حين يتأخر الإنصاف : متقاعدو العراق .. بين قانون يعدل وحقوق لا تنتظر : دعاء هزاع الجابري

دعاء هزاع الجابري - اليمن

في حياتنا المعاشة على مر سنوات طوال ، ثمة أعمار لا تقاس بعدد السنوات التي عبرت بل بما تركته من تعب في الذاكرة وما أنفقته من قوة في خدمة الناس ، وثمة موظفون حين يغادرون مكاتبهم لا يغادرون تاريخا وظيفيا اعتياديا بل يضعون بين يدي الدولة حصيلة عمر من الالتزام ، ثم ينتظرون أن يكون القانون آخر ما يخون هذا الانتظار

 

وفي ” العراق ” تفتح المقترحات المتعلقة بتعديل قانون التقاعد سؤالا يتجاوز الأرقام والسنوات : هل يمكن أن يمتد الإصلاح إلى من سبق أن أُحيلوا إلى التقاعد قبل السن الذي كان معمولا به؟ ، فقد طرحت مقترحات بشأن سن الإحالة إلى التقاعد وإتاحة شراء الخدمة لاستكمال بعض شروط الاستحقاق ، وهي مقترحات تحتاج إلى تشريع يحدد نطاقها وآثارها ، لأن العدالة لا تبدأ من الموظف الذي ما زال خلف مكتبه وتنتهي عند المتقاعد الذي أصبح خارج المؤسسة ، فالذين أُحيلوا إلى التقاعد قبل استكمال بعض المدد أو قبل بلوغ سن كان يمكن أن يمنحهم سنوات إضافية ، ليسوا أرقاما في جدول مالي بل أصحاب أعمار دفعت ثمنا حقيقيا لخدمة الدولة ، لذلك فإن أي تعديل لا يلتفت إلى أوضاعهم يفتح بابا جديدا للسؤال بدل أن يغلق بابا قديما من الانتظار ، أما إذا تضمن نصوصا انتقالية واضحة تسمح بإعادة النظر في بعض الحقوق وفق ضوابط عادلة ، فسيتحول القانون من مجرد أداة لتنظيم المستقبل إلى وسيلة لإنصاف الماضي

 

لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم من كل ذلك بوضوح ، هو : لماذا يطلب من المتقاعد أن ينتظر دائما ، بينما تمنح القوانين الجديدة فرصة لإصلاح المستقبل ولا تمنح الماضي فرصة للإنصاف؟ ، فإن ترك هذه الفئات خارج أي معالجة عادلة ليس مجرد نقص في الصياغة بل تجاهل لأثر القرار على حياة أناس لم يعودوا يملكون رفاهية الانتظار ، فالمتقاعد الذي أُحيل إلى التقاعد قبل سنه القانوني أو حرم من استكمال مدة كان يمكن أن تغير استحقاقه ، لا يطلب أن يعامل كأنه لم يتقاعد بل يطلب أن تراجع أوضاعه بميزان لا يختزل عمره في تاريخ إحالة ، لا والأشد إيلاما من ذلك هو أن يقال للمتقاعد إن القانون يعدل لمصلحة الفئات المقبلة ثم يترك أمام سؤال قديم ، وهو : وماذا عن الذين سبقونا ؟

 

ومن هنا تحديدا وجب التأكيد بإن العدالة التي تبنى على استثناء أصحاب الحق ليست عدالة مكتملة ، والإصلاح الذي يترك المتضررين من تطبيق سابق للقانون خارج حساباته يظل إصلاحا ناقصا مهما حسنت عباراته ، فالدولة التي تحترم موظفيها لا تكتفي بأن تدفع لهم معاشا بل تحرص على ألا يتحول التقاعد إلى عقوبة إضافية على من خدمها ، ومن حق المتقاعد أن يعرف : هل سينظر في وضعه؟ هل ستتاح له فرصة قانونية لاستكمال ما يمكن استكماله؟ وهل ستكتب النصوص الانتقالية بوضوح يمنع اختلاف التفسير وضياع الحقوق؟ ، فالمتقاعد لا يطلب من الدولة أن تعيد إليه شبابه فهو يعرف أن الزمن لا يعود ، لكنه يطلب ألا يتحول ما تبقى من عمره إلى انتظار آخر ، حيث يطلب قانونا يرى الإنسان قبل الملف والحق قبل الإجراء والإنصاف قبل أن يصبح مجرد وعد

 

ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي تعديل في قانون التقاعد لن تقاس بعدد المواد التي تغيرت بل بعدد الحقوق التي أُعيد إليها معناها ، وعدد المتقاعدين الذين شعروا أن الدولة لم تنس ما قدموه لها ، فالإنصاف ليس أن نحسن ترتيب المستقبل بل أن نصلح ما أمكن من أثر الماضي ، وأن نثبت للمتقاعد أن خدمته لم تنته يوم غادر وظيفته ، وأن حقه لا ينبغي أن يتأخر حتى يفقد صاحبه القدرة على الانتظار .

IMG-20260721-WA000018Ld3cyB

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت