يُعد المجتمع الأيزيدي واحدًا من أبرز المكونات الدينية والعرقية العريقة في العراق ومناطق بلاد الشام. وعلى الرغم من امتداد جذورهم التاريخية لأعمق نقاط الوراثة الحضارية والثقافية في المنطقة، إلا أنهم طالما واجهوا موجات متكررة من الاضطهاد والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وفي العصر الحديث، تجسد هذا التهميش بأقسى صورة ممكنة في الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها، مما جعل قضيتهم واحدة من أكثر الملفات إلحاحًا في مجال حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية في العراق.
أولاً: جذور التهميش التاريخي والاجتماعي
تاريخياً، عانى الأيزيديون من سوء الفهم وسوء المعاملة نتيجة لانعزالهم النسبي وطبيعة عقيدتهم الخاصة التي تحيط بها الكثير من الصور النمطية الخاطئة. وقد أدى ذلك إلى:
العزل المجتمعي: تعرضوا لعقود من التمييز المنهجي والنظرة الدونية من قبل بعض الجماعات المتشددة، مما حدّ من اندماجهم الكامل في النسيج الوطني العام خلال حقب سابقة.
التجهيل التنموي: عانت المناطق التي يسكنونها في سنجار (قضاء سنجار) ومحافظة نينوى من إهمال حكومي حاد في البنى التحتية، والخدمات الأساسية، والمشاريع الاقتصادية والتنموية، مما أبقى مناطقهم رهينة للفقر والتهميش الجغرافي.
ثانياً: الإبادة الجماعية لعام 2014 والتهميش الوجودي
شكلت غارات تنظيم داعش الإرهابي في صيف عام 2014 نقطة تحول كارثية في تاريخ الأيزيديين المعاصر. لم يكن ما حدث مجرد هجوم عسكري، بل كان محاولة ممنهجة لاجتثاث وجودهم كلياً من أرضهم التاريخية:
التهجير القسري والقتل الجماعي: فر مئات الآلاف نحو جبل سنجار تحت وطأة القتل والترهيب، حيث قضى الآلاف عطشاً وجوعاً، وارتكبت مجازر مروعة بحق الرجال والنساء والمسنين.
استعباد النساء والأطفال: تعرضت آلاف النساء والفتيات الأيزيديات لعمليات خطف وسبي وبيع في أسواق النخاسة من قبل التنظيم الإرهابي، في مأساة إنسانية هزت الضمير العالمي.
تدمير البنية التحتية والمقدسات: تعرضت مزاراتهم الدينية وقراهم ومدارسهم لعمليات تفجير وتدمير ممنهجة لطمس هويتهم الثقافية والدينية.
ثالثاً: أشكال التهميش المستمر في مرحلة ما بعد داعش
على الرغم من إعلان النصر عسكرياً على تنظيم داعش، لا يزال الأيزيديون يواجهون تحديات وجودية وسياسية تعرقل عودتهم واستقرارهم:
النزوح المستمر وغياب الاستقرار: يعيش عشرات الآلاف من الأيزيديين حتى الآن في مخيمات النزوح (خصوصاً في إقليم كردستان العراق)، عاجزين عن العودة لمناطقهم بسبب الدمار الشامل وغياب الخدمات الأساسية والأمن.
التعقيدات الأمنية والسياسية في سنجار: تحولت سنجار إلى ساحة صراع وتجاذبات إقليمية ومحلية بين فصائل مسلحة متعددة، مما أدى إلى غياب سلطة أمنية مركزية موثوقة تحمي العائدين، وأبقى المنطقة خارج سيطرة الدولة الفعلية في كثير من الأحيان.
البطء في إعادة الإعمار والتعويضات: تعاني المؤسسات المعنية بتعويض الضحايا وتأهيل البنى التحتية من بيروقراطية شديدة وبطء مفرط في صرف التعويضات المالية للمتضررين والناجين من خطف داعش.
التهميش السياسي: على الرغم من وجود تمثيل رمزي للأيزيديين في البرلمان والمؤسسات الحكومية، إلا أنهم يشعرون بغياب إرادة سياسية حقيقية تضمن حقوقهم الدستورية وتمنحهم إدارة ذاتية أو حماية مميزة تليق بحجم معاناتهم.
رابعاً: آفاق المستقبل وسبل إنهاء التهميش
لضمان بقاء هذا المكون العريق كجزء أساسي وفاعل من الهوية العراقية المتنوعة، تتطلب المعالجة حزمة من السياسات الجادة والعاجلة:
تفعيل وتطبيق اتفاقية سنجار: الإسراع في تطبيع الأوضاع الأمنية والإدارية في قضاء سنجار عبر إخراج الجماعات المسلحة غير النظامية، وتشكيل قوة أمنية محلية من أبناء المنطقة أنفسهم لحفظ الأمن.
العدالة الانتقالية والمحاسبة: ملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الأيزيديين وتقديمهم للعدالة الدولية والمحلية، وتفعيل قانون الناجات الأيزيديات (رقم 8 لسنة 2021) بآليات أكثر فاعلية لدعم الناجيات نفسياً ومادياً.
إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية: ضخ استثمارj حكومية ودولية عاجلة لإعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس، وخلق فرص عمل للشباب للحد من الهجرة المستمرة للخارج.
الاعتراف الدولي والإبادة الجماعية: استمرار الجهود الدبلوماسية لدفع المزيد من دول العالم للاعتراف رسمياً بما تعرض له الأيزيديون كـ “إبادة جماعية” (Genocide).
خاتمة
إن تهميش الأيزيديين في العراق ليس مجرد قضية تخص مكوناً دينياً محلياً، بل هو اختبار حقيقي لمدى نجاح الدولة العراقية في بناء نظام ديمقراطي يحمي التعددية ويضمن المواطنة المتساوية لجميع أبنائه. إن إنصاف الأيزيديين وإعادة كرامتهم وعودتهم الآمنة إلى ديارهم هي خطوة لا غنى عنها لشفاء جراح المجتمع الع العراق وترسيخ السلم المجتمعي المستدام
زهير نمر بيباني
تهميش الأيزيديين في العراق: الجذور، التحديات، والآفاق المستقبلية : زهير نمر بيباني
الاشتراك
0 Comments
الأقدم



