حين يكون كل إنسان شيخًا لقبيلته حكاية قديمة… وكرامة شعبٍ ما زال ينتظر من يدافع عنه:ماجد حسن سلو

 

حين يكون كل إنسان شيخًا لقبيلته

حكاية قديمة… وكرامة شعبٍ ما زال ينتظر من يدافع عنه

يُروى أن راعيًا خرج ذات يوم بغنمه من مضارب قبيلته، ومضى بعيدًا في البراري، حتى تاهت به الطرق، ولم يعد يعرف أين تبدأ أرض قومه وأين تنتهي.

وبينما هو يتجول حائرًا، تجاوز حدود قبيلته من غير قصد، ودخل أراضي قبيلة أخرى كانت تجاورهم.

وما إن رآه حراس تلك القبيلة حتى ألقوا القبض عليه. لم يضربوه، ولم يهينوه، ولم يحققوا معه، بل اقتادوه إلى شيخ قبيلتهم، لأنهم كانوا يرون أن إصدار الحكم ليس من صلاحيات الحراس، وإنما من صلاحية الحاكم وشيخ القبيلة.

وعندما اقتربوا من مضيف الشيخ، استوقفهم حراسه وسألوهم:

— من هذا الرجل؟ ولماذا جئتم به؟

فأجابوا:

— وجدناه وقد تجاوز حدود قبيلته ودخل أرضنا، فألقينا القبض عليه وجئنا به إليكم، لأن أمره ليس من صلاحياتنا. أنتم تقررون مصيره.

فأمر الشيخ بأن يوضع الرجل في مكان آمن، وأن يُكرم ويُطعم ويُكسى، وقال:

— اتركوا أمره حتى يحين وقته، ثم ننظر في شأنه.

ومرت الأيام، حتى علم كبار رجال قبيلة الراعي أن أحد أبنائهم موجود لدى القبيلة المجاورة.

فاجتمع عدد من وجهائهم وكبار شخصياتهم، وتوجهوا إلى مضيف شيخ القبيلة الأخرى.

دخلوا، وألقوا السلام، فرحب بهم الشيخ وقال:

— ما حاجتكم؟ وكيف يمكنني أن أخدمكم؟

فقالوا جميعًا بصوت واحد:

— الرجل الذي عندكم هو كبير قبيلتنا ورئيسها، وقد احتجزتموه لديکم ، ونريد منكم إطلاق سراحه فورًا، فهو رجل عظيم وله مكانة كبيرة بين قومه.

نظر الشيخ إليهم باستغراب، ثم قال:

— لكنه لم يخبرنا قط بأنه شيخ قبيلتكم أو كبيرها! بل وجدناه رجلًا بسيطًا، هزيل الهيئة، لا يبدو عليه شيء من مظاهر الزعامة!

فقال أحدهم:

— ربما لم يُرد أن يثبت لكم مكانته بالكلام، لكن انظر إلينا… نحن كبار قومه، وقد جئنا جميعًا من أجله.

ابتسم الشيخ وقال:

— إذا كان الأمر كذلك، فخذوا كبيركم معكم. ونعتذر منكم لأننا لم نكن نعلم مكانته عندكم.

وأكرمهم الشيخ، وأطعمهم، ثم غادروا ومعهم الراعي.

لكن بعد أيام، اكتشف شيخ القبيلة أن الرجل لم يكن شيخًا ولا رئيسًا ولا كبيرًا لقبيلته… بل كان مجرد راعٍ للغنم!

فأرسل رجالًا إلى قبيلته يسألونهم:

— لماذا كذبتم علينا؟ لماذا قلتم إن الرجل شيخكم وكبيركم، وهو ليس كذلك؟

فجاءهم الجواب الذي بقيت حكمة هذه الحكاية محفوظة بسببه:

لأننا لا نريد أن نعلّم الآخرين أن قيمة الإنسان في قبيلتنا مرتبطة بمنصبه أو ماله أو اسمه.

ثم قالوا:

— عندما يُحتجز راعينا، فإننا نشعر أن كرامتنا جميعًا قد أُهينت. وإذا ضاع أحد أبنائنا ولم يبحث عنه أحد، ولم يقف إلى جانبه أحد، فمعنى ذلك أننا أصبحنا قومًا بلا كرامة.

وأضافوا:

— عندنا لا يوجد إنسان صغير وإنسان كبير. الراعي مثل الشيخ، والفقير مثل الغني، والمعلم مثل التاجر، والعامل مثل صاحب الجاه. كلهم أبناء قبيلة واحدة، ولكل واحد منهم كرامته وقيمته ومكانته.

تلك هي الحكاية… وهنا تبدأ حكايتنا نحن.

فماذا لو طبقنا هذه الحكاية على واقع المجتمع الإيزيدي اليوم؟

لقد مرّت اثنتا عشرة سنة على كارثة الإبادة التي تعرّض لها الإيزيديون، وما زالت آلاف النساء والفتيات الإيزيديات اللواتي اختطفهن تنظيم داعش في عداد المفقودات، وما زالت عائلات كثيرة تنتظر خبرًا، أو أثرًا، أو حتى رفاتًا يعيد إليها شيئًا من اليقين.

اثنتا عشرة سنة من الانتظار.

اثنتا عشرة سنة من الصراخ.

اثنتا عشرة سنة من الأمهات اللواتي ينمن على أمل أن يطرق أحد أبوابهن ذات يوم ويقول:

وجدنا ابنتك.

لكن العالم الذي يتحدث كثيرًا عن حقوق الإنسان يبدو، في كثير من الأحيان، عاجزًا عن سماع صرخة امرأة إيزيدية تبحث عن ابنتها.

ولدينا رفات آلاف الضحايا الذين قُتلوا على أيدي داعش، وما زالت عظام بعضهم تنتظر أن تُستخرج من المقابر الجماعية، وأن تُعامل بما يليق بكرامة الإنسان الذي كان له اسم، وأم، وأب، وأطفال، وبيت، وحياة.

إنها ليست عظامًا مبعثرة في التراب.

إنها أسماء وحكايات وبيوت وأمهات وأطفال.

ولدينا مئات الآلاف من النازحين الذين عاشوا سنوات طويلة في المخيمات، في ظروف قاسية، تحت حر الصيف وبرد الشتاء، بعيدًا عن بيوتهم وأراضيهم وذكرياتهم.

ولدينا بيوت مهدمة، وقرى ومجمعات تحتاج إلى إعادة إعمار، ومدارس وخدمات صحية ومياه وطرق وفرص عمل، فيما ما زالت قضية عودة الناس إلى ديارهم مرتبطة بصراعات سياسية وأمنية تتجاوز إرادتهم.

ولدينا أيضًا مفقودون لا تعرف عائلاتهم حتى اليوم أين انتهى بهم المطاف.

وهنا يحق لنا أن نسأل:

أين كرامة الإنسان الإيزيدي؟

أين كرامة شعبٍ تعرّض عبر تاريخه لعشرات حملات الإبادة بسبب اختلافه في الدين والعقيدة؟

أين كرامة أمٍّ لا تعرف أين ابنتها منذ اثنتي عشرة سنة؟

أين كرامة أبٍ ينتظر رفات ابنه؟

أين كرامة طفل وُلد في مخيم ولم يعرف بيته إلا من خلال الصور؟

أين كرامة عائلة تنظر إلى بيتها المهدّم ولا تستطيع العودة إليه؟

والسؤال الأكبر:

أين المجتمع الدولي الذي لا يتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان؟

نحن لا نطلب امتيازًا خاصًا.

ولا نطلب أن تكون حياة الإيزيدي أغلى من حياة غيره.

نحن نطلب فقط أن تكون حياة الإيزيدي مساوية لحياة أي إنسان آخر.

نريد أن تُعامل المرأة الإيزيدية المختطفة باعتبارها إنسانة لها حق في الحرية والكرامة، لا باعتبار قضيتها ملفًا يُفتح في المؤتمرات ثم يُغلق بعد انتهاء الكلمات.

نريد البحث الجاد عن المفقودين.

نريد انتشال رفات الضحايا ودفنهم بما يليق بإنسانيتهم.

نريد إعادة إعمار سنجار.

نريد عودة النازحين إلى بيوتهم بكرامة وأمان.

نريد مدارس وماءً ومستشفيات وطرقًا وحياة طبيعية.

ونريد قبل كل ذلك أن يشعر الإيزيدي أن حياته ليست رخيصة، وأن دمه ليس أقل قيمة، وأن كرامته ليست موضوعًا ثانويًا في أجندة الدول والمنظمات.

الحكاية القديمة عن الراعي الضائع تقول شيئًا بسيطًا وعظيمًا في آن واحد:

القوم الذين لا يدافعون عن أضعف فرد بينهم، لا يحق لهم أن يتحدثوا عن الكرامة.

فالقبيلة في تلك الحكاية لم تدّعِ أن راعيها شيخ لكي تنقذه.

لقد جعلته شيخًا بوقوفها إلى جانبه.

وهذا هو الدرس الذي نحتاج أن نفهمه اليوم.

ليس المهم أن يكون الضحية سياسيًا أو قائدًا أو غنيًا أو صاحب نفوذ.

ليس المهم أن يكون من عائلة كبيرة أو عشيرة قوية.

المهم أنه إنسان.

والإنسان الذي لا يجد من يبحث عنه عندما يضيع، ولا من يدافع عنه عندما يُظلم، ولا من يطالب بحقه عندما يُقتل، يعيش في مجتمع فقد شيئًا من معنى الإنسانية.

أما نحن الإيزيديين، فقد عرفنا معنى أن يضيع الإنسان.

عرفناه في الجبل.

وفي المخيم.

وفي المقابر الجماعية.

وفي أسواق النخاسة.

وفي عيون الأمهات.

وفي بيوتٍ ما زالت تنتظر أبناءها.

لذلك، لا نريد أن نكون قبيلة لا ترى إلا شيوخها وكبارها.

نريد أن نكون مجتمعًا يرى كل إنسان فيه كبيرًا.

الراعي كبير.

والفقير كبير.

والمرأة المختطفة كبيرة.

والطفل المفقود كبير.

والشهيد الذي ما زالت عظامه تحت التراب كبير.

والنازح الذي يعيش خلف الخيمة كبير.

كل إيزيدي كبير، لأن كرامة الإنسان لا تحتاج إلى منصب كي تستحق الدفاع عنها.

فإذا كانت الحكاية القديمة قد جعلت من راعٍ بسيط «شيخًا» لأن قومه وقفوا إلى جانبه، فإن مأساة الإيزيديين اليوم تسألنا جميعًا:

هل نستطيع أن نقف إلى جانب كل إنسان إيزيدي، أم سنبقى نبحث عن الكبير بيننا ونترك الصغير لمصيره؟

إن كرامتنا لا تُقاس بعدد شيوخنا، ولا بعدد بيانات الإدانة التي تصدر باسمنا.

كرامتنا تُقاس بعدد الذين لا نتركهم خلفنا.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للإنسانية… وللدول… وللحكومات… وللمجتمع الدولي.

فمن يبحث عن امرأة إيزيدية واحدة اختُطفت قبل اثنتي عشرة سنة، كأنه يبحث عن ابنته هو.
ومن يحفظ رفات شهيد إيزيدي، كأنه يحفظ كرامة الإنسانية كلها.

 

الاشتراك
نبّهني عن
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت