في السياسة لا تأتي بعض التصريحات في أوقاتها اعتباطا ، ولا تكون كل الكلمات التي تقال أمام الجمهور موجهة إلى الجمهور وحده ، فهناك كلمات لها وجه ظاهر يصفق له الناس ووجه آخر لا يراه إلا من يعرف كيف يقرأ المسافة بين السطور وكيف يبحث عن اليد التي تحرك الستارة دون أن تظهر في المشهد
لذلك فإن تصريح رئيس الوزراء العراقي الأخير علي الزيدي ب ” ألزمت نفسي بعدم الترشيح لولاية ثانية ، وبرامجنا الإصلاحية ستحصد نتائجها الحكومات المقبلة ” ، لا يبدو مجرد إعلان شخصي عن قرار بعدم الترشح بل يفتح بابا واسعا أمام أسئلة سياسية تتجاوز حدود التصريح نفسه ، فاللافت ليس فقط أن الرجل أعلن عدم رغبته في ولاية ثانية وإنما توقيت الإعلان والعبارة التي ربط فيها بين الرحيل وبين نتائج ستجنيها حكومات لم تأت بعد ، ففي السياسة التوقيت أحيانا أهم من الكلام ذاته ، وحين يعلن مسؤول في لحظة شديدة الحساسية أنه لن يكون حاضرا في المرحلة التالية ثم يترك خلفه برامج إصلاحية يفترض أن تحصد ثمارها حكومات لاحقة ، فإن السؤال لا يعود : لماذا قرر الرحيل؟ بل يصبح : هل كان الرحيل قرارا شخصيا بالكامل ، أم أن هناك سقفا سياسيا رسم له منذ البداية؟
لتبدأ من هنا خيوط العنكبوت في الظهور ، فالحكم في بعض مراحله لا يشبه كرسيا يجلس عليه شخص بإرادته المطلقة ، بقدر ما يشبه مشهدا كبيرا تتقاطع فيه أيدي كثيرة .. يد تفتح الطريق إلى الهرم ، ويد تهيئ الظروف ، ويد تمنح الشرعية ، ويد ترتب المشهد ، وأخرى تضع ساعة الرحيل قبل أن يبدأ الجالس في الاستقرار على مقعده ، ليصبح هنا الالتزام بعدم الترشح لولاية ثانية أكثر من تعهد سياسي ، حيث يفهم بوصفه رسالة إلى من هم في الداخل قبل أن يكون رسالة إلى الخارج ، يقال بها بصورة مباشرة : إن المرحلة لها حدود ، وإن الموقع ليس ملكا دائما لمن يجلس عليه ، وإن هناك فرقا بين من يصنع القرار ومن يجد نفسه جزءا من قرار صنع قبل وصوله
لكن هل يعني ذلك بالضرورة وجود صفقة أو ترتيب خفي؟
فقد يكون التصريح محاولة لتكريس صورة رجل الدولة الذي لا يتشبث بالسلطة ، خصوصا في بيئة سياسية اعتاد فيها بعض الحكام النظر إلى المنصب وكأنه امتداد طبيعي لشخصهم ، وقد يكون رسالة طمأنة للقوى السياسية التي تخشى من تحول الولاية الأولى إلى مشروع بقاء طويل ، وقد يكون أيضا خطابا شعبويا محسوبا بعناية ، وقد يكون تمهيد لما يدار في الخفاء ويرتب له بجدية ، فالإعلان المبكر عن عدم الترشح يمنح صاحبه مساحة أخلاقية وسياسية للقول : أنا لا أعمل من أجل ولاية قادمة ، بل من أجل أثر سيظهر بعد مغادرتي ، وهذه رسالة جذابة جدا أمام الجمهور ، لكن في الوقت ذاته هناك طبقة أخرى أكثر غموضا وهو ما يضع الاحتمال الاخير في الصدارة ، فعبارة ” ستحصد نتائجها الحكومات المقبلة ” تضع المستقبل في موضع الشاهد على الحاضر ، وكأن صاحب التصريح يقول لمن سيأتي بعده : ستعيشون فوق الأرض التي يجري إعدادها الآن ، وستحصدون ما يزرع اليوم
وهنا قد يكون المقصود مجرد الإصلاح الحقيقي وقد يكون المقصود أيضا تثبيت إرث سياسي يصعب على الحكومات القادمة تجاهله أو التراجع عنه ، فاليد الخفية التي تملك القدرة على وضع الإصلاحات في الحاضر ، تملك هندسة المستقبل حتى وإن لم تتصدر المشهد في الحكم ، ولذلك فإن أخطر ما في السياسة ليس دائما من يبقى في السلطة بل من يترك وراءه ترتيبات تجعل من يأتي بعده يتحرك داخل حدود رسمها السابقون له ومن هم خلف الستار ، وهذا ما يقودنا إلى السؤال الأوسع : من الذي يملك القرار فعلا ؟ ، هل هو الشخص الذي يقف أمام الكاميرات؟ أم المؤسسة التي تحيط به؟ أم القوى التي أوصلته؟ ام شبكة المصالح التي جعلت وصوله ممكنا ؟ ، الا ان الحقيقة الأكثر تعقيدا من ذلك السؤال هي أن الحاكم نفسه قد يكون في لحظة ما جزءا من منظومة أكبر منه ، فالتاريخ السياسي مليء بحكام دخلوا المشهد وهم يظنون أنهم أصحاب الصفحة ، ثم اكتشفوا متأخرين أنهم كانوا سطرا في كتاب أكبر ، ولهذا السبب تحديدا يبدو إعلان عدم الترشح في هذه المرحلة قابلا لأكثر من قراءة تلفها إشارات الاستفهام
فالأولى معلنة : رجل يضع حدا لطموحه السياسي ويقول إن الإصلاح أهم من البقاء
والثانية شعبوية : صناعة صورة القائد الذي لا يطارد الكرسي ، وإنما يترك إنجازا تتحدث عنه الأيام
والثالثة سياسية : إرسال رسالة إلى القوى الموجودة في الحكم بأن المرحلة ليست مفتوحة بلا نهاية
أما الرابعة ، وهي الأكثر غموضا فتترك السؤال معلقا خلف الستار في وجود هندسة سياسية للمشهد ، حيث تبدأ بتحديد من يصل ثم كيف يحكم ثم متى يغادر ، صحيح بأننا لا نملك من التصريح وحده إجابة قاطعة ، لكننا نملك حق السؤال ، وفي السياسة السؤال أحيانا أخطر من الإجابة ، لأن من يطرح السؤال يفتح الباب أمام قراءة ما وراء النص وما وراء الصورة وما وراء اليد التي تلوح للجمهور بينما توجد يد أخرى تكون منشغلة بترتيب المشهد بعيدا عن الضوء ، لتكون الرسالة الأهم لمن هم على سدة الحكم اليوم ولمن سيجلسون عليها غدا ” أن السلطة ليست نهاية الطريق وأن الكرسي الذي يبدو ثابتا قد يكون مؤقتا أكثر مما يتخيل صاحبه ، فكل مرحلة لها رجالها وكل مشروع له زمنه ، وكل يد تصنع المشهد تعرف في لحظة ما أن عليها أن تترك المسرح ”
وإذا كان الرحيل قد كتب قبل الوصول ، والساعة قد ضبطت قبل أن يبدأ العد التنازلي ، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الحاكم هو أن يخلط بين امتلاكه للمشهد وكونه جزءا من مشهد أكبر ، ومن هنا تحديدا تكمن حساسية تصريح ” الزيدي ” فربما يكون مجرد موقف شخصي وربما يكون رسالة سياسية محسوبة وربما يكون الاثنان معا ، لكن المؤكد هو أن السياسة لا تخبرنا دائما من يحرك الخيوط ، إنما تترك لنا ظل اليد على الجدار وتطلب منا أن نفهم شكلها من دون أن نراها ، ففي النهاية قد يرحل الأشخاص لكن ما يرتب في عهودهم قد يبقى طويلا بعد رحيلهم ، وهنا فقط ستكشف لنا الحكومات المقبلة : هل كانت الإصلاحات التي قيل إنها ستثمر مستقبلا بذورا حقيقية لنهضة قادمة ، أم أنها كانت جزءا من هندسة سياسية أوسع ستتكشف خيوطها مع مرور الوقت؟ ، فالزمن وحده من يملك القدرة على إسقاط الستار ، وعندها فقط سنعرف : من كان يحكم المشهد .. ومن كان مجرد جزء منه .




