جميعنا تشرين» ليحيى السماوي: بلاغة الاحتجاج وشعرية استعادة الوطن : سهيل الزهاوي

مقدمة

تجعل قصيدة «جميعنا تشرين» ليحيى السماوي من الاحتجاج أساسًا لبناء هوية جمعية، يتداخل فيها الانتماء إلى الأرض مع المطالبة باستعادة الوطن. ويتحول «تشرين» من تسمية زمنية إلى علامة على موقف جماعي، بينما تنتظم الصور حول مواجهة العنف والفساد واسترداد شروط الحياة والأمان. ولا تقتصر أهمية النص على مضمونه السياسي؛ إذ تنشأ شعريته من إعادة توزيع الأدوار بين الأشياء: الجرح يواجه السكين، والورد يقف في وجه الرصاصة، والأمان يستيقظ، والوطن يغدو جسدًا.

تستند القراءة إلى تحليل المقاطع وفق ترتيبها، وتجمع بين المنظور البنيوي الذي يفحص انتظام الضمائر واللازمة والتقابلات، والمنظور السيميائي الذي يتتبع علامات المكان والجسد والحياة، والبعد السياسي الذي يضيء خطاب المحاصصة والمواطنة، والبعد النفسي الذي يقرأ خيبة الانتظار واستعادة الفاعلية، والبعد الفلسفي والأخلاقي الذي يسائل معنى الوطن والأمان. وتُدرس الاستعارة والتشخيص والانزياح والمفارقة والتناص بوصفها عمليات تنتج الدلالة في مواضعها، لا مجرد أسماء لمحسنات فنية؛ مع التمييز بين ما يصرّح به النص وما يُستنتج منه نقديًا.

أولًا: العنوان والإهداء – من اسم الشهر إلى الذات الجمعية

يقوم «جميعنا تشرين» على جملة اسمية تُسند اسم الحدث إلى الجماعة. وهي صيغة أقوى من مجرد القول إن المتكلمين «تشرينيون»: فالأولى تقارب التماهي مع الحدث، فيما تدل الثانية على الانتساب إليه. وينشأ الانزياح حين يُنقل اسم الشهر من الإشارة إلى الزمن إلى الإشارة إلى هوية احتجاجية، وبذلك يُصبح الزمن موقفًا تُعرّف الجماعة نفسها به.

ويمنح لفظ «جميعنا» العنوان نزوعًا شموليًا، لكن الإهداء إلى «التشرينيين الحقيقيين» يضع داخل هذا الشمول معيارًا أخلاقيًا للانتماء. وتوحي صفة «الحقيقيين» بوجود تنازع على تمثيل تشرين، دون أن يعيّن النص أطراف هذا التنازع. وتكشف استعارتا «بئر الفساد» و«مستنقع المحاصصة» عن رؤية الأزمة: البئر تومئ إلى السقوط والاحتجاز، والمستنقع إلى الركود والتعطل. وبذلك تُهيئ العتبة لفعل «نُرجع» اللاحق، بوصفه محاولة للخروج من عالم اختلت فيه العلاقات.

أما الإشارة إلى خروج مرتقب «غدًا» فتصل الكتابة بالفعل الجماعي وتمنحها وظيفة استنهاضية. غير أن تحديد اليوم المقصود يحتاج إلى تاريخ كتابة القصيدة، ولا يكفي تاريخ إعادة نشرها لإثباته.

ثانيًا: النهر والنخيل والصخر – سيمياء الأرض والهوية

جميعنا تشرينْ:
النهرُ .. والنخيلُ ..
والصخرُ .. الندى .. والطينْ

تأتي عناصر الطبيعة عقب الإعلان الجمعي فتوسع نطاقه تخييليًا. فالنهر علامة الماء والامتداد، والنخيل يحيل إلى الخصب والتجذر في المكان العراقي، والصخر إلى الصلابة، والندى إلى الرقة والتجدد، والطين إلى صلة الإنسان بمادة الأرض. وتكتسب هذه العلامات معناها من تجاورها أيضًا؛ إذ تجتمع الصلابة والرقة والحركة والثبات داخل صورة وطن لا تختزله صفة واحدة.

ويكمن الانزياح في أن الطبيعة، وهي غير مشاركة في الاحتجاج بالمعنى الحرفي، تُدرج تحت عبارة «جميعنا تشرين»، فيغدو المكان شريكًا رمزيًا في الهوية السياسية. ومن منظور بنيوي يتأسس هنا حقل الحياة والخصب، ليواجه في المقاطع التالية حقل العنف والافتراس والمصادرة. وهكذا يصبح الانتماء إلى الأرض سابقًا على صياغة المطالب، ويمنحها جذورها الوجدانية.

ثالثًا: النور والورد والجرح – قلب أدوات المواجهة

وشاهرو النورِ على الظلمةِ ..
والوردِ على الرصاصةِ العمياء ..
والجرحِ على السِّكِّينْ

يستدعي «شاهرو» عادةً رفع السلاح؛ لكنه يتصل هنا بالنور والورد والجرح، فينتقل فعل الإشهار من القوة المادية إلى قيم الحياة وشهادة الجسد. وينشأ الانزياح من إسناد وظيفة المواجهة إلى عناصر لا تؤديها في الاستعمال المألوف. وتتدرج الصور من تقابل مألوف نسبيًا بين النور والظلمة، إلى مفارقة الورد والرصاصة، ثم إلى صورة أشد تركيبًا في «الجرح على السكين».

فالسكين تُحدث الجرح في الواقع؛ أما الصورة الشعرية فتعكس اتجاه العلاقة، وتجعل الأثر في مواجهة الأداة. ويصبح الجرح، من ثم، شاهدًا على العنف وقوة لكشفه وإدانته. وتضيف صفة «العمياء» إلى الرصاصة إيحاءً بانعدام التمييز، فتزداد حدة التقابل بين هشاشة الحياة وأداة إلغائها.

وسياسيًا لا يعادل النص أدوات القمع بأدوات عنف مماثلة، بل يمنح المتضرر قدرة رمزية على الاحتجاج. ونفسيًا يمكن قراءة الصورة بوصفها انتقالًا من تلقي الألم إلى تحويله إلى موقف جماعي؛ وهي قراءة تستند إلى البناء التصويري، لا إلى افتراض حالة نفسية موثقة لجميع المحتجين.

رابعًا: إيقاظ الأمان وجسد الوطن – التشخيص والامتداد الوطني

وموقظو الأمانِ من سُباتِهِ
في الوطنِ الممتدِّ
من خاصرةِ البصرةِ حتى قَدَمَيْ
حمرينْ

تقوم صورة «موقظو الأمان من سباته» على التشخيص: يُعامَل الأمان، وهو معنى مجرد، بوصفه كائنًا نام وأصبح قابلًا للإيقاظ. ويكشف الانزياح عن انتقال الجماعة من الشعور بفقدان الحماية إلى تصور فعلٍ قادر على استعادتها. وعلى المستوى النفسي تتصل الصورة بالحاجة إلى الطمأنينة والخروج من السكون، وعلى المستوى السياسي يصبح الأمان شرطًا عامًا لا إحساسًا فرديًا عابرًا. ولا يلزم من «سباته» أن الأمان حاضر فعلًا؛ إنما تعطيه الاستعارة هيئة إمكان مستعاد.

وتنتقل القصيدة إلى استعارة جسدية تجعل «خاصرة البصرة» و«قدمي حمرين» أجزاء في جسد الوطن. وفي سياق نقد المحاصصة، تؤسس الصورة مقابلًا رمزيًا للتجزئة: فالمناطق ليست حصصًا منفصلة بل أعضاء في كيان مشترك. كما أن إيراد «حمرين» في سطر مستقل في النسخة النصية المعتمدة يؤخر اكتمال الصورة، ثم يبرز الاسم جغرافيًا وبصريًا وإيقاعيًا. وتتضافر بذلك هيئة الكتابة والاستعارة في إنتاج دلالة الوحدة الوطنية.

خامسًا: «حصة العراقيين» – مفارقة الحق المشترك

نريدُ للعراقِ أن يكونَ
حِصَّةَ العراقيينْ

تقوم قوة هذا القول على إعادة توجيه كلمة «حصة». ففي سياق المحاصصة تستدعي الكلمة توزيع السلطة والمنافع بين قوى متنافسة، لكنها تتحول في البيت إلى حق جامع لأبناء الوطن. وبذلك تستعمل القصيدة مفردة من معجم الممارسة السياسية لتناقض مبدأها. ويعمق التجاور اللفظي بين «العراق» و«العراقيين» الرابطة التي تهددها علاقات التقاسم.

ومن الناحية البنيوية ينتقل الصوت من تعريف الجماعة إلى بيان مطلبها. ومن الناحية السياسية تصبح المواطنة، لا الاستحواذ، معيار العلاقة بالوطن. وهذه لحظة تنجح فيها العبارة المباشرة شعريًا، لأن المفارقة تنشأ من العلاقات داخل اللغة ذاتها، لا من إضافة شرح سياسي إليها.

سادسًا: الظبي والغزال في مواجهة الذئب والتنين – أخلاق الحماية

أنْ يحرسَ الأنعامَ فيه الظبيُ والغزالُ
لا الذئبُ ولا التنِّينْ

تُسند الحراسة إلى كائنين يقترنان بالرقة، وتُنزع من كائنين يرمزان إلى الافتراس والقوة المدمرة. وتنقلب بذلك الصورة المتوقعة للحارس القوي إلى معيار أخلاقي: أن يأمن المحروس ممن يتولى حراسته. وتخرج الدلالات الحيوانية والأسطورية من مجالها الأصلي إلى تصور للعلاقة بين السلطة والمجتمع.

سياسيًا، لا تسمي الاستعارة أشخاصًا أو مؤسسات بعينها، بل تعارض بين الحماية والرغبة في الافتراس، وتقترح معيارًا أخلاقيًا لشرعية السلطة هو ألّا يخشى المحروسُ حارسه. ونفسيًا يتبدّى توق الجماعة إلى التحرر من الخوف. لكن التقابل الحاد بين الوداعة والافتراس يوضح الموقف على حساب تعقيد صور الأطراف السياسية، وهو حدّ فني يُؤخذ في تقدير النص.

سابعًا: السنبل والتنور والنسرين والمحاريب – استعادة شروط الحياة

أنْ نُرجِعَ السنبلَ للحقولِ ..
والدخانَ للتنُّورِ ..
والعبيرَ للنسرينْ ..

وللمحاريبِ بياضَ الدِّينْ

ينظم فعل «نُرجع» سلسلة من العلاقات التي يُفترض أنها اختلت: السنبل والحقول، والدخان والتنور، والعبير والنسرين، وبياض الدين والمحاريب. وتتدرج الاستعادة من الإنتاج والغذاء إلى البيت والجمال والقيمة الروحية. فهي لا تعني مجرد استبدال سلطة بأخرى، بل ترميم صلة الإنسان بعمله ومعيشته وفضائه الأخلاقي.

وتتميز صورة «الدخان للتنور» بأنها تعيد علامة متعددة الدلالات إلى موضع مرتبط بالخبز والبيت؛ فالدخان الذي قد يستحضر الحرائق والخراب في سياقات العنف، يغدو هنا علامة حياة حين يتصل بالتنور. أما «بياض الدين» فهو استعارة لونية للنقاء، وتضيء عبارة «المجاهدين الزور» الواردة في الإهداء وجه النقد الموجّه إلى ادعاء التمثيل الديني، لا إلى الدين باعتباره معتقدًا.

ويُبرز تقديم «للمحاريب» وتمييز العبارة في التفريغ النصي المتاح انتقالَ المطالب من المادي والجمالي إلى الأخلاقي. ومن هنا يتخذ الفعل «نُرجع» مضمونًا إنسانيًا واسعًا: استعادة الوطن تعني إعادة الحقوق والأشياء والقيم إلى مواضعها التي يستحقها الناس.

ثامنًا: تدوير النفايات وسوق المحاصصين – الاستعارة السياسية ومصادرة الصوت

نرفضُ تدويرَ النفاياتِ
ونأبى أنْ نظلَّ سلعةً خرساءَ
في سوقِ المحاصصينْ

تنتقل «تدوير النفايات» من المعجم البيئي إلى الهجاء السياسي، فتلمح إلى إعادة إنتاج القوى أو الممارسات المرفوضة. وتستمد العبارة حدتها من وضوح الإدانة أكثر مما تستمده من الانفتاح المجازي. أما «سلعة خرساء» فتشكل صورة أعمق: المواطن يُختزل إلى شيء قابل للمساومة، ثم تُسلب منه القدرة على الكلام والتأثير. ويحوّل «سوق المحاصصين» المجال السياسي إلى فضاء تبادل تتعرض فيه إرادة الناس للمصادرة.

والمفارقة أن الجماعة التي ترفض الخرس تمارس صوتها بالفعل داخل النص عبر «نريد» و«نرفض» و«نأبى» و«نُرجع». ومن الناحية النفسية تشير الصورة إلى الإحساس بالتهميش، بينما يكشف تركيبها السياسي رفض تحويل المواطنين إلى موضوع لصفقات لا يقررون شروطها.

ويتقابل «الإرجاع» و«التدوير» على مستوى البنية: الأول استعادة للسنبل والخبز والأمان، والثاني استمرار لما تراه الجماعة سببًا للاختلال. وبذلك لا تدعو القصيدة إلى تكرار الماضي كما كان، بل إلى انتقاء ما ينبغي استرداده ورفض ما يجب ألا يعاد إنتاجه.

تاسعًا: عرقوب وأبرهة – التناص وحدود التعميم

جميعُهمْ «عرقوبُ» في الوعدِ
وفي أفعالِهم «أبرهةُ» اللعينْ

يستدعي «عرقوب» موروث إخلاف الوعد، بينما تستدعي صورة «أبرهة» قصة الاعتداء على البيت الحرام في الذاكرة الدينية. والتناص هنا إحالة مكثفة لا اقتباسًا مطولًا؛ إذ تحمل الشخصيتان تقويمًا للقول والفعل معًا: وعود لا تنجز وأفعال تُصوّر بوصفها هدمًا. وتأتي وظيفته السياسية من إسقاط هذه الدلالات الموروثة على خصوم الجماعة المحتجة؛ ووظيفته البنيوية من توسيع ثنائية الوعد والعمل، لا من إثبات تماثل تاريخي حرفي.

ويقابل «جميعهم» لفظَ «جميعنا» الذي يؤسس هوية المتكلمين. وهكذا ينتظم العالم الشعري في جماعتين متضادتين. تخدم هذه الثنائية وضوح الموقف وقابليته للتعبئة، لكنها تضيق مساحة التمييز بين الأطراف المختلفة، ولذلك تُقرأ بوصفها تعميمًا بلاغيًا في خطاب احتجاجي لا تقريرًا تاريخيًا شاملًا. ويضيف وصف «اللعين» نبرة هجائية مباشرة تكشف عن تفاوت كثافة التعبير بين الاستعارة المركبة والإدانة الصريحة.

عاشرًا: «عقدان مرّا» – الزمن السياسي والخيبة النفسية الجمعية

عِقدانِ مرّا
لم يزرنا مرَّةً واحدةً عيدٌ
فيُجلي بالمسرّاتِ همومَ
الوطن الحزينْ

ينتقل النص هنا من الإعلان عن المطالب وإدانة الممارسات إلى مساءلة حصيلة الزمن في الوجدان الجمعي. ويرجّح سياق نقد الفساد والمحاصصة والوعود المخلفة أن تشير «عقدان مرّا» إلى المرحلة التالية لتغيير النظام العراقي عام 2003، لا إلى مرور عشرين سنة بوصفه مدة محايدة. وتتيح نسخة منشورة سنة 2022 قراءة هذا المقطع ضمن الأفق الزمني لذلك التاريخ، لكن تحديد تاريخ كتابة القصيدة على وجه الدقة يحتاج إلى شاهد مستقل.

والتمييز ضروري بين وقوع التغيير وتقييم نتائجه؛ فالقصيدة لا تنكر حدوث تحول سياسي، بل تعبر عن خيبة الجماعة مما ترى أنه لم يتحقق من الأمان والكرامة والعدالة. وتقوم المفارقة على مقابلة المدة الطويلة «عقدان» مع نفي حصول «مرة واحدة» من الفرح. ويصل التقارب الصوتي بين «مرّا» و«مرّة» انقضاء السنوات باستمرار الغياب.

ويتحول العيد إلى زائر منتظر، في استعارة تشخيصية تجعل الفرح حضورًا بشريًا تأخر عن البيت الجماعي. أما «الوطن الحزين» فينقل الشعور الإنساني إلى المكان، فيصبح الحزن صفة لتمثل الجماعة لوطنها. وعلى المستوى النفسي لا يصف النص مزاج الأفراد وصفًا تجريبيًا، وإنما يبني وجدانًا مشتركًا من الضمائر والصور والزمن؛ وعلى المستوى السياسي تتحول هذه الخيبة إلى مساءلة لنتائج مرحلة تاريخية.

حادي عشر: «البلد الأمين» – التناص وأفق الوطن المنشود

نريدُ أن يعودَ وادي الرافدينِ
البلدَ الأمينْ

تستدعي عبارة «البلد الأمين» صدى قوله تعالى: «وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» (سورة التين، الآية 3). (1) ويمنح التناصمطلب الأمان قيمة تتصل بحرمة الحياة وطمأنينة الإقامة، لكن الشاعر ينقله إلى سياق عراقي معاصر. وتربط صيغة «يعود» المستقبل بمعنى الاسترداد الذينظّم مقاطع المطالب السابقة، دون أن تستلزم حكمًا بأن الماضي كله كان آمنًا.

وتردّ البنية الختام إلى صورة «موقظو الأمان من سباته»: فالأمان الذي كان مهمة إيقاظ يصبح صفة للوطن المرجو. وفلسفيًا، لا يُعرّف الانتماء هنا بالأرض والاسم وحدهما، بل بالعلاقة بين الكرامة والحقوق والحماية والقدرة على الكلام والقرار. ونفسيًا لا تُبطل الرغبة خيبة الانتظار، بل تعطيها اتجاهًا عمليًا؛ أما «نريد» فتبقي المسافة بين المعيش والمأمول مفتوحة، دون ادعاء أن القصيدة قدمت مشروعًا سياسيًا مفصلًا.

ثاني عشر: البنية الكلية والإيقاع – من إعلان الهوية إلى إرادة الفعل

تُظهر قراءة المقاطع في تسلسلها ثلاث حركات متصلة: بناء الهوية من خلال العنوان والطبيعة والجسد؛ ثم بلورة المطالب وإدانة العنف والمحاصصة؛ وأخيرًا استحضار خيبة الانتظار وتجديد طلب الأمان. وتؤدي عبارة «جميعنا تشرين»، التي تظهر ثلاث مرات في النسخة المصوّرة، وظيفة لازمة تنظيمية: تبدأ تعريفًا بالجماعة، وتتسع دلالتها بعد المطالب، ثم تتصل بأفق الوطن المنشود.

وتتوزع الحقول الدلالية على أقطاب متعارضة: النور والظلمة، الورد والرصاصة، الحارس الرقيق والمفترس، الإرجاع والتدوير، الصوت والخرس، الوطن الحزين والبلد الأمين. وهي تقابلات تنظم المعنى ولا تُختزل في الزينة البلاغية. كما يتطور الكلام من الجملة الاسمية المثبتة للهوية إلى أفعال «نريد» و«نرفض» و«نأبى»، فيتحول تعريف الذات إلى إعلان قدرتها على الاختيار.

ويصل التقارب الصوتي بين «تشرين» و«الطين» و«السكين» و«حمرين» و«العراقيين» و«الدين» و«الحزين» و«الأمين» أجزاء النص بنبرة قابلة للتذكر والترديد. ويتضافر هذا مع التوازي التركيبي في صور المواجهة، ثم في سلسلة الاستعادة، ومع الوقفات وتوزيع الأسطر. ولا يكفي هذا الوصف لتعيين نظام عروضي محدد؛ فذلك يحتاج إلى ضبط القصيدة كاملة وفحصها تقطيعيًا.

ثالث عشر: تكامل الأبعاد النقدية ووظائف الصورة

لا تتجاور الأبعاد في القصيدة بوصفها موضوعات منفصلة: فالبنية التي تقابل «جميعنا» بـ«جميعهم»، و«الإرجاع» بـ«التدوير»، تجعل الاستقطاب السياسي ترتيبًا لغويًا محسوسًا؛ والعلامات السيميائية للطين والنخيل والسنبل تمنح مطلب المواطنة مادةً من الأرض والعيش اليومي. وهكذا يُقرأ السياسي عبر كيفية انتظام الألفاظ والصور، لا عبر مضمون الشعارات وحده.

وتنشط الاستعارة والانزياح عند انتقال «الجرح» إلى موقع الإشهار و«الأمان» إلى هيئة النائم، بينما يحوّل التشخيص «العيد» إلى زائر غائب. وفي هذه الصور يتصل التحول البلاغي بالبعد النفسي: فالألم والانتظار والحرمان ليست مجرد حالات مصرحًا بها، بل علاقات يعيد النص تشكيلها في اللغة، بما يسمح بتصور المقاومة بعد الجرح والإرادة بعد الخيبة.

ويؤدي التناص وظيفتين مختلفتين: يمنح «عرقوب» و«أبرهة» هجاء الخصوم سندًا من الذاكرة الثقافية، فيما تنقل عبارة «البلد الأمين» الاستشهاد الديني إلى أفق قيمي للمستقبل. أما البعد الفلسفي فلا يقوم على نظرية جاهزة، بل على سؤال مضمَر: متى يستحق المكان اسم الوطن؟ ويجيب البناء الشعري باستعادة الخبز والأمان والصوت والحق المشترك. ويظل ذلك تأويلًا تدعمه مفردات القصيدة، لا تقريرًا لبرنامج مكتمل.

رابع عشر: القيمة الفنية وحدود المباشرة – تقدير نقدي

تبلغ القصيدة كثافتها الفنية حين يتولد الموقف السياسي من بناء الصورة نفسها، كما في «الجرح على السكين» ومفارقة «حصة العراقيين». فليست الجمالية هنا زخرفًا للفكرة، بل طريقة لتوليد معناها وكشف اختلال العلاقات بين الإنسان والسلطة والوطن.

وفي المقابل، تقترب «تدوير النفايات» والتعميمات الهجائية من التعبير المباشر، وهو اختيار يخدم وضوح الاحتجاج وقابليته للترديد، لكنه يضيّق أحيانًا احتمالات التأويل. وتبرز خصوصية السماوي في وصل هذا الخطاب برموز محسوسة من البيئة العراقية، من النخيل والطين إلى السنبل والتنور، دون تساوٍ بين المقاطع في الكثافة الفنية.

خاتمة

تنبني «جميعنا تشرين» على مسار يمتد من تسمية الذات الجمعية إلى إعلان مطالبها، فمساءلة حصيلة الانتظار واستحضار وطن مأمول. وتتساند اللازمة والضمائر والأفعال والتقابلات في إنتاج هذا المسار.

وأظهرت القراءة أن قوة النص تتفاوت: تتسع دلالة بعض الاستعارات والمفارقات، بينما تختار عبارات أخرى المباشرة الهجائية طلبًا لوضوح الاحتجاج. ومن هذا التوتر تتحدد خصوصية القصيدة الجمالية، دون مساواة جميع مقاطعها في الكثافة الفنية.

وتجمع «البلد الأمين» حصيلة الرؤية السياسية والنفسية والأخلاقية: وطن يُختبر معناه بقدرة أبنائه على العيش بكرامة وأمان وصوت مسموع، ويبقى استرداده مطلبًا لا نتيجة معلنة.

المصادر والإحالات

(1) يحيى السماوي، «جميعنا تشرين»، نص من منشور على صفحة الشاعر في فيسبوك، 24.10.2026 . وللمقارنة: «جميعنا تشرين»، طريق الشعب، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 2022: جميعنا تشرين. يعتمد التحليل والملحق على النسخة الأحدث؛ ولا تمثل تواريخ النشر بالضرورة تاريخ كتابة القصيدة.

(2) القرآن الكريم، سورة التين، الآية 3.

ملحق: نص القصيدة «جميعنا تشرين»

نص من منشور على صفحة الشاعر في فيسبوك، 24,10.2026

جميعنا تشرين

إلى التشرينيين الحقيقيين: «أملنا الوحيد في إخراج العراق من بئر الفساد ومستنقع المحاصصة».

إلى الملايين التي ستخرج غدًا مطالبة باستعادة الوطن من اللصوص وساسة الصدفة والمجاهدين «الزور»..

ــــــــــــــــــــــــ

جميعنا تشرينْ:

*

النهرُ .. والنخيلُ ..

والصخرُ .. الندى .. والطينْ

*

وشاهرو النورِ على الظلمةِ ..

والوردِ على الرصاصةِ العمياء ..

والجرحِ على السِّكِّينْ

*

وموقظو الأمانِ من سُباتِهِ

في الوطنِ الممتدِّ

من خاصرةِ البصرةِ حتى قَدَمَيْ

حمرينْ

*

نريدُ للعراقِ أن يكونَ

حِصَّةَ العراقيينْ

*

أن يحرسَ الأنعامَ فيه الظبيُ والغزالُ

لا الذئبُ ولا التنِّينْ

*

أن نُرجِعَ السنبلَ للحقولِ ..

والدخانَ للتنُّورِ ..

والعبيرَ للنسرينْ ..

وللمحاريبِ بياضَ الدِّينْ

*

جميعنا تشرين

*

نرفضُ تدويرَ النفاياتِ

ونأبى أنْ نظلَّ سلعةً خرساءَ

في سوقِ المحاصصينْ

*

جميعُهمْ «عرقوبُ» في الوعدِ

وفي أفعالِهم «أبرهةُ» اللعينْ

*

عِقدانِ مرّا

لم يزرنا مرَّةً واحدةً عيدٌ

فيُجلي بالمسرّاتِ همومَ

الوطن الحزينْ

*

جميعنا تشرين

*

نريدُ أن يعودَ وادي الرافدينِ

البلدَ الأمينْ

 

 

 

 

 

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت