حين سُئل قاتل الرئيس المصري أنور السادات عن سبب قتله، قال: «لأنه علماني». فسأله القاضي: وما معنى علماني؟ فأجاب: «لا أعرف».
وحين سُئل قاتل الأديب الكبير نجيب محفوظ: لماذا طعنته؟ قال: «بسبب رواية أولاد حارتنا». فسأله القاضي: وهل قرأت الرواية؟ قال: «لا».
وحين سُئل قاتل المفكر فرج فودة: لماذا اغتلته؟ قال: «لأنه كافر». فسأله القاضي: وكيف عرفت أنه كافر؟ قال: «من كتبه». فسأله: وهل قرأت كتبه؟ فأجاب: «أنا لا أقرأ ولا أكتب».
انتهی الاقتباس ،
قد تبدو هذه الوقائع، للوهلة الأولى، حكايات عن الجهل وسوء الفهم، لكنها في حقيقتها أعمق وأخطر من ذلك بكثير. إنها تكشف كيف يمكن للعقل حين يُحرم من التعليم، ويُغلق أمامه باب السؤال والنقاش، أن يتحول إلى أداة طيّعة في يد من يعبئه بالكراهية ويغذيه بالخوف ويمنحه شعارات جاهزة بدلاً من المعرفة.
فالإنسان الذي لا يقرأ يمكن أن يُقنعوه بأن كتاباً خطر، وإن لم يفتحه قط. والذي لا يعرف معنى العلمانية يمكن أن يُقنعوه بأنها عدو للدين. والذي لم يدرس التاريخ يمكن أن يجعلوه يكره طائفة أو قومية كاملة بسبب رواية سمعها من خطيب أو سياسي أو صاحب مصلحة.
وهنا تبدأ الكارثة: حين يتراجع العلم، يتقدم التعصب؛ وحين يغيب العقل، يصبح الشعار بديلاً عن الحقيقة.
العراق… حين تحولت الهويات إلى أدوات سياسية
وليس العراق بعيداً عن هذه الحقيقة.
لقد مرّ هذا البلد خلال العقود الماضية بتجارب سياسية وفكرية واجتماعية متعددة، وجُرّبت فيه مشاريع قومية ودينية ومذهبية وحزبية مختلفة. وفي كل مرة كان المواطن البسيط يأمل أن تأتيه دولة تحفظ كرامته، وتوفر له الأمن والعمل والتعليم والخدمات، فإذا به يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام صراعات جديدة، وشعارات جديدة، واصطفافات جديدة.
لقد جرى توظيف الدين والمذهب والقومية والطائفة في السياسة بصورة أضعفت مفهوم المواطنة، وجعلت بعض الناس ينظرون إلى الدولة من خلال هويته الفرعية قبل أن ينظر إليها بوصفها وطنه.
وهنا يجب أن نكون واضحين: المشكلة ليست في الدين، ولا في المذهب، ولا في القومية بوصفها انتماءات ثقافية واجتماعية. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الانتماءات إلى أدوات للمتاجرة السياسية، أو إلى حصون تحتمي خلفها شبكات الفساد والمحاصصة والمصالح الشخصية.
فالدين لا يسرق المال العام، والمذهب لا ينهب خزينة الدولة، والقومية لا تختلس حقوق الناس؛ الذي يفعل ذلك هو الإنسان الفاسد حين يجد لنفسه غطاءً مقدساً يحتمي به من المساءلة.
الفقير يحتاج إلى مدرسة قبل أن يحتاج إلى شعار
إن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة بالمواطن ليس أن تأخذ منه ماله فقط، بل أن تأخذ منه قدرته على التفكير.
فالمواطن الواعي يسأل: أين ذهبت أموال الدولة؟
من المسؤول عن البطالة؟
لماذا تتراجع الخدمات؟
لماذا لا يُحاسَب الفاسد؟
أين حقي من ثروة بلادي؟
ولماذا أكون تابعاً لهذا الحزب أو ذاك لمجرد أنه يرفع شعاراً دينياً أو قومياً أو طائفياً؟
أما المواطن الذي حُرم من التعليم، وأُثقل بالفقر، وأُغلق أمامه باب المعرفة، فقد يكون أكثر استعداداً لتصديق من يمنحه شعاراً بسيطاً وعدواً وهمياً ومسؤولاً يحمّله كل مشاكله.
ولهذا فإن أخطر مشروع يمكن أن يبنى في العراق ليس مشروعاً حزبياً أو طائفياً، بل مشروعاً تربوياً وتعليمياً يصنع الإنسان الذي لا يمكن استعباد عقله.
الوطن يبدأ من المدرسة :-
إذا أردنا بناء عراق مختلف، فعلينا أن نبدأ من المكان الذي تبدأ منه كل الأمم التي تريد أن تصنع مستقبلها: المدرسة.
فالمدرسة ليست مكاناً لحفظ الدروس والامتحانات فقط، وإنما هي الورشة الأولى لصناعة المواطن.
نريد مدرسة تعلم الطفل كيف يفكر، لا ماذا يفكر.
نريد معلماً يعلّم تلميذه احترام الإنسان قبل احترام الاختلاف، واحترام القانون قبل احترام الزعيم، واحترام الوطن قبل احترام الشعارات.
نريد مناهج تُعلّم التاريخ كما حدث، لا كما تريده الأحزاب؛ وتُعلّم الدين بوصفه قيمة أخلاقية وروحية، لا أداة للصراع السياسي؛ وتُعلّم الطالب أن اختلافه مع الآخر لا يجعله عدواً له.
ونريد جامعات لا تمنح الشهادات فقط، وإنما تمنح المجتمع عقلاً نقدياً، وبحثاً علمياً، وقدرة على الابتكار، وإحساساً بالمسؤولية الوطنية.
فالأمم لا تُبنى بكثرة الشعارات، وإنما بكثرة العلماء والباحثين والأطباء والمهندسين والمعلمين والمفكرين وأصحاب الكفاءة.
نحتاج إلى جيل عراقي جديد :-
العراق بحاجة إلى جيل جديد لا يعيش أسير الماضي، ولا يحمل أخطاء الآباء على أكتافه، ولا يرى جاره عدواً لأنه ينتمي إلى مذهب مختلف، ولا يرى شريكه في الوطن غريباً لأنه ينتمي إلى قومية أخرى.
نحتاج إلى جيل عراقي واعٍ، مدني، متحضر، يؤمن بالمواطنة، ويحترم الدين، ويحترم العلم، ويؤمن بحرية الإنسان وكرامته، ويفصل بين المقدس الذي يحترمه وبين السياسي الذي يخضع للمساءلة.
جيل يعرف أن الوطن ليس ملكاً لحزب، ولا لطائفة، ولا لقومية، ولا لعائلة سياسية.
الوطن ملك أبنائه جميعاً:-
وهذا الجيل لن يولد من رحم الخطب وحدها، ولن تصنعه الانتخابات وحدها، ولن تنتجه الشعارات الطائفية أو القومية؛ بل تصنعه المدرسة والجامعة والكتاب والمختبر والقانون والأسرة والإعلام المسؤول.
لقد جُرّبت الشعارات… فلنجرب الإنسان :-
لقد جُرّبت في العراق أفكار وشعارات كثيرة، دينية وقومية ومذهبية وحزبية، وكل تجربة تركت وراءها دروساً ينبغي أن نتعلم منها.
وليس المطلوب أن نحارب الدين، ولا أن نلغي القومية، ولا أن نمحو المذاهب من وجدان الناس؛ فهذه مكونات اجتماعية وثقافية لا يمكن اقتلاعها بقرار سياسي.
المطلوب هو أن نضع المواطنة فوق الانتماءات السياسية، والقانون فوق الجميع، والعلم فوق الخرافة، والكفاءة فوق المحاصصة، والإنسان فوق الشعار.
فلا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية القرون الماضية، ولا يمكن أن ننتظر السعادة من وصفات ثبت فشلها في إدارة الدولة والمجتمع.
إن المستقبل لا يُمنح لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يمتلك معرفة أكبر.
المعركة الحقيقية :-
إن المعركة الحقيقية في العراق ليست بين السنة والشيعة، ولا بين العرب والكورد، ولا بين المسلمين والإيزيديين والمسيحيين وسائر المكونات.
المعركة الحقيقية هي بين الوعي والجهل، وبين المواطنة والطائفية، وبين القانون والمحاصصة، وبين العلم والخرافة، وبين دولة المؤسسات ودولة الغنائم.
وحين يصبح المواطن متعلماً وواعياً، لن يستطيع السياسي أن يشتريه بكيس طحين أو بوعد انتخابي أو بخطاب طائفي.
وحين يعرف المواطن حقوقه، لن يقبل أن يتحول صوته إلى سلعة انتخابية.
وحين يتعلم الطفل أن قيمة الإنسان في علمه وأخلاقه وعمله، لا في طائفته وقوميته وحزبه، سنكون قد بدأنا فعلاً ببناء العراق الذي نحلم به.
فقط باقي ان نقول :-
إن أعظم ثروة يمتلكها العراق ليست النفط، ولا الغاز، ولا الأرض، ولا الموقع الجغرافي؛ إنها الإنسان.
وإذا صلح الإنسان صلحت الدولة، وإذا ارتفع مستوى وعيه ارتفع مستوى وطنه.
لذلك، إذا أردنا إنقاذ العراق، فلنبدأ من التعليم.
وإذا أردنا محاربة الطائفية، فلنبدأ من المدرسة.
وإذا أردنا محاربة الفساد، فلنبدأ بصناعة مواطن يعرف حقوقه ولا يبيع صوته.
وإذا أردنا بناء دولة مدنية حديثة، فلنربِّ جيلاً يؤمن بأن الوطن بيت الجميع، وأن القانون لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين سني وشيعي، ولا بين عربي وكوردي وإيزيدي ومسيحي، ولا بين قوي وضعيف.
فالمستقبل لا يصنعه السياسيون وحدهم، ولا رجال الدين وحدهم، ولا الأحزاب وحدها.
المستقبل تصنعه الأجيال.
والأجيال لا تُصنع بالشعارات…
بل بالعلم.
ولا تُبنى الأوطان بالعقول المغلقة…
بل بالعقول التي تقرأ وتسأل وتفكر وتختلف وتحاور وتبحث عن الحقيقة.
فإذا أردنا وطناً سعيداً، فعلينا أولاً أن نصنع إنساناً واعياً.
فالمدرسة التي تصنع عقلاً حراً اليوم، قد تصنع وطناً حراً غداً.
م ماجد حسن سلو
المانیا ۱٦-۸-۲۰۲٦



