حين تصبح الشاشة جبهة للمقاومة… “سيمای آزادي” وثلاثة عقود من معركة الوعي : منى سالم الجبوري

في الصراعات الكبرى، لا تحسم المعارك في الميدان وحده، بلتحسم أيضا في ميدان الوعي. فالأنظمة الاستبدادية تدرك أنالسيطرة على السلاح لا تكفي إذا فقدت السيطرة على المعلومة،وأن احتكار الحقيقة هو الضمانة الأولى لاستمرارها. لذلك، لميكن غريبا أن يجعل نظام ولاية الفقيه من الإعلام أحد أهم أدوات حكمه، وأن ينفق مليارات الدولارات على مؤسساته الدعائية، بالتوازي مع ملاحقة الصحفيين، وإغلاق الصحف، وحجب المواقع، وتشويش البث الفضائي، وفرض القيود على شبكة الإنترنت.

غير أن التجربة الإيرانية أثبتت في المقابل أن الحقيقة قادرة دائماعلى إيجاد منفذ إليها. فمن بين الجدران العالية التي شيدهاالنظام لحجب الأخبار، برزت قناة سيمای آزادي بوصفها، وفق القائمين عليها، مشروعا إعلاميا يهدف إلى كسر الاحتكارالرسمي للمعلومة، وإيصال صوت المعارضة والاحتجاجات إلىملايين الإيرانيين.

واليوم، ومع انطلاق الدورة الثلاثين لحملة الدعم الوطني للقناة، لا يقتصر الأمر على مناسبة سنوية لتأمين الموارد المالية، بل يعكس استمرار مشروع إعلامي استطاع أن يصمد ثلاثين عاما فيمواجهة واحدة من أكثر منظومات الرقابة تعقيدا في المنطقة. فاستمرار أي وسيلة إعلامية مستقلة طوال هذه المدة، في ظل حملات التشويش والضغوط السياسية والهجمات الإلكترونية، يمثل بحد ذاته رسالة بأن معركة الإعلام لم تحسم لصالح السلطة.

وتؤكد القناة أن استقلاليتها المالية تمثل أحد أهم عناصر قوتها، إذ تعتمد، بحسب ما تعلنه، على مساهمات الإيرانيين وأنصارها وأصدقاء قضية الحرية، بعيدا عن تمويل الحكومات أو مراكزالنفوذ. وهذه النقطة تمنح حملة الدعم بعدا يتجاوز التمويل،لتصبح، في نظر مؤيديها، استفتاء متجددا على أهمية استمرارالمنبر الإعلامي الذي ينقل ما يصفونه بالوجه الآخر لإيران، بعيداعن الرواية الرسمية.

ولعل ما يضاعف أهمية هذه الدورة أنها تأتي في مرحلة يعيش فيها النظام الإيراني أزمات متلاحقة؛ اقتصاد يزداد تدهورا،وصراعات محتدمة داخل أجنحة السلطة، وتصاعد في وتيرةالإعدامات، واحتجاجات اجتماعية لا تهدأ، إلى جانب ضغوطدولية متزايدة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح السيطرة على تدفق المعلومات هدفاً استراتيجيا لأي سلطة تخشى انفجار الشارع،لأن الخبر في كثير من الأحيان يسبق الحدث، والصورة قد تكونأكثر تأثيرا من آلاف البيانات الرسمية.

ومن هذا المنطلق، ترى القناة أن رسالتها لا تنحصر في نقل الأخبار، بل تشمل أيضا تغطية نشاطات المجلس الوطني للمقاومةالإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة، وإيصالأصوات المحتجين داخل إيران إلى العالم. وهي تعتبر أن الإعلامالحر يشكل جسرا بين الداخل الإيراني والرأي العام الدولي، ويحول دون نجاح محاولات عزل المجتمع الإيراني خلف ستار الرقابة.

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الأنظمة التي تفقد احتكار المعلومة تبدأ تدريجيا بفقدان احتكار المشهد السياسي. وهذا ما يفسرالحساسية الكبيرة التي يبديها النظام الإيراني تجاه كل وسيلةإعلامية مستقلة، لأن معركة البث بالنسبة إليه ليست معركة تقنية،وإنما معركة وجود. فهو يدرك أن سقوط الرواية الرسمية يفتح الباب أمام مساءلة السياسات، ويمنح المواطنين فرصة للمقارنة بين ما يقال لهم وما يحدث فعلا على أرض الواقع.

إن ثلاثين عاما من البث المتواصل تعني أن سيمای آزادي تحولت، بالنسبة لأنصارها، من قناة تلفزيونية إلى مؤسسة إعلامية تراكمت لديها الخبرة والقدرة على مواكبة التحولات التي شهدتها إيران والمنطقة. كما تعني أن الإعلام المعارض، مهما واجه من عراقيل، يستطيع أن يحافظ على حضوره إذا استند إلى قاعدة اجتماعية تؤمن بأهمية دوره.

وفي نهاية المطاف، قد تختلف المواقف السياسية تجاه القناة، لكن من الصعب إنكار حقيقة أن معركة الإعلام أصبحت أحد أبرز عناوين الصراع في إيران. وبينما يواصل النظام توسيع أدوات الرقابة والتعتيم، يراهن مؤيدو سيمای آزادي على أن الكلمة الحرة والصورة الصادقة قادرتان على اختراق الجدران التي تبنيها السلطات. فالتاريخ يعلمنا أن الأنظمة قد تنجح في إسكات الأصوات لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تمنع الحقيقة من الوصول إلى الناس إلى الأبد، وأن الإعلام الحر يظل، في نهاية المطاف، أحد أهم مفاتيح أي تحول سياسي يصنعه الشعب بإرادته.

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت