هنأت صديقاً إيزيدياً من شنگال بعيد جمايا، فقال لي إنه لا يحتفل بهذا العيد لأنه مرتبط بالشيخ آدي (عدي بن مسافر). بصراحة، كلامه جعلني أبحث أكثر عن أصل هذا العيد، وخلال البحث لفت انتباهي شيء آخر، وهو التشابه والعلاقة المحتملة بين جەژنا جەمايێ الإيزيدي ومێهرگان (مێهرەجان) الزردشتي.
ومن أكثر الأشياء التي لفتت انتباهي ما كتبه المسعودي في كتابه «مروج الذهب» عندما تحدث عن المهرجان وقال: «بين النيروز والمهرجان مائة وتسعة وستون يوماً». هذا التقارب في الوقت بين مێهرەجان أو مێهرگان الزردشتي وعيد جەمايێ جعلني أتوقف وأسأل نفسي: هل يمكن أن يكون وراء هذين العيدين شيء أقدم؟
أنا لا أطرح هنا أن جەمايێ هو نفسه مێهرەگان ولا أقول إن هناك علاقة مؤكدة بينهما. الفكرة بالنسبة لي هي أن نسأل عن بعض الأعياد والمعتقدات التي بقيت حية في كردستان، رغم كل التغييرات التي مرت بها المنطقة، من تغير الأديان والدول وحتى اللغات.
جزء كبير من تاريخ شعبنا القديم لم يكتبه أبناء كردستان، ولهذا أعتقد أن من المهم أن نحاول قراءة تاريخنا القديم من وجهة نظرنا نحن أيضاً.
ليس المقصود أن نخترع تاريخاً على حسب رغبتنا وإنما أن نبحث عما بقي من الماضي في اللغة والعادات والأعياد والطقوس والحكايات الشعبية.
ومن هنا جاء اهتمامي بالتشابه بين مێهرەگان وجەمايێ. مێهرەگان عيد قديم ارتبط بالسلطة الساسانية والطقوس الزردشتية ومن الناحية اللغوية باللغة الفهلوية والتي يمكن اعتبار اللهجة الكردية الفيلية والهورامية هي امتداد لها.
وكذلك عيد جەمايێ يقام في الخريف أيضا وفي معبد لالش وهي من أهم الأماكن المقدسة في كردستان والذاكرة الإيزيدية.
طبعاً مجرد أن العيدين يأتيان في فصل الخريف لا يكفي حتى نقول إن بينهما علاقة. وحتى وجودهما في منطقة جغرافية متقاربة لا يعتبر دليلاً بحد ذاته. لكن برأيي، هذه الأمور تجعل السؤال يستحق البحث.
فهل يمكن أن يكون وراءهما تقليد موسمي أقدم عرفته شعوب المنطقة ثم تغير شكله مع مرور الزمن واختلاف الأديان؟
ربما نعم وربما لا.
فالأعياد في المجتمعات القديمة كانت في كثير من الأحيان مرتبطة بالطبيعة ودورة السنة: الشمس والمطر والحصاد والخصب وتغير الفصول وتجدد الحياة… وهذا أمر طبيعي إذا فكرنا في حياة الناس في ذلك الوقت، لأن حياتهم كانت مرتبطة بالأرض والمواسم أكثر بكثير مما هي عليه اليوم.
ولهذا نجد أحياناً أشياء متشابهة بين تقاليد شعوب عاشت في مناطق متقاربة حتى لو أصبحت أديانها ولغاتها مختلفة فيما بعد.
وهنا يمكن أن ننظر أيضاً إلى بعض المعتقدات السومرية والبابلية القديمة، مثل قصص دموزي وإنانا، التي فيها رموز تتعلق بالموت والغياب والعودة وتجدد الحياة. وكان لدموزي أيضاً عيد مرتبط بدورة السنة.
لكنني لا أريد أن أذهب بعيداً في هذا التشابه وأقول إن جەمايێ أو مێهرەگان يعودان مباشرة إلى طقوس دموزي فقط من حيث التشابه بينهما من حيث التوقيت، اذ لا يوجد عندي دليل على ذلك وما أقصده فقط هو أن فكرة دورة الطبيعة وتجدد الحياة كانت موجودة في المنطقة منذ عصور قديمة وربما بقيت بعض آثارها بأشكال مختلفة.
واللغة أيضاً موضوع مهم في هذه المسألة؛ كلمات مثل «مێهر» و«مێهرگان» و«جەم» و«جەمايێ» تستحق أن نتوقف عندها ونبحث في أصلها وتطور معناها.
كلمة «جەم» مثلاً وردت في شعر أحمدي خاني بمعنى الملك، ونجدها أيضاً في تعبير «جام جەم»، وهناك ميترا، التي ارتبطت بالشمس وبمعتقدات دينية قديمة في المنطقة.
ولهذا تلفتني كلمة «مێهر» نفسها، وما يمكن أن تكون له من علاقة بمير أو ميثرا والتقاليد الدينية القديمة. لكن هنا أيضاً يجب أن نكون حذرين، لأن تشابه الكلمات لا يعني بالضرورة أن أصلها واحد. هذه الأمور تحتاج إلى دراسة لغوية وتاريخية، وليس مجرد تشابه في اللفظ.
والشيء نفسه ينطبق على الاديان. الإيزيدية؛ لها خصوصيتها وعقائدها وتقاليدها ولذلك لا أرى من الصحيح اختزالها في الزردشتية أو الميثرائية، وبخاصة أنها اقدم من الزردشتية، لكن هذا لا يمنع من البحث في المعتقدات القديمة التي ربما بقيت بعض آثارها في الموروث الإيزيدي، أو البحث عن عناصر مشتركة بينها وبين تقاليد دينية أخرى في كردستان، مثل اليارسان وأهل الحق.
وبالنسبة لي فالموضوع لا يتعلق بالدين فقط بل بالتاريخ أيضاً.
فمن الخطأ أن نسقط مفهوم القومية الكردية الحديثة على المجتمعات القديمة، لأن الناس في ذلك الوقت لم يكونوا يعيشون مفهوم القومية بالشكل الذي نعرفه اليوم. لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع دراسة الشعوب التي عاشت في هذه المنطقة ولغاتها وثقافاتها وعاداتها، وما يمكن أن يكون بينها وبين المجتمعات الكردية التي ظهرت لاحقاً من صلات.
ولهذا أعتقد أن تاريخ كردستان لا يجب أن نبحث عنه فقط في قصور الملوك وفي الحروب والإمبراطوريات، حيث هناك تاريخ آخر موجود عند الناس أنفسهم: في اللغة وفي الأعياد والأغاني والحكايات، وحتى في بعض الطقوس التي ربما لم يعد الناس يعرفون أصلها.
وأنا من هذه الزاوية لا أرى أن المقارنة بين مێهرەگان او مێهرەجان وجەمايێ تعني أن أحدهما نسخة من الآخر. بالنسبة لي هي مجرد بداية لسؤال أكبر:
هل بقيت عند شعوب كردستان بعض الأشياء من تقاليد دينية وموسمية قديمة، رغم أن الأديان واللغات والسلطات تغيرت مرات كثيرة؟
لا أملك جواباً نهائياً وقد أكون مخطئاً في بعض هذه المقارنات. وربما عندما يبحث فيها متخصصون في التاريخ واللغة والآثار تظهر لنا صورة مختلفة تماماً.
لكنني أعتقد أن السؤال نفسه يستحق أن يطرح.
خصوصاً أن جزءاً كبيراً من تاريخنا لم يصل إلينا في الكتب وإنما بقي في الذاكرة وفي اللغة والعادات والمعتقدات الشعبية.
فبين مێهرەگان وجەمايێ، وبين نەوروز وچارشما سوور، وكذلك بين شەڤا چللە وشەڤا گایێ زەر، ربما توجد خيوط متفرقة من ذاكرة قديمة.
لا أعرف إن كانت هذه الخيوط مرتبطة ببعضها فعلاً أم أن التشابه بينها مجرد تشابه فرضته البيئة والمواسم وطبيعة حياة الناس.
لكنني أعتقد أن من حقنا أن نبحث عنها، وأن نقرأ تاريخ هذه الأرض بلغتنا وبعين أبنائها، وفي الوقت نفسه يجب أن نبقى حذرين ونفرق بين ما نعرفه بدليل، وما هو مجرد احتمال أو فكرة تحتاج إلى إثبات.
وربما يكون هذا هو الشيء الأهم في الموضوع كله: أن نطرح الأسئلة، حتى لو لم تكن لدينا الإجابات بعد.



