونهم “ابناء سفارات”، وهدفهم تخريب العملية السياسية خدمة لاجندة تلك السفارات، ونهب محال الناس والمصارف!

 

لقد فشلت الاحزاب والميليشيات ورجال دين والذباب الالكتروني وقتها ولليوم، من تسجيل اية عملية نهب للمحال التجارية، او نهب مصرف حكومي او غيره. بل على العكس فقد قامت مجاميع من الشباب بتشكيل سلاسل بشرية لحماية الاسواق كالشورجة ومحلات شارع الرشيد والباب الشرقي حيث الزخم الاكبر للانتفاضة. وقد حاولت السلطة ومن خلال ذبابها الالكتروني اشاعة نية المنتفضين في مهاجمة مصرف الرافدين، فانتبه المنتفضون لنية الميليشيات في مهاجمة المصرف وسرقة محتوياته وحرقه لالصاق التهمة بالمنتفضين الذين شكلوا مجاميع منهم لحماية المصرف.

 

هل من يطالب ببناء وطن وشعاره “نريد وطن” من ابناء السفارات؟ هل من يريد حياة افضل لشعبه من ابناء السفارات؟ وان كان هؤلاء من ابناء السفارات، فماذا عمن يرهن وطنه لدولة اقليمية، ويدخل “بلاده” في ازمات اقليمية من اجلها، ويفتح اسواق “بلاده” لكل ما تنتجه تلك الدولة وعلى حساب مصالح “وطنه”، وماذا عمن يقصف آبار نفط “بلاده” وسفن شحن نفطه ، و ماذا عمن يدخل العملات المزورة خدمة للغير الى “بلاده” وماذا وماذا …؟

 

ان المنتفضين ليسوا ابناء سفارات، بل قتلتهم ومن يتاجر بجوعهم وفقرهم ويهين وطنهم وشعبهم ، هم ابناء سفارة، وشعبنا يعرف جيدا من هي هذه السفارة؟

 

يوم المظلوم على الظالم أشّد من يوم الظالم على المظلوم … (الامام علي بن ابي طالب)

 

زكي رضا

الدنمارك

24/10/2026

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت