حلمتُ أنني عدتُ إلى العراق:ماجد حسن

 

بعد أكثر من خمسين عاماً من العمر، وبعد أن أمضى الإنسان أكثر من نصفها في خدمة بلده، يصبح الوطن شيئاً لا يغادره الإنسان حتى لو غادره الوطن.

قد يعيش المرء ثماني سنوات أو عشرين سنة في الغربة، بين شوارع نظيفة وقطارات تصل في موعدها ومستشفيات منظمة وقوانين تطبق على الجميع، لكنه حين ينام، قد يعود فجأة إلى زقاق طفولته، إلى مقهى قديم، إلى وجوه أصدقائه الذين فرّقتهم السنوات، وإلى وطن تركه جسداً وحمله في داخله روحاً وذاكرة.

وهذا بالضبط ما حدث لي ليلة أمس.

رأيت في المنام أنني أجلس في مقهى شعبي عراقي، أمامي استكان شاي، وفنجان قهوة عراقية، وبعض المأكولات الخفيفة.

ولم يكن جلوسي وحدي.

كان إلى جانبي اثنان من زملاء الدراسة الجامعية.

الأول كان قد زار اليابان قبل نحو عقدين، والثاني لا يزال يعمل في إحدى دوائر الدولة العراقية.

أما أنا، فقد مضت على إقامتي في ألمانيا نحو ثماني سنوات.

نظرنا إلى بعضنا طويلاً، وكأن الزمن الذي فرّقنا لعقود لم يكن أكثر من استراحة قصيرة بين محاضرتين.

قال زميلنا الموظف العراقي وهو يحتسي الشاي:

— ما رأيكم أن نقارن بين مستوى الخدمات في العراق وبين ما شاهدتموه في البلدان التي عشتما فيها؟

ابتسمت.

قلت:

— فكرة جيدة، ولكن بشرط ألا تكون المقارنة محرجة لأحد!

ضحك صديقي الياباني.

أما العراقي فهز رأسه بثقة وقال:

— ولماذا تكون محرجة؟ العراق اليوم في مقدمة دول العالم!

كدت أختنق بالقهوة.

قلت:

— ماذا قلت؟

قال:

— قلت إن العراق أصبح نموذجاً عالمياً في الخدمات.

نظرت إلى صديقي الياباني، فوجدته يحدق في صديقنا العراقي وكأنه يحاول التأكد من أن الرجل لم يشرب شيئاً أقوى من القهوة.

واصل صديقنا حديثه:

— انظروا إلى شوارعنا! نظيفة، واسعة، لا مطبات فيها، والسيارات تسير بانضباط مذهل، والجميع يحترم قوانين المرور.

قلت:

— حقاً؟

قال:

— بل وأكثر من ذلك! لقد أنشأنا سككاً حديدية معلقة حتى لا تعترض حركة المركبات والمشاة!

صفقت له بحرارة وقلت:

— بصراحة، هذه الخدمة أفضل من الموجودة في ألمانيا!

ابتسم الياباني وقال:

— ولكن هناك مشكلة صغيرة.

قلت:

— ما هي؟

قال:

— هذه السكك المعلقة لا يمكن تنفيذها بسهولة في اليابان، بسبب كثرة الزلازل والهزات الأرضية.

فقلت له:

— معك حق. يبدو أن العراق تفوق على اليابان في مجال لا تستطيع اليابان حتى التفكير فيه!

هنا بدأ صديقي العراقي يزداد ثقة بنفسه.

قال:

— وليس هذا فقط.

ثم وضع استكان الشاي على الطاولة وقال:

— نحن في العراق اعتمدنا بصورة أساسية على الطاقة النظيفة والمتجددة.

قلت:

— الطاقة المتجددة؟

قال:

— نعم. ولذلك اختفت أصوات المولدات الكهربائية من مدننا، ولم تعد هناك حاجة إلى مولدة في كل زقاق.

نظرت إلى صديقي الياباني.

كان قد بدأ يبتسم.

قلت:

— سجل هذه يا صديقي. العراق أصبح ينافس اليابان في الطاقة النظيفة!

واصل العراقي:

— أما الماء، فحدث ولا حرج. لدينا دجلة والفرات وخمسة روافد، وكلها تشق البلاد من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. لا عطش، ولا تصحر، ولا عواصف ترابية.

قلت:

— جميل جداً!

قال:

— بل إن أجواءنا الصيفية أصبحت تشبه أجواء الربيع.

هنا انفجرت بالضحك.

سألني الياباني:

— لماذا تضحك؟

قلت:

— لأنني تذكرت شيئاً بسيطاً.

— ماذا؟

— أنني قبل أن أنام قرأت خبراً عن العواصف الترابية في العراق!

قال العراقي:

— لا تصدق كل ما تقرأه.

قلت:

— صحيح… يبدو أنني كنت أقرأ أخباراً قديمة من العراق!

ثم انتقل صديقنا إلى الصحة.

قال:

— مستشفياتنا؟ شيء آخر تماماً. نظيفة، متطورة، وأطباؤنا من أفضل أطباء العالم. التعامل مع المرضى إنساني ومحترم، والأدوية ممتازة وأسعارها زهيدة.

قلت:

— يبدو أننا في ألمانيا متأخرون جداً!

قال:

— نعم، للأسف.

ثم رفع إصبعه وكأنه يقدم اكتشافاً علمياً:

— والتعليم أيضاً في أعلى المستويات العالمية. مدارسنا وجامعاتنا حديثة، ومعلمونا يعيشون حياة كريمة، ورواتبهم ممتازة.

التفتُّ إلى الياباني وسألته:

— هل تسمع؟

قال:

— أسمع، وأشعر أنني أريد العودة إلى العراق!

ضحكنا.

لكن صديقنا العراقي لم يكن يمزح.

قال:

— أما الشفافية، فالعراق لا ينافسه أحد. إدارة الدولة شفافة، والسياسيون يتعاملون مع القانون والشعب بكل نزاهة.

قلت:

— والسياسيون؟

قال:

— نعم.

— لا يأخذون رواتب؟

— بعضهم لا يحتاج إلى راتب من الدولة، لأن ولاءه للوطن والشعب فوق كل شيء.

هنا سقطت حبة تمر من يد صديقي الياباني.

قال:

— عفواً، هل نحن في العراق أم في الجنة؟

أجابه العراقي بكل جدية:

— في العراق طبعاً!

ثم تابع:

— لدينا برلمان قوي وفعال، وتداول سلمي للسلطة، والقانون فوق الجميع.

قلت:

— فوق الجميع؟

قال:

— نعم.

قلت:

— حتى فوق المسؤول؟

— بالتأكيد.

— وحتى فوق الحزب؟

— طبعاً.

— وحتى فوق صاحب النفوذ؟

سكت قليلاً ثم قال:

— القانون لا يعرف النفوذ.

هنا بدأ المقهى يمتلئ بالناس.

كان بعضهم قد اقترب ليسمع حديثنا.

ثم واصل صديقنا:

— أما التعايش الديني، فهو في أفضل حالاته. كل الأديان والمعتقدات محترمة، والناس يعيشون بأمان ومساواة.

ثم أضاف:

— وإدارة الدولة تقوم على أقاليم خدمية، لا على أسس عرقية أو مذهبية. وكل مواطن يستطيع أن يعيش حيث يريد دون تمييز، والقانون يحاسب الجميع بلا استثناء.

وضعت فنجان القهوة على الطاولة.

قلت:

— يا جماعة، لدي سؤال واحد فقط.

قالا:

— تفضل.

قلت:

— لماذا تركنا العراق إذن؟

ساد الصمت.

نظر الثلاثة إلى بعضهم.

لم يجد أحد جواباً.

بعد لحظات، قال صديقي العراقي:

— ربما لأننا لم نكتشف هذه الإنجازات إلا بعد أن غادرتم!

ضحك الجميع.

أما صديقي الياباني، فقد كان منشغلاً بفنجان القهوة.

رفع الفنجان، تذوقه مرة أخرى، وقال:

— بصراحة، هذه القهوة ممتازة.

قلت:

— وهل أعجبتك القهوة أكثر من الخدمات؟

قال:

— القهوة أفضل من الخدمات التي تحدثنا عنها!

ثم أخذ رشفة أخرى وقال:

— لقد زرت اليابان، وزرت أوروبا وأمريكا وأستراليا وإفريقيا، وشاهدت أنظمة كثيرة. لكن ما سمعته اليوم عن العراق يفوق كل ما رأيته في حياتي.

ثم قال بجدية مصطنعة:

— عندما أعود إلى اليابان سأقنع عائلتي بأن نترك الغربة ونعود إلى العراق.

سألته:

— ولماذا؟

قال:

— كي نستمتع بالشوارع بلا مطبات، والكهرباء بلا مولدات، والماء بلا انقطاع، والهواء بلا غبار، والمستشفيات الممتازة، والتعليم العالمي، والقانون العادل، والسياسيين المخلصين!

صفق أحد الجالسين.

ثم صفق آخر.

وخلال دقائق، تحول المقهى إلى مهرجان.

بدأ الناس يهتفون ويطلقون الصافرات ويرقصون.

كانوا فرحين جداً لأنهم اكتشفوا فجأة أن بلدهم أصبح يتصدر العالم في كل شيء.

واحد منهم صرخ:

— عاش العراق!

ورد الآخر:

— عاش العراق الذي لا مثيل له!

وثالث صاح:

— ألمانيا تتعلم منا!

ورابع:

— اليابان تريد العودة إلى العراق!

ثم تعالت الزغاريد والهوسات، واختلطت أصوات الضحك بالتصفيق.

وفجأة…

استيقظت.

فتحت عيني.

كان السقف فوق رأسي.

لم يكن هناك مقهى.

ولا استكان شاي.

ولا فنجان قهوة.

ولا صديقي العراقي.

ولا صديقي الياباني.

ولا سكك حديدية معلقة.

ولا شوارع بلا مطبات.

ولا كهرباء بلا مولدات.

ولا صيف يشبه الربيع.

ولا مستشفيات مثالية.

ولا برلمان ملائكي.

ولا سياسيون بلا رواتب.

ولا قانون فوق الجميع.

كان هناك فقط صباح جديد في الغربة.

سألتني العائلة:

— أين كنت؟

قلت:

— كنت في العراق.

نظروا إليّ باستغراب.

فقلت:

— كنت أستمتع بالخدمات!

ضحكوا.

قلت لهم:

— لا تضحكوا… كان العراق في حلمي أفضل من ألمانيا واليابان معاً!

قال أحدهم:

— وهل صدقت الحلم؟

فكرت قليلاً، ثم قلت:

— لا أعرف.

ثم ابتسمت بحزن:

— لكنني لأول مرة تمنيت ألا أستيقظ.

ربما كان ذلك مجرد حلم.

لكن الأحلام أحياناً لا تكذب؛ نحن الذين نكذب حين نستيقظ.

العراق ليس فقيراً في موارده، ولا فقيراً في تاريخه، ولا فقيراً في عقول أبنائه.

المشكلة أن بلداً يملك دجلة والفرات، والنفط، والغاز، والزراعة، والجامعات، والثروات البشرية، لا ينبغي أن تكون الكهرباء فيه حلماً، والماء الصالح للشرب إنجازاً، والشارع الخالي من الحفر مناسبة للاحتفال.

والأغرب من ذلك كله أن المواطن العراقي لا يطلب المستحيل.

لا يريد قطارات إلى القمر.

ولا يريد شوارع من ذهب.

ولا يريد مستشفيات من الخيال.

يريد فقط دولة تؤدي الوظيفة التي وُجدت من أجلها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في الحلم:

بلدان خرجت من حربين عالميتين مدمرتين، مثل ألمانيا، استطاعت أن تبني دولة ومؤسسات وخدمات جعلت الحياة اليومية أكثر انتظاماً.

واليابان التي تعرضت لدمار هائل وضربتين نوويتين استطاعت أن تنهض وتصبح قوة علمية واقتصادية عالمية.

أما نحن، فما زلنا أحياناً نحتفل إذا جاءت الكهرباء عدة ساعات متواصلة، ونفرح إذا مررنا في شارع دون أن تبتلعنا حفرة، ونعتبر الحصول على موعد في مستشفى حكومي إنجازاً يستحق الشكر.

لذلك، ربما لم يكن حلمي عن عراق متفوق على ألمانيا واليابان.

كان حلماً عن العراق الذي كان يمكن أن يكون.

العراق الذي يستحقه العراقيون.

العراق الذي لا يحتاج فيه المواطن إلى الهجرة كي يكتشف معنى الدولة.

والسؤال الحقيقي ليس:

لماذا يحلم العراقي بأن يكون العراق أفضل من ألمانيا واليابان؟

بل:

كيف وصل بنا الحال إلى أن يصبح العراق الذي نتمناه مجرد حلم؟

أما صديقي الياباني، فأظنه ما زال في المنام يشرب القهوة العراقية ويخطط للعودة إلى العراق.

وأنا؟

فقد استيقظت في ألمانيا، وفتحت النافذة، ونظرت إلى الشارع النظيف.

ثم قلت لنفسي:

ليتني أستطيع أن أنقل هذا الشارع إلى العراق، بدلاً من أن أضطر إلى نقل العراقي إلى هذا الشارع.

وهنا فقط أدركت أن المشكلة ليست في العراقي الذي هاجر…

بل في الوطن الذي جعل الهجرة أحياناً تبدو وكأنها آخر خدمة يستطيع المواطن أن يقدمها لنفسه.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت