لم يكن للكهرباء معنى في حياتنا قبل أواخر السبعينيات من القرن الماضي. كانت ختارة، مثل بقية ريف العراق، تعيش لياليها في ظلام كثيف، ظلام لا يفرّق بين صيف وشتاء، لكنه في الشتاء كان أثقل، لأنه يحمل معه البرد والمطر وأحيانا الثلج، ويطيل ساعات العزلة بين جدران غرف لا يبدّد عتمتها سوى قناديل وفوانيس تمنح القرويين ضوءاً خافتاً، يكفي بالكاد لرؤية الوجوه.
قبل أن يخترع العقل البشري “اللالة” ثم “اللوكس”، كان الفانوس سيد الليل. لكن سيداً متعباً، يملأ الغرف برائحة الكيروسين، ويترك على الوجوه سوادا، لايزيله غسلها بالماء صباحا، وهكذا على الجدران لا تمحوه مساحيق التنظيف مهما حاولت النساء صباحاً أن يغسلن أثره.
كانت تلك السنوات خالية من التلفزيون، حتى ذلك الصندوق الصغير الذي يعرض صوراً بالأبيض والأسود لم يكن قد دخل حياتنا بعد. لم نكن نعرف الأفلام، ولا الضحك أو البكاء الذي تمنحه القصص المصوّرة. كان الفراغ واسعاً، والليل أطول من أن يُقضى بالنوم وحده. ولأن الضوء يغلق بابه مبكراً، كانت الحكايات تفتحه من جديد.
في ختارة، حيث مرّت على القرية فرمانات وهجمات وجراح قديمة، كانت الليالي تُقضى على وقع الأساطير التي يحفظها رجال ونساء القرية. وكان بيتنا واحداً من تلك البيوت التي تتحوّل ليلاً إلى مسرح للحكاية.
كان الراويان الأشهر: مام خدر حكيم وشقيقه مام حجي حكيم، والمستمعين كانو رجال القرية بعضا منهم من وجهاءها، بعضهم يحضر بدعوات على طريقة ذلك الزمن “كەرە مكه وە ره شەڤبێريێ” ، وأحيانا يأتي آخرون دون دعوة بحكم العلاقة التي تربط عائلتنا بالجيران وأهل القرية، وحين يزورنا خالي شيخ سليمان، القادم من قرية بابيرة، يزداد عدد الحضور، فالرجل كانت له علاقات واسعة مع وجهاء القرية وعوائلها، ومحطة بقاءه الأولى في القرية كانت بيتنا.
للأساطير في بيتنا طقوسها. كان والدي الشيخ عفدي يعلن نهاراً عن أمسية قصصية، فيُرسل أحدنا إلى مام خدر أو مام حجي ليبلغه الدعوة. ولأن العلاقة بين عوائلنا كانت قوية، لم يكن الرفض موجوداً في قاموسهم.
نبدأ بعدها بإعداد مستلزمات السهرة، فانوس إضافي، أو “لالة” إن وجدت، وقودٌ من القش والتبن وأقراص المطال المصنوع من روث الحيوانات لإشعال المدفأة، إبريق شاي لا يهدأ، وفاكهة الشتاء- الزبيب، التين إن توفر، والحبة الخضراء التي يجلبها أهل الجبل إلى القرية، لتبادلها مع حبوب القمح والشعير، وحبة “السسي” التي تجمعها النساء من سهول القرية.
وعندما يحل الظلام، يأتي الضيوف تباعاً. نفرش “الدواشك” الصوفية، ونضع المخدات المصنوعة بعناية على الحائط لحماية ظهور الرجال من برد الجدران، ونرتّب الجلسة حول المدفأة التي توزع دفئها على الجميع.
حين يكتمل الحضور، يدخل مام خدر أو مام حجي، يجلس في صدر المجلس، يرفع صوته قائلاً- “هەبوو، نەبوو، كهس ژ خودێ مەستر نەبوو…” كان ما كان، ولم يكن أكبر من الله.
ثم يضيف بصوته الجهوري الذي يجعل شعر رؤوسنا يقف “ئەز بەنی سەری جاڤی…” ومن هنا تبدأ الرحلة. وتستمر إلى وقت متأخر من الليل .
كانت أسطورة “رستم الظال – روستهمى زالى” هي الأكثر حضوراً. يرويها الراوي كأنها معركة حقيقية تحدث أمامنا. نسمع وقع حوافر “رهخشى بهلهك”، الحصان المرقط، وهو يركض نحو “الدیو” الغول، رمز الشر. ونرى في خيالنا “گورزى گیلانى” وهو يهوي على رأس الغول، محدثا في ساحة المعركة رعودا وصواعقا.
وعندما يُجرح رستم، يصف الراوي جرحه كأنه نافذة يخرج منها الضوء. ثم يظهر طائر العنقاء “سمیرخ”، يحمل الريشة المقدسة، يغمسها في “علبة سليمان” المليئة بالمرهم، ويمسح بها جروح رستم، فينهض البطل من جديد، أقوى مما كان.
كانت الأسطورة تمتد لأيام، ربما أسبوع كامل، كأنها مسلسل تلفزيوني من زمنٍ لم يعرف التلفزيون بعد. ننتظر الليلة التالية بشغف، نعدّ الساعات، نعيش مع رستم معاركه، ونفرح لانتصار الخير على الشر، كما يفعل الختاريون دائماً.
وحين تقترب القصة من نهايتها، يصيبنا الحزن. نسأل أنفسنا: كيف سنقضي بقية الليالي؟
لكن جعبة مام خدر ومام حجي كانت مليئة بالحكايات- مم وزين، خەج وسيامەند، ليلى ومجنون، فەرخ وستى، عاشق غريب… وغيرها الكثير مما كان يملأ ليالي ختارة الطويلة بالدفء والخيال.




