لم تعد حكومة الزيدي أمام اختبار واحد يمكن اختزاله بمهلة 30 أيلول الخاصة سلاح الفصائل، فالمشهد يبدو أكثر تعقيداً من ذلك, فالرجل يواجه في الوقت نفسه ملفات متراكمة، تبدأ من حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد واستكمال الكابينة الوزارية ومحاولة الحد من التدخلات السياسية في القرار التنفيذي، وصولاً إلى الأزمة المالية والاقتصادية التي تضيق معها الخناق مساحة أمام الحكومة.
ومع اقتراب المهلة تبدو قضية السلاح الاختبار الأكثر حساسية، ليس لأنها تتعلق بالجانب الأمني فقط، وإنما لأنها تمس جوهر مفهوم الدولة وهيبتها, فإعلان الحكومة عن ضرورة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يضعها أمام اختبار حقيقي:-
هل تستطيع الدولة تنفيذ قرارها عندما يتعارض مع مصالح قوى سياسية تمتلك نفوذاً واسعاً داخل مؤسساتها؟ وهنا تكمن صعوبة المسألة لأن نجاحها لا يقاس بتحديد المواعيد، وإنما بما ستفعله عندما ينتهي الموعد المحدد.
لغاية هذه اللحظة لم نرى أو نسمع عن إجراءات عملية ومنظمة تؤدي في النهاية إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج سيطرة الدولة، وإذا ما انتهت المهلة إلى تفاهمات جديدة أو تمديد غير معلن أو تسويات سياسية فإن المشكلة ستتجاوز قضية السلاح لتصل إلى مصداقية القرار الحكومي نفسه, فالدولة التي تحدد موعداً لتنفيذ قرار سيادي ثم تعجز عن تطبيقه تخسر جزءاً من هيبتها حتى وإن نجحت في إدارة الأزمة سياسياً.
يضاف الى ذلك, ملف أكثر تعقيداً يتمثل بمكافحة الفساد، وتحديداً الفساد المرتبط بالشخصيات السياسية الكبيرة, فمحاسبة الموظف أو المسؤول مهما كان موقعه تبقى خطوة محدودة إذا لم تصل الحملة إلى مراكز النفوذ التي تمتلك القدرة على حماية الفاسدين أو تعطيل الإجراءات بحقهم, والمشكلة في العراق تأتي من وجود منظومة مصالح سياسية واقتصادية وإدارية قادرة على إعادة إنتاج الفساد وحماية بعض أطرافه.
وهنا معركة الزيدي الحقيقية هي:- هل يستطيع الوصول إلى الكبار أم ستبقى المحاسبة محصورة في الحلقة الأضعف؟ لذلك فإن نجاح الحكومة في هذا الملف سيقاس بمدى قدرتها على تطبيق القانون على الجميع لا بعدد الملفات التي تفتحها أو الأسماء التي تعلن عن محاسبتها.
معركة تشكيل الحكومة واستقلال القرار
تكشف أزمة الكابينة الوزارية جانباً مهما من الأزمة, فعدم اكتمال الحكومة بعد تشكيلها لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تأخير إداري، لأن جوهر المشكلة يرتبط بطريقة توزيع السلطة والنفوذ, فعندما تتحول الوزارة إلى حصة حزبية يصبح اختيار الوزير مرتبطاً بالتوافق بين القوى أكثر من ارتباطه بالكفاءة والقدرة على إدارة المؤسسة, وهنا يجد الزيدي نفسه أمام معادلة صعبة, فإذا قبل بمرشحي القوى السياسية فإنه يحافظ على الاستقرار السياسي لكنه يدفع ثمن ذلك من استقلال حكومته, وإذا أصر على اختيار وزراء وفق رؤيته فإنه يدخل في مواجهة مباشرة مع القوى التي تمتلك القدرة على تعطيل حكومته عن طريق البرلمان والمؤسسات التي تسيطر عليها.
ومن هذه المنطلق: يمكن فهم موقف الزيدي من مسألة نواب رئيس الوزراء, فرفضه وجود نواب لرئيس الوزراء يمكن أن يقرأ باعتباره محاولة لتقليل مراكز القرار داخل السلطة التنفيذية، فكلما تعددت مراكز القرار أصبح من الصعب تحديد الجهة التي تتحمل مسؤولية النجاح أو الفشل.
في المقابل: هذا القرار يصطدم بطبيعة النظام السياسي الذي اعتاد توزيع المواقع العليا باعتبارها جزءاً من التوافقات السياسية, لذلك فإن تقليص هذه المواقع لا يمثل قراراً إدارياً فقط، وإنما يمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين رئيس الوزراء والقوى السياسية التي جاءت به إلى السلطة.
وفي الوقت نفسه: يبرز سؤال آخر حول جدوى استحداث وزارات جديدة, فالوزارة الجديدة لا تعني فقط منصب وزير، وإنما تعني جهازاً إدارياً وموازنات تشغيلية ومكاتب ومستشارين وموظفين ونفقات مستمرة, لذلك فإن استحداث مؤسسات جديدة في ظل ضغط مالي يحتاج إلى مبرر اقتصادي وإداري واضح، وإلا تحول الأمر إلى وسيلة جديدة لتوزيع المناصب والنفوذ.
الاقتصاد والضغوط المالية المتزايدة
ويبقى الاقتصاد هو الملف الذي لا يستطيع أي توافق سياسي تأجيله إلى ما لا نهاية, فالبلد ما زال يعتمد بصورة كبيرة على النفط، في الوقت الذي تتزايد فيه الالتزامات المالية للدولة، من رواتب ونفقات تشغيلية ودعم وخدمات ومشاريع, وأي انخفاض في الإيرادات النفطية سيضع الحكومة أمام خيارات صعبة، خصوصاً إذا بقي الإنفاق العام مرتفعاً ولم يتحقق تقدم حقيقي في تنويع مصادر الدخل.
وهنا تتضح مفارقة الكبرى: الحكومة مطالبة بالإصلاح، لكنها تعمل داخل دولة ذات جهاز حكومي ضخم، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، وبيئة سياسية تقوم على التوافقات، وشبكات مصالح مرتبطة بالإنفاق العام,لذلك فإن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى إعادة النظر في بنية الإنفاق وتنويع الإيرادات ودعم القطاعات الإنتاجية وتقليل الهدر، وكذلك وربط الإنفاق الحكومي بنتائج حقيقية يشعر بها المواطن.
في النهاية: إن اختبار الزيدي لا يبدأ في 30 أيلول ولا ينتهي بانتهاء هذه المهلة, فالموعد قد يكون محطة مهمة في ملف السلاح، لكنه جزء من اختبار أكبر يتعلق بقدرة الحكومة على بناء دولة تمتلك قرارها السياسي والأمني والاقتصادي.
فالنجاح في حصر السلاح دون محاسبة الفاسدين الكبار سيبقي الدولة ناقصة القوة، ومكافحة الفساد دون تحجيم التدخل السياسي ستبقيها عرضة للضغوط المستمرة، وتشكيل حكومة من دون استقلال القرار التنفيذي سيجذر أركان المحاصصة، واستحداث مؤسسات جديدة في ظل أزمة مالية سيزيد أعباء الدولة، بينما استمرار الاعتماد على النفط سيجعل جميع هذه الإصلاحات معرضة للسقوط عند أول أزمة مالية حقيقية.
لذلك فإن السؤال الأهم: هل يستطيع الزيدي تنفيذ مهلة 30 أيلول؟
والسؤال الأعمق هو: هل يستطيع أن ينتقل بالعراق من دولة تديرها التوازنات السياسية إلى دولة تديرها المؤسسات والقانون؟
إذا استطاع تحقيق ذلك فستكون مهلة 30 أيلول مجرد بداية لمرحلة جديدة, أما إذا بقيت القرارات الكبرى رهينة التوافقات والضغوط، فستبقى المشكلة أعمق من سلاح الفصائل أو فساد المسؤولين, بل مشكلة دولة لم تحسم بعد لمن تكون الكلمة الأخيرة فيها.



