أن أجرينا قراءة في دور الأمير في قيادة الشعب الأيزيدي سوف نجد أن منصب الأمير أحد المناصب الاجتماعية الممزوجة بالطابع الديني وقد ارتبط تاريخياً بالحفاظ على تماسك الأيزيديين وصون خصوصيتهم الدينية والاجتماعية عبر قرون طويلة من الزمن.
إلا أن أي مؤسسة قيادية مهما بلغت أهميتها التاريخية تبقى بحاجة إلى مراجعة مستمرة عندما تتغير الظروف السياسية والاجتماعية وتتطور تطلعات المجتمع.
بعد الإبادة الجماعية التي تعرض لها الأيزيديين عام 2014 وما رافقها من قتل .. خطف .. تهجير و تدمير للنسيج الاجتماعي برزت تساؤلات واسعة داخل الأوساط الأيزيدية حول طبيعة القيادة التقليدية ومدى قدرتها على تمثيل مصالح الشعب الأيزيدي في مرحلة تتطلب رؤية وطنية ومؤسساتية جديدة.
يرى بعض من أبناء الشعب الأيزيدي أن المؤسسة الأميرية أصبحت أقرب إلى تمثيل سياسي ويحافظ على علاقاته مع القوى الحاكمة بطابع شخصي بدلاً من الانشغال ببناء مشروع مجتمعي مستقل يعبر عن آمال وتطلعات الأيزيديين ويحمي مصالحهم العامة.
يرى أصحاب هذا الرأي أن هذا النهج أضعف استقلالية القرار الأيزيدي وجعل مواقف المؤسسة الأميرية تتأثر بتوازنات القوى الحاكمة أكثر من استجابتها لاحتياجات المجتمع الأيزيدي وتطلعاته.
في حين يرى آخرون من الايزيديين أن حفاظ الأمير على العلاقات مع السلطات كان في مراحل عديدة وسيلة لحماية المجتمع في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة.
انطلاقاً من كل ما سبق وبرأي الشخصي وهذا ما يؤيده غالبية الأيزيديبن اننا بحاجة إلى إعادة تنظيم القيادة الأيزيدية على أساس التخصص وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات بحيث لا تتركز مختلف جوانب القيادة في مؤسسة واحدة وعائلة واحدة بل الافضل أن يجري الفصل بين الأدوار الإدارية .. القانونية .. السياسية .. الاجتماعية و الدينية مع ضمان التكامل والتنسيق فيما بينها.
في هذا الإطار يمكن أن يتولى الأمير دوراً بارزاً في القيادة الإدارية بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية في مناطق الأيزيديين وأن يكون له إطلاع على الأوضاع السياسية والقانونية بمساعدة مستشارين متخصصين على أن يكون هذا الدور موجهاً لخدمة المصلحة العامة وخاضعاً للمساءلة والتقييم من هيئة مختصة بالسياسة والقانون تشكل من قبل المثقفين الايزيديين ومن ذوي الاختصاص.
أما الشأن الديني فيكون بقيادة البابا شيخ باعتباره المرجع الديني الأعلى لدى الأيزيديين فيما يتولى رؤساء العشائر وأكبارية القرى والمجمعات والمدن دوراً أساسياً في إدارة الشؤون الاجتماعية وتمثيل احتياجات المجتمع المحلي.
إن هذا التوزيع للأدوار لا يستهدف الانتقاص من مكانة أي مرجعية أو مؤسسة بل يسعى إلى تحديد اختصاصاتها ومنع تداخل الصلاحيات وتعزيز المشاركة المجتمعية وضمان استقلالية القرار الأيزيدي عن التجاذبات السياسية والمصالح الفئوية.
المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من القيادة القائمة على الأشخاص والنفوذ التقليدي إلى منظومة مؤسسية متكاملة تستند إلى الكفاءة والتخصص والتشاور والمساءلة وتضع المصلحة العامة للشعب الأيزيدي فوق كل اعتبار.
إن المشكلة الأساسية التي يمر بها الأيزيديين لا تكمن في شخص الأمير بحد ذاته فحسب ( وإن كانت أفعاله ومواقفه دون تطلعات المجتمع ) بل في طبيعة المنظومة القيادية التي تمنح صلاحيات واسعة دون وجود آليات واضحة للمساءلة والمشاركة المجتمعية إلى جانب غياب التقييم الدوري للأداء وانعدام المؤسسات الرقابية مما يزيد الوضع تعقيداً حين تقترن هذه الاختلالات بضعف شخصية الشخص المعني وارتباطه بأيديولوجية معينة قد تؤثر في قراراته وتوجهاته وتدفعه إلى تغليب اعتبارات خاصة أو فئوية على حساب المصلحة العامة الأمر الذي يفاقم الأزمة ويضعف فرص الإصلاح والتمثيل الحقيقي لإرادة الشعب الأيزيدي.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن قوة أي قيادة لا تنبع فقط من التاريخ أو الرمزية إنما من ثقة المجتمع بها وتجديد هذه الثقة بصورة مستمرة فالشرعية ليست حدثاً ثابتاً بل علاقة متجددة بين القيادة والناس تقوم على الشفافية والإنجاز والاستقلالية.
إن إصلاح واقع القيادة الإيزيدية لا ينبغي أن يكون صراعاً مع أشخاص أو عائلات بل مشروعاً لبناء مؤسسات حديثة تستند إلى المشاركة الشعبي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال عدد من الخطوات العملية :
– إنشاء هيئة ( مجلس) أيزيدي منتخب يضم ممثلين عن الداخل العراقي إضافة إلى سوريا وتركيا ومن المهجر أيضاً ويكون المرجعية في الجانب الساسي والقانوني والقضايا العامة المصيرية.
– تحديد صلاحيات المؤسسة الأميرية بوضوح بما يحافظ على دورها الاداري مع تطوير آليات تشاركية مع الهيئة الأيزيدية في مجل القضايا العامة.
– اعتماد مبدأ الشفافية في القرارات المتعلقة بالشأن العام وإشراك ذوي الاختصاص وأصحاب الخبرة في صياغة السياسات.
– تعزيز دور الشباب والنساء والأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني في صنع القرار.
– بناء مؤسسات مستقلة تعنى بالحقوق والتعليم والثقافة والإعمار بحيث لا يرتبط مستقبل المجتمع بإرادة شخص واحد أو مؤسسة واحدة.
– ترسيخ ثقافة النقد المسؤول بحيث يكون تقييم القيادات قائماً على الأداء والنتائج بعيداً عن الشخصنة أو التخوين.
منذ أن كشف المفكر والفيلسوف الفرنسي إتيان دو لا بويسي في كتاب ( العبودية الطوعية ) عن حقيقة العلاقة بين السلطة وإرادة المجتمع تكرست قناعة مفادها أن نفوذ أي قيادة لا يستمد قوته من موقعها وحده بل من مقدار ما تحظى به من قبول شعبي وشرعية مجتمعية وحين تفقد القيادة قدرتها على التعبير عن تطلعات الناس وصون مصالحهم وتصبح المسافة بينها وبين المجتمع أوسع من أن تجسرها الوعود والشعارات فإن التغيير يغدو ضرورة تفرضها إرادة الإصلاح غير أن التغيير الحقيقي لا يصنع بالانفعال أو الصدام بل بوعيٍ مجتمعي راسخ وتنظيم مدني مسؤول ونضال سلمي مستمر وعمل مؤسسي جاد يفتح آفاقاً لبدائل قيادية تمتلك الكفاءة والنزاهة وتحظى بثقة الناس.
المجتمعات لا تستعيد قدرتها على تقرير مصيرها بمجرد الاعتراض على واقعها إنما حين تمتلك الوعي والتنظيم والمؤسسات القادرة على تحويل إرادتها إلى واقع ملموس.
إن الإصلاح المنشود ليس صراعاً مع التاريخ أو انتقاصاً من مكانة المرجعيات التقليدية بل انتقال من سلطة تستند إلى النفوذ الموروث وحده إلى منظومة تتكامل فيها الخبرة التاريخية مع المشاركة الشعبية والكفاءة والمساءلة.
عندما تصبح المؤسسات مرجعاً لتنظيم المسؤوليات وتغدو الشرعية مرتبطة بالثقة المجتمعية والقدرة على الإنجاز يصبح الشعب الأيزيدي أكثر قدرة على حماية حقوقه وصون هويته والدفاع عن مصالحه وبناء مستقبله بحرية واستقلال.
القيادة ليست امتيازاً يمارس فوق إرادة المجتمع بل مسؤولية تؤدى في خدمته والشرعية ليست إرثاً يكتفى بالاستناد إليه بل ثقة تتجدد بالعمل والنزاهة والإنجاز.
من هنا يبدأ الطريق نحو قيادة أيزيدية تعبر عن مجتمعها وتحترم تنوعه وتصون استقلال قراره وتجعل المصلحة العامة أساساً لكل موقف ومسؤولية.




